“تحرير الشام” تحرس “الفضيلة” بالتضييق على النساء

مديرية أوقاف سلقين تعلق لافتات في منطقة حارم ضمن حملة "حراس الفضيلة" (وكالة أنباء الشام)

ع ع ع

عنب بلدي – زينب مصري

خلال تجولها في السوق داخل مدينة إدلب لشراء بعض الحاجيات لأسرتها، أُعجبت صفاء العمر (30 عامًا) بفستان معروض على واجهة أحد المحال، دخلت لتشتريه، وفي أثناء حديثها مع البائع تفاجأت بمجموعة من “الحسبة” رجالًا ونساء يدخلون المحل ويطلبون من صاحبه مراجعة أفرعهم الأمنية.

وجهت المجموعة تهمًا أخلاقية لصفاء وللبائع لوجودهما داخل المحل بمفردهما ودون اصطحابها لمحرم، وتوجه اللوم للبائع لاستقبالها دون محرم ولعدم وجود امرأة داخل المحل لتبيع النساء، وفق ما قالته الشابة لعنب بلدي.

“كان الموقف الأكثر حرجًا في حياتي كلها، ولأول مرة أُوضع في هذا الموضع المشين، إنه التشدد بعينه والتدخل السافر بحرياتنا وتحركاتنا نحن النساء”، أضافت صفاء.

وتساءلت الشابة، “ما الذي يمكن أن يحدث في حال دخول امرأة لمحل ألبسة على مرأى السوق كله غير أن تشتري الملابس وترحل، لمَ كل هذا التشكيك بسلوك النساء وأخلاقهن ودينهن وكأنهن غير قادرات على حماية أنفسهن أو الحفاظ على سمعتهن بأنفسهن، بل إن ما تفعله الحسبة يدفع الناس للشك بتصرفات غير موجودة أساسًا”.

وترى صفاء أنه يجب على “الحسبة” النظر في أمر الفقراء والنازحين والأرامل والأيتام ممن ضاقت بهم الحياة وانقطعت بهم السبل، بدلًا من “إزعاج” النساء والتدخل بحرياتهن وتحركاتهن، بحسب تعبيرها.

يتركز عمل “الحسبة”، أو ما كانت تُعرف سابقًا باسم “سواعد الخير”، ثم “مركز الفلاح”، الذي يتخذ من “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” شعارًا له، على منع الاختلاط بين الجنسين، ومنع “المنكرات” والمجاهرة بها، ومنع وجود امرأة دون محرم مع صاحب محل، ومتابعة حالات التبرج، والعديد من الأمور التي تندرج في هذا السياق.

ويتدخل عناصر أجهزة “الحسبة” التابعة لـ”الهيئة”، من رجال ونساء، في أدق تفاصيل حياة الناس في الشمال السوري، كما جرى مع مريم المصطفى (25 عامًا) حين كانت تتجول في حديقة عامة وسط مدينة إدلب، واستوقفتها مجموعة من النساء ممن يطلقن على أنفسهن “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، ونهرنها بسبب لباسها “الضيق واللافت للنظر”، وفق تعبيرهن.

وصفت مريم لعنب بلدي هذا الموقف بـ”المحرج”، إذ وجهت هذه المجموعة لها المواعظ والحكم، وأمرتها بالاحتشام وسدل الخمار على وجهها ولبس العباءة الفضفاضة السوداء.

ما كان من الشابة إلا الإصغاء لهن “مرغمة” إلى أن انتهين من توجيه نصائحهن التي هي أقرب لـ”التوبيخ”، والتي استمرت لأكثر من عشر دقائق وسط الحديقة التي تعج بالازدحام وأعين الناس، بحسب ما قالته.

شعرت مريم بالكثير من المضايقة والانزعاج للتدخل بحريتها الشخصية ولباسها الذي تعتبره “محتشمًا وغير منافٍ للإسلام والشريعة الإسلامية، وفق ما ادعت تلك النسوة”، بحسب ما ختمت حديثها.

ما صلاحيات “مركز الفلاح”؟

وفي أيار الماضي، انتشرت أنباء غير مؤكدة عن استبدال “تحرير الشام” “الشرطة الأخلاقية” بجهاز “الحسبة” المعروف باسم “مركز الفلاح”.

وللوقوف على تفاصيل استحداث “الشرطة الأخلاقية”، تواصلت عنب بلدي مع مدير مكتب العلاقات الإعلامية في “هيئة تحرير الشام”، تقي الدين عمر، الذي أكد انتهاء عمل “مركز الفلاح” دون تأكيد استحداث بديل له تحت مسمى “الشرطة الأخلاقية”.

وقال إن المركز “انتهى دوره بانتهاء تلك المرحلة، وسيكون لهذا العمل شكل مؤسساتي آخر” في الأيام المقبلة، مشيرًا إلى أن المركز يُعنى بالمخالفات الأخلاقية الواضحة ولا يتدخل في خصوصيات الناس.

وحول التوجه العام لـ”الهيئة” فيما يتعلق بحياة النساء في إدلب، وفرضها ضوابط عامة أو قواعد أو قوانين عليهن في ما يتعلق بمسألة اللباس أو العمل، أو حضورهن في أماكن عامة، والاتهامات الموجهة لـ”الهيئة” بتضييقها عليهن، أوضح عمر أن “الشعب السوري شعب مسلم يعتز بهويته وثقافته والتزامه بالتعاليم الإسلامية في المظاهر العامة والمناسبات، ومنها لباس المرأة والرجل على حد سواء”.

ولفت إلى وقوع “مخالفات” أحيانًا في الأماكن العامة، “سرعان ما تعالَج بالتوجيه والإرشاد وتلقى استجابة سريعة، لأنها مما يتوافق عليه الجميع”.

ومع الأنباء حول إنهاء عمل “مركز الفلاح”، تناقلت صفحات محلية وناشطون سوريون، في 21 من أيلول الماضي، صورًا للافتات علّقتها وزارة الأوقاف في حكومة “الإنقاذ” العاملة في محافظة إدلب، في منطقة حارم شمالي المحافظة، ضمن حملة “حراس الفضيلة”، تحمل آيات قرآنية وعبارات تحثّ النساء على عدم التبرج والالتزام باللباس الشرعي.

وأثارت هذه اللافتات غضبًا على مواقع التواصل الاجتماعي، بسبب محاولات وُصفت بأنها تقييد لحرية النساء في إدلب باختيار لباسهن، بالإضافة إلى التركيز على إشغال اللافتات بصور تدعو إلى التستر وصرف أموال عامة للدعاية لهذا الموضوع، في حين تشهد المنطقة تدهورًا في القطاع الصحي نتيجة تفشي جائحة فيروس “كورونا المستجد” (كوفيد- 19).

مستمرة رغم الفشل.. لماذا؟

وعلى الرغم من إيقاف عمل “الحسبة” سابقًا لمدة سنتين بعد احتجاجات شعبية من سكان المنطقة على التضييق المُمارَس بحقهم، تتابع “الهيئة” عمل هذه الجهاز بمسميات مختلفة.

وتحرص “الهيئة” على تطبيق فكرة “الحسبة” على الرغم من فشلها السابق، لأهداف متعددة، بحسب دراسة تحليلية لمركز “جسور للدراسات” صادرة في 18 من أيار الماضي، أهمها تعميق التغلغل في المجتمع، والموازنة بين تكتلاتها، والتناغم مع التوجهات “الجهادية”، وضبط تحركات المجتمع وتوجهاته.

وتُعد “الحسبة” نقطة مفصليّة في فكر الجماعات الإسلامية منذ بدء إقرارها وتحولها إلى أداة أساسية من أدوات ضبط الأسواق والمجال العام، واستغلال بعض الحكام والسلاطين في التاريخ لـ”الحسبة” بهدف إقصاء بعض خصومهم السياسيين واغتيالهم، بحسب الدراسة.

وأوضحت الدراسة أن الجماعات الإسلامية تعتمد في الدعوة إلى فكرة “الحسبة” على مبدأ “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، وتتدرّج هذه الجماعات في تطبيق هذا المبدأ بدءًا من “النصيحة” وصولًا إلى استخدام “القوة” بشكل فردي لتغيير ما يُرى أنه منكر.

وقد استطاع تنظيم “الدولة الإسلامية” سابقًا تحويل هذا المبدأ من نظرة تاريخية إلى جهازٍ بيروقراطي متكامل، مهمته ضبط المجتمع للانصياع الكامل للخط الفكري المعلَن للتنظيم في العبادات والشعائر.

لكن “هيئة تحرير الشام” والجماعات الأخرى لم تتمكن من تأسيس جهاز مستقر يطبّق مبادئ “الحسبة” في مناطق سيطرتها، رغم تكليفها مؤسسة “سواعد الخير” بذلك في إدلب قبل سنتين، ثم إلغائها بسبب تجاوزات أفرادها ضد حريات الناس العامة، إضافة إلى ظهور شبهات فساد حولها.

ممارسات تنتهك حقوق الإنسان

وكانت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” أدانت، في بيان صادر في 13 من أيار 2020، الممارسات “المتشددة” التي تقوم بها “تحرير الشام” وذراعها “مركز الفلاح”، مؤكدة أنها تُعتبر انتهاكًا لأبسط معايير القانون الدولي لحقوق الإنسان، الذي ينص بشكل واضح على حرية الحركة واللباس والتنقل.

وأوضحت “الشبكة” أن جهاز “الحسبة”، الذي يشرف على عمله أشخاص يحملون جنسيات أجنبية، يهدف إلى زيادة التضييق على السكان في المناطق الخاضعة لسيطرة “الهيئة”، ومزيد من التحكم بشؤون الإنسان الخاصة.

وطالبت “الشبكة” المجتمع الدولي بمساعدة السوريين في التخلص من “التنظيمات المتشددة التي تعتاش على الفوضى”، وذلك باتخاذ خطوات جدية وفق جدول زمني محدد وصارم لتحقيق انتقال سياسي نحو الديمقراطية يضمن الاستقرار وحقوق الإنسان.


شاركت في إعداد هذه المادة مراسلة عنب بلدي في إدلب هاديا منصور



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة