مع استمرار الجفاف وتراجع "الفرات" 

دون بدائل ريّ حديثة.. شمالي وشرقي سوريا بانتظار الأسوأ

بحيرة سد الفرات بمنطقة الطبقة في محافظة الرقة شمال شرقي سوريا- 7 من أيلول 2021 (تعديل عنب بلدي \ حسام العمر)

ع ع ع

الرقة – حسام العمر

استدان عبد العزيز الأحمد (47 عامًا)، مزارع من ريف الرقة الجنوبي، مبلغ خمسة آلاف دولار أمريكي من أحد أقربائه ليحفر بها بئرًا ارتوازية لري أرضه الزراعية.
ورغم وقوع أرض عبد العزيز على مشروع ريّ من نهر “الفرات”، حيث يجري توصيل المياه لأطراف أرضه عن طريق قنوات أسمنتية، لم يمنعه ذلك من حفر بئره.

عبد العزيز قال لعنب بلدي، إن المحاصيل التي زرعها، سواء محصول القمح أو الخضراوات، تضررت كثيرًا هذا العام بسبب قلة مياه الري، ما انعكس سلبًا على إنتاجها الذي لا يسدّ التكلفة المادية الباهظة التي وضعها خلال الموسم.

خروج مساحات مروية عن الخطة الزراعية التي تديرها “لجنة الزراعة والري” في “مجلس الرقة المدني”، وجفاف مساحات كانت تُسجّل ضمن المساحات البعلية التي تروى بالأمطار، مشاهد صادمة وأحاديث مقلقة يتناولها المسؤولون الزراعيون في كل اجتماع يعقد في الرقة.
عضو في “لجنة الزراعة والري”، تحدث لعنب بلدي عن حالة قلق يعيشها المزارعون ليس فقط في الرقة، بل في “أغلب” المناطق التي تروى على مياه نهر “الفرات” ومياه الأمطار.

ومنذ بداية العام الحالي، واجهت مناطق شمالي وشرقي سوريا ظروف جفاف سببها انخفاض كمية تدفق مياه نهر “الفرات”، وانخفاض معدل الهطولات المطرية.

مستقبل غير مبشّر

ينتظر الأراضي الزراعية في مناطق شمالي وشرقي سوريا مستقبل مجهول في حال استمرار النقص الحاصل في الوارد المائي لنهر “الفرات”، واستمرار ظروف الجفاف التي رافقت نقص كميات الأمطار الهاطلة خلال الشتاء الماضي.

عضو “لجنة الزراعة”، الذي تحفظ على ذكر اسمه لأسباب أمنية، تحدث لعنب بلدي عن عدم التزام المزارعين بتحذيرات أطلقتها “المؤسسات المعنية” بالقطاع الزراعي، تؤكد ضرورة الترشيد بمياه الري وتجنب هدرها، وعدم زراعة مساحات كبيرة أو محاصيل تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه خلال الري.

وتعتبر محاصيل القمح والقطن والذرة والخضراوات من أهم المحاصيل في الرقة، وأكثرها استجرارًا للمياه، وتروى إما بشكل مباشر من مياه النهر بالنسبة للأراضي الزراعية القريبة من “الفرات”، وإما من مشاريع الري عبر القنوات الأسمنتية أو الآبار الارتوازية ومياه الأمطار التي تسقي الأراضي البعلية.

التركيز على مشاريع الري

المهندس الزراعي حسين الرجب قال لعنب بلدي، إن على “الإدارة الذاتية” تبني خطة طويلة الأمد لترشيد استخدام مياه الري، عبر إدخال مشاريع الريّ الحديث، سواء الري بالرذاذ أو التنقيط، بما يكفل توفير ما يصل إلى نصف كمية المياه المستخدمة في ريّ المحاصيل الزراعية.

واعتبر حسين أن إهمال خطط الري ينذر بكارثة اقتصادية قد تصيب المنطقة، كما حثّ “الإدارة الذاتية” على التواصل مع المنظمات الدولية والتحالف الدولي لتأمين ودعم مشاريع الريّ الحديث.

استنزاف المخزون المائي

أحد العاملين في سد “الفرات”، قال لعنب بلدي، إن الكمية التي تستجرّها المنطقة من مياه البحيرات الواقعة خلف السدود المقامة على نهر “الفرات”، تتجاوز الكمية المتدفقة من الأراضي التركية، ما يعني أن المنطقة تستنزف مخزونها المائي.

وأضاف العامل في السد، أن إدارة سد “الفرات” مجبرة على السماح بمواصلة تدفق المياه، حتى لو استنزفت البحيرة، باعتبار أن إيقاف التدفق يعني توقف توليد الطاقة الكهربائية، أي إيقاف مياه الشرب عن المدن، والانقطاع التام للتيار الكهربائي.

وفي 8 من أيلول الماضي، قالت رئيسة اتحاد المختصين الزراعيين في الرقة، آية الحسن، إن منطقة شمال شرقي سوريا أمام كارثة حقيقية جراء الجفاف، بالتوازي مع تدنّي الإنتاج الزراعي في منطقة يعتمد اقتصادها على المردود المادي للناتج الزراعي بالدرجة الأولى، وفق ما نقلته وكالة “نورث برس” المحلية.

واعتبرت الحسن أن المنطقة مهددة بفقدان مصادر دخلها الرئيسة بسبب الجفاف، وأن المساحة الإجمالية للأراضي المروية هي 325 ألف هكتار، منها 225 ألف هكتار تروى من مياه نهر “الفرات”، وتتجه المساحة نحو الانخفاض بسبب قلة مياه الري.

مستوى “الفرات”.. المشكلة إقليمية

تتهم “الإدارة الذاتية” تركيا بحبس مياه نهر “الفرات”، منذ 27 من كانون الثاني الماضي، عبر ضخ كمية لا تزيد على 200 متر مكعب في الثانية من المياه إلى الأراضي السورية، ما أسفر عن انخفاض منسوب النهر وأثّر على الزراعة.

وتعتبر هذه الكمية أقل من تلك المتفق عليها بين سوريا وتركيا عام 1987، وهي 500 متر مكعب في الثانية نحو الأراضي السورية، بينما يحصل العراق على نحو 60% من هذه الكمية.

لكن وكالة أنباء “رويترز” نقلت عن خبراء ومسؤولين أتراك أن المشكلة إقليمية سببها انخفاض معدل الأمطار السنوي الذي يتأثر بالتغيرات المناخية.

وبحسب ما نقلته “رويترز”، في 10 من أيار الماضي، عن خبراء المياه والمناخ، فإن مخاوف المياه في البلاد لم تنتهِ بعد، وأعداد السدود الكبيرة جزء من المشكلة.

وقالت خبيرة إدارة المياه في مركز “اسطنبول للسياسات”، أكغون إلهان، للوكالة، “بدلًا من محاولة تقليل الطلب على المياه، أو تقليل الكمية المفقودة من خلال الأنابيب المكسورة والتسريبات، فإننا نركّز فقط على خلق المزيد من الإمداد من خلال بناء سدود جديدة”.

وبنت تركيا أكثر من ألف سد جديد على مدار الـ18 عامًا الماضية، ومن المتوقع الانتهاء من 90 سدًا جديدًا في العام الحالي، وفقًا للمديرية العامة للأشغال الهيدروليكية الحكومية (DSI) في البلاد.

وتظهر أرقام “DSI” أن المياه المتاحة في تركيا تنخفض بشكل مطّرد على مدى العقدين الماضيين، من حوالي ألف و650 مترًا مكعبًا للفرد في عام 2000، إلى أقل من ألف و350 مترًا مكعبًا في عام 2020.

ووفق معايير الأمم المتحدة، تعاني الدولة من “الإجهاد المائي”، إذ انخفضت حصة الفرد إلى أقل من ألف و700 متر مكعب سنويًا، كما تعاني من “ندرة المياه”، إذ وصلت حصة الفرد إلى ألف متر مكعب.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة