من “موسيقى على الطريق” إلى “حدائق الفن”

ع ع ع

نبيل محمد

أن تسعى اليوم وزارة الثقافة السورية لاختصار المسافة بين الجمهور والفعاليات الفنية، من خلال إقامة حفلات في الهواء الطلق ضمن مبادرة “حدائق الفن”، التي تتضمن إحياء حفلات موسيقية في الحدائق والساحات العامة، مشهد يبدو أشبه بنكتة مشابهة لمختلف محاولات تجميل صورة البلاد المتكررة والتي تتبناها بشكل أساسي المؤسسات الثقافية والفنية والإعلامية الرسمية السورية، حيث تفترض المبادرة الهزيلة تلك، أن المسافة بين الجمهور والفن اليوم هي بضعة كيلومترات يقطعها المتابع نحو مؤسسة ثقافية أو مسرح أو دار سينما، ولئن جسّدنا تلك المسافة فعليًا لما وجدنا معيارًا حقيقيًا لحسابها، فلا هي عدم توفر وسائل المواصلات فقط، ولا تحول حضور أي فعالية فنية إلى ترف، ولا انعدام وجود فعالية فنية حقيقية في بلاد هاجر أغلب فنانيها بعيدًا بحيث لا يمكن اختصار المسافة بينهم وبين الجمهور من خلال فعالية بحديقة عامة.

مشهد “حدائق الفن” اليوم لا يوحي بضعف اهتمام الجمهور وإقباله على الحضور فحسب، بل يوحي بالفقر المدقع بالقادرين على إحياء فعالية، حيث لن تجد وزارة الثقافة سوى فرقة هادي بقدونس التي لم تنقرض بعد، لتقدّم عددًا من المقطوعات والأغنيات المكرورة التي أدتها خلال عقود من الفعاليات الرسمية وأعياد “البعث”، فأولئك الذين حاولوا تشكيل مشهد موسيقي سوري مختلف، من الأكاديميين والموهوبين الذين غاب بقدونس وأمثاله خلفهم في السنوات الأخيرة قبل اندلاع الثورة ضد نظام الأسد، تركوا “حدائق الفن” ليعود إليها عازف الكمان المترهل ابن نقابة الفنانين ووزارة الثقافة، مقتنعًا بأنه الأصل، ابن التراث الذي لا تغيّبه الحداثة المدعاة، ولا تمحو أثره السنون وإن طالت. عاد ليعيش اليوم فترة ذهبية رجعت بها المسارح والحدائق لتكون ملكه بعد أن فرغت من الفرق الشابة التي حملت يومًا ما مشروعًا موسيقيًا وتنقلت به بين الحدائق.

في عام 2008، وضمن احتفالية “دمشق عاصمة الثقافة العربية”، تلك الاحتفالية التي كانت استثناء غريب المعالم في بلاد محكومة بنظام الأسد، غريبة بحالة الانتعاش الفني والثقافي والتنوع الذي قُدِّم على مسارحها وفي صالاتها، كانت فعاليات “موسيقى على الطريق” التي من المفترض أنها الجذر المرجعي لفعاليات “حدائق الفن” اليوم، تقدّم فرقًا وأسماء لموسيقيين سوريين كانوا شبه مجهولين بالنسبة للجمهور، فكانت وبشكل حقيقي اختصارًا للمسافة بين الجمهور والموسيقى. من “طنجرة ضغط” إلى “بيركومانيا” و”سمارينا” وفرقة باسل داوود وسواها، ظهر مشهد موسيقي سوري جديد، وبشّر بأشكال فنية تنشد التغيير والخروج من عباءة قوالب الفن المفروضة من قبل العقلية التقليدية للمنظومة السياسية والثقافية السورية آنذاك، بدأنا نسمع الجاز والروك والفانك بوتريات ونفخيات وإيقاعات عازفين سوريين انطلقوا لتوهم من غرفهم الصغيرة في المنازل، وصالات التدريب في المعهد العالي للموسيقى إلى الجمهور من دون تذاكر.

باستذكار سريع لأهم الفرق والأسماء التي أحيت فعاليات “موسيقى على الطريق” خلال أكثر من عامين في دمشق ومدن أخرى، سنجد أن الأغلبية العظمى اليوم تحاول استكمال مشاريعها الموسيقية في بلدان المهجر أو في الجوار السوري، عازفون مشتتون بين فرق في البلاد التي احتضنتهم، وآخرون يحاولون تحدي الظروف واستكمال الإنتاج بشكل متواتر (“طنجرة ضغط” نموذجًا)، وغيرهم صار الفن بالنسبة له مجرّد هواية يقضيها في ساعات قصيرة على هامش الأيام التي تعج بمواعيد استكمال أوراق اللجوء أو الإقامات في الخارج. أما الحدائق التي صدحت فيها آلاتهم يومًا ما أمام جمهور كان يتلمّس ببراءة موسيقى مختلفة في بلاده، فهي اليوم لا تصلح سوى لأن تكون مسارح مفتوحة يعيد فيها هادي بقدونس تكرار نفسه، منتظرًا صحفيًا من وكالة “سانا” يسأله بعد نهاية الفعالية عن معنى الموسيقى بالنسبة له، فيجيب بأن آلته قطعة من قلبه، وأنه يناضل لينال الموسيقيون حقوقهم من خلال عضويته في المكتب التنفيذي لنقابة الفنانين، النقابة التي من وجهة نظره تقوم بدورها الريادي، وأن كل ما يثار حولها مجرد شائعات وكلام حُسّاد. يمشي بقدونس حاملًا الكمان ليعزف خلف “النقيب” زهير رمضان، فيشكّل له خلفية موسيقية مناسبة لقراراته وسلطته التي لا تجد اليوم من يدعمها بين جمهور أكثر الفنانين دعمًا للنظام الدكتاتوري.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة