الجلادون.. في بلاد اللجوء

ع ع ع

نبيل محمد

نال الفيلم الوثائقي “البحث عن جلادي الأسد”، الذي أنتجته قناة “الجزيرة” عام 2020، الجائزة الذهبية في مهرجان نيويورك (NYF) عن فئة أفضل فيلم وثائقي مؤخرًا، ليضاف الفيلم الذي أعده الصحفي محمود الكن إلى مجموعة من الوثائقيات التي تستكمل توثيق حياة وتحركات الأكف الملطَّخة بالدماء، والتي أغلبها اليوم تتنقّل في أوروبا كأي لاجئ فقد منزله وحياته الطبيعية في بلاده وجاء إلى القارة العجوز بحثًا عن مأمن.

يُحسَب للفيلم الجهد التحقيقي الذي بذله القائمون على المادة الوثائقية، في الربط بين الصور والفيديوهات التي التُقطت في ساحات المستشفيات العسكرية وبرادات الموتى وزنازين التعذيب، وبين صور أطباء وشخصيات أمنية وميليشيوية تتنقّل في أوروبا اليوم، وتنفي ارتباطها بالجريمة رغم الأدلة على ضلوعها فيها بشكل واضح. يستعين الفيلم بفريق من الخبراء في تحليل المواد الفيلمية والصور وتحديد المواقع الجغرافية، ليقنع المشاهد بالدليل أن هذا الطبيب الذي كان مسؤولًا عن تجنيد العناصر في التعذيب والقتل وتجميع الجثث ودفنها، هو ذاته الذي يعمل اليوم في مستشفى ألماني كأي طبيب لاجئ وجد في المغترب مؤسسة تقدم له فرصة العمل والحياة الطبيعية.

تمرّ في الفيلم مشاهد تُعرَض للمرة الأولى، نقلها شهود عيان شجعان شغّلوا كاميرات سرية والتقطوا فيها مشاهد تقشعرّ لها الأبدان، من ساحات مستشفيات سورية كانت تُستخدَم للتعذيب وتجميع الجثث، كمستشفى “المزة العسكري” (601) ومستشفى “حمص العسكري”، هؤلاء الشهود هم أطباء كانوا على اطلاع على نشاطات زملاء لهم عملوا في تصفية المعتقلين، أو هم ناشطون أُتيحت لهم فرصة زيارة المستشفيات العسكرية، فوثّقوا ما استطاعوا، ثم أتاحوا الصور التي التقطوها لمجموعة ممن تطوّعوا في مشروع ملاحقة الجلادين، وإثبات ضلوعهم في الجرائم.

ليس جديدًا الحديث عن مستوى الدموية والسادية التي تظهرها فيديوهات تخرج من معامل الموت الأسدي، لكن وفي كل مرة تتاح مادة فيلمية جديدة، تجد نفسك كمتابع أمام نماذج جديدة من فنون جزارة البشر السايكوباتية التي يصعب تصديقها لولا وجود الوثيقة الفاقعة أمام عينيك، فقصة الطبيب علاء موسى الموجود حاليًا في ألمانيا تستدعي الوقوف عندها، حيث قام هذا الطبيب الذي كان يكمل اختصاصه في الجراحة العظمية بمستشفى “حمص العسكري” بممارسة التدريب بأجساد المعتقلين، من خلال القيام بعمليات جراحية من دون تخدير، ثم التفاخر بها رغم كونه غير مؤهل للقيام بها أصلًا، ويفاخر أيضًا بعدم حاجته إلى التخدير نهائيًا خلال هذه العمليات الحساسة التي غالبًا ما يموت فيها الضحايا بصدمات الألم. هذا الطبيب كان واحدًا من موضوعات الفيلم الأساسية، حيث تتبّعه القائمون على البحث، ووثقوا عمله في مستشفى بألمانيا، ثم إقامته بشكل طبيعي هناك، وتهرّبه من لقاء القائمين على الفيلم الذي كانوا يريدون إعطاءه حق الرد على ما وُجّه إليه من تهم، تهم مثبتة عمليًا.

يربط الفيلم بشكل منظّم بين تلك الشخصيات المؤيدة للنظام السوري، والتي تنشط مع حركات يمينية معادية للاجئين في أوروبا، وبين شخصيات ميليشيوية ناشطة في عمليات استخباراتية وتسليم مطلوبين، ومتهمة بالمسؤولية المباشرة وغير المباشرة عن تصفيات عديدة، كالعلاقة التي وُثّقت بين محمد جلبوط الشهير بدوره الاستخباراتي في مخيم “اليرموك”، والمتهم بمسؤوليته عن تصفية ناشطين، وبين كيفورك ألماسيان السوري اللاجئ في ألمانيا والمعادي للاجئين والمدافع عن نظام الأسد.

في خضم البحث والتوثيق والربط وتدقيق الصور والمواقع ومحاولة التواصل مع “الجلادين”، يمنحك الفيلم صورة واضحة للفرق الشاسع بين صعوبة الوصول إلى مجرم موثَّق ارتكابه جريمة ضد الإنسانية في بلدان تحكمها القوانين كألمانيا، مجرم ما زال حتى اليوم يتمتع بحقوق مدنية كاملة، ولعل لديه الإمكانية للذهاب إلى بلاده وارتكاب الجرائم في فترات الإجازة ثم العودة إلى بلد اللجوء، وبين سهولة قتل من لم تثبت ضده أي إدانة، من قبل أي شخص عابر يتميّز عنه بميزة امتلاك السلاح والانتماء لميليشيا مسلحة، في بلد تحكمه قوانين تفرضها الحواجز المسلحة، وعقول حملة السلاح المسطّحة، وتعطشهم للدماء. ويشعرك الفيلم رغم كل ذلك براحة معيّنة، راحة مفادها أن أولئك القتلة في أوروبا اليوم لا يعيشون راحة كاملة، إذ يدركون أن هنالك من يبحث خلفهم عن إدانة كاملة، قد تزجّهم خلف قضبان السجون يومًا ما.



مقالات متعلقة


43200

×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة