آثار سوريا.. من المتاحف الوطنية إلى مكاتب مسؤولين لبنانيين

النائب اللبناني نهاد المشنوق في استضافة عن بعد مع تلفزيون ”الجديد“ تظهر من خلفه قطع الأثرية من مدينة تدمر (تعديل عنب بلدي)

ع ع ع

عنب بلدي – ديانا رحيمة

اعتاد سارقو الآثار إخفاء ما حصلوا عليه من قطع أثرية، وحصرها بجمهور معيّن بغرض الاتجار بها، ولا تطالها شاشات التلفاز أو أعين الرقباء على حضارات يصل عمر بعضها إلى آلاف السنين، خوفًا من استعادتها ومحاسبتهم، ولكن ذلك لم ينطبق على أحد المسؤولين اللبنانيين الذي ظهر مؤخرًا في مقابلة تلفزيونية وخلفه عدد من قطع التماثيل التدمرية الأصل.

تباهى النائب اللبناني نهاد المشنوق بظهوره، في 11 من تشرين الأول الحالي، في استضافة عن بُعد مع تلفزيون “الجديد”، أمام مجموعة من القطع الأثرية من مدينة تدمر.

وبعد تداول مشهد المقابلة، الذي استفز سوريين ولبنانيين، علّق المكتب الإعلامي للمشنوق، بأن القطع الأثرية موجودة في مكتب النائب، وليست في منزله، “وهي لديه منذ أكثر من عشر سنوات، ومسجلة في قيود وزارة الثقافة، بحسب القوانين المرعية الإجراء، ومنها تلك التي تمنع إخراجها من لبنان منعًا للمتاجرة بها”.

ما القطع التي ظهرت خلف المشنوق

القطع الأثرية التي ظهرت خلف المشنوق، وبتصوّر الخبير السوري وأحد مؤسسي جمعية “العاديات” لحماية الآثار بدمشق وعضو مجلس إدارتها، سعد فنصة، هي قطع منهوبة من مدينة تدمر، وهي قطع لرؤوس تماثيل تدمرية من بينها رأس لتمثال صغير يمثّل الوجوه المسرحية.

وبحسب ما قاله فنصة لعنب بلدي، سُرقت هذه التماثيل من متحف “تدمر” خلال عامي 2014 و2015، أي في الوقت الذي شغل نهاد المشنوق منصب وزير الداخلية اللبنانية لمرتين، ما يعارض رواية المشنوق بأن التماثيل كانت لديه منذ عشر سنوات، ومسجلة في القوانين التي تمنع إخراجها من لبنان.

عُيّن نهاد المشنوق وزيرًا للداخلية اللبنانية لأول مرة في حكومة تمام سلام عام 2014، وللمرة الثانية في حكومة سعد الحريري عام 2016، وبقي في منصبه حتى عام 2019.

ويرى فنصة أن العديد من الدول تنهب سوريا، عبر عناصرها على الأرض، سواء كانوا أتراكًا أو روسيين أو إيرانيين أو “فصائل متأسلمة”، إلى جانب قوات النظام وحلفائها الموجودين على الأرض من حشود طائفية أو جهات مرتبطة بها، كقوات “الدفاع الوطني”، التي أسهمت بشكل كبير بتهريب الآثار.

لا توثيق أو مساءلة

الصحفي السوري الناشط في الدفاع عن الآثار السورية عمر البنيه، قال لعنب بلدي، إن “الشرطة الجنائية الدولية” (الإنتربول)، طالبت مديرية الآثار في سوريا بأرقام وأوصاف لقطع أثرية كانت قد سُرقت من سوريا، ولكن مديرية الآثار أجابت أنها لا تملك أرشيفًا يوثق القطع الأثرية لديها، وقالت إنها ستخاطب البعثات الأجنبية التي عملت في سوريا لتؤمّن أرشيفًا للقطع.

ويقع التقصير بمتابعة الآثار في سوريا على عاتق مديرية الآثار التي كانت بالأساس تهرّب القطع الأثرية وتتعمد عدم أرشفتها حتى يسهل تهريبها، بحسب البنيه.

وجود القطع الأثرية في لبنان هو أمر مخالف للقانون الدولي، ولكن في المقابل، يجب على السلطات المعنية في حكومة النظام السوري المطالبة بهذه القطع من خلال وجود وثائق توصّف القطع الأثرية بأرشيف يُنقل للشرطة الدولية.

ولا يعتقد البنيه أن أحدًا من حكومة النظام السوري سيطالب بالقطع التي ظهرت في مكتب المشنوق، لعدم وجود أرشيف لها في سوريا، ولعدم وجود لجان علمية عملت على المطالبة بالقطع الأثرية الموجودة في الخارج.

وبحسب الصحفي عمر البنيه، يُفترض أن تُساءَل الحكومة اللبنانية والبرلمان اللبناني، ويجب عليهم محاسبة المشنوق ومساءلته عن مصدر القطع.

كما يجب أن تُشكّل لجنة دولية من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو)، لمساءلة المسؤولين في لبنان، ولا سيما المشنوق.

وأصبح لبنان بطبيعة الحال سوقًا كبيرة لمرور وتهريب قطع الآثار من سوريا، ويسهم “حزب الله” اللبناني بالمتاجرة وإدخال قطع الآثار المنهوبة، ولا سيما مع انتشار ميليشيات الحزب في معلولا وتدمر وغيرهما من المدن السورية الأثرية، التي تقوم بالتنقيب علنًا عن الآثار في سوريا.

وكان تحقيق لصحيفة “المدن” اللبنانية، تحدث عن وجود قطع أثرية مسروقة من سوريا والعراق واليمن، موجودة في متحف “نابو”، الذي يديره رجل الأعمال جواد عدرا.

المدن السورية الأثرية القديمة كدمشق وتدمر وحلب القديمة وأفاميا وبصرى وغيرها من المدن التاريخية التي تقع تحت منظمة الأمم المتحدة بأحد أفرعها “يونسكو”، هي تحت الحماية الدولية، وبقرار من الأمم المتحدة، لا يُسمح بالمساس بالمدن أو الأوابد الأثرية المترامية في سوريا.

الجرائم التي حصلت تؤكد أن جميع القرارات الأممية بقيت حبرًا على ورق، ولا توجد لها قيمة من قريب أو بعيد، فحتى في سنوات السلم، كانت تيجان الأعمدة تُحمل بالرافعات وتُنقل إلى لبنان.

الخبير السوري سعد فنصة

من يسهّل وصول الآثار إلى لبنان؟

مدير متحف مدينة إدلب، أيمن نابو، قال لعنب بلدي، إن المنحوتات التدمرية سُرقت من قبل العديد من الدول، واستطاعت مديرية آثار إدلب إنقاذ سبع منحوتات تدمرية منها فقط، وحُفظت في المتحف الموجود في إدلب.

وبحسب نابو، لم تتوقف تجارة الآثار حتى في أوقات السلم في سوريا، ولكنها كانت تتم من قبل شخصيات اعتبارية ونافذة عند النظام، مثل العميدين ذو الهمة شاليش ووفيق ناصر وشخصيات من فرع الأمن العسكري والسياسي، ولم يكن من المسموح تداول هذه السرقات أو التبليغ عنها، لمكانة هذه الشخصيات عند النظام.

وأضاف نابو أن سيطرة “حزب الله” على المعابر بين لبنان وسوريا، سهّلت الوصول إلى العديد من عمليات التهريب غير المشروعة وبمختلف المجالات ومن بينها الآثار السورية.

تتواطأ الميليشيات الإيرانية مع النظام السوري في أعمال نهب الآثار والاتجار بها، وبحسب ما قاله الصحفي عمر البنيه، في وقت سابق لعنب بلدي، تدير “المخابرات العسكرية” أعمال التهريب، والميليشيات الإيرانية هي شريكة أساسية لماهر الأسد شقيق رئيس النظام السوري، وضباط من “القصر الجمهوري”، بأي شيء تحت الأرض في سوريا.

وفي تحقيق أجرته عنب بلدي، في 3 من حزيران الماضي، حول سرقة ونهب الآثار في درعا، أشارت أصابع الاتهام إلى ضلوع ضباط من النظام في البحث عن الآثار.

ففي مناطق الجيدور (الريف الشمالي الغربي لدرعا)، يجري التنقيب عن الآثار من قبل “المخابرات الجوية” وعناصر من “حزب الله”، إضافة إلى ريف درعا الغربي ومنطقة حوض اليرموك الغنية بالآثار.

ومنذ اندلاع الثورة في سوريا عام 2011، تضررت المواقع الأثرية خلال قصف قوات النظام السوري وروسيا أو نتيجة المعارك بين مختلف الأطراف، أو لأسباب عسكرية وأيديولوجية، ونُهبت الآثار لدعم الجماعات المقاتلة، مثل الميليشيات الرديفة للنظام السوري وتنظيم “الدولة الإسلامية”، وازدهرت تجارة الآثار غير المشروعة.

وبسبب ذلك، أطلقت منظمة “يونسكو”، وبتمويل من الاتحاد الأوروبي، العديد من المشاريع لحماية التراث السوري الذي يدمَّر ويسرَق بشكل مستمر، أهمها مشروع يقضي بالتحرّك لحماية الآثار السورية بشكل طارئ، مع وضع آليات عديدة وعملية من أجل تفعيل عملية الحفاظ على ما تبقى من آثار، والمساعدة في الكشف عما تمّت سرقته أو تدميره، وملاحقة مرتكبي جريمة الاتجار بالآثار بطرق غير مشروعة، ومحاسبتهم أمام القانون الدولي.

وتبقى ملاحقة المنتهكين لتلك القوانين أمرًا صعبًا نظرًا إلى الفساد الكبير، والصفقات المشبوهة على حساب هذا التراث، وصعوبة الوصول إلى هذه الأماكن بسبب الأوضاع الأمنية المعقدة، فضلًا عن شح المعلومات حول آلية التعاطي مع القانون الدولي من قبل المحامين والناشطين المحليين في سوريا.



English version of the article

مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة