صباح فخري يترك خلفه “عيشة لا حب فيها”

الفنان السوري صباح فخري (تصميم عنب بلدي)

ع ع ع

في أغنية مسجّلة حملت اسم “خمرة الحب”، يناجي الفنان الراحل صباح فخري “ربّة الوجه الصبوح” لدقائق قد لا يستشعر المستمع طولها أمام التنوع الإيقاعي لأغنية استطاعت بثلاثة أبيات من الشعر، الاستمرار بأسلوب طربي لأكثر من ربع ساعة غناء، بدّل خلالها صباح فخري المقامات الموسيقية للأبيات الثلاثة، فتراوحت بين مقام “نهوند” و”راست” ومقام “بيات”.

هذه الأغنية التي حفظها الجمهور وتفاعل معها، دون أن ينسف ما طرأ على الأغنية العربية من تجديد أو تشويه ثقل القديم وسموّ المعاني التي حملتها، تحكي الكثير عن الأغنية الحلبية التي صار اسم صباح فخري باديًا بقوة في هويتها، وحضور القدود الحلبية إما في الحفلات لإطراب المستمع، وإما في برامج الغناء التي يتباهى المشترك فيها بقدرته على أداء الطرب الحلبي على طريقة صباح فخري بالضرورة.

وبعد 88 عامًا من ولادة صباح الدين أبو قوس، الذي حمل لقب عرّابه الفني فخري البارودي، نعت وزارة الإعلام السورية اليوم، الثلاثاء 2 من تشرين الثاني، صباح فخري، الذي توفي تاركًا خلفه إرثًا فنيًا كثيف الإيقاع والوقت، بأكثر من طريقة، بعد مسيرة فنية استمرت أكثر من 60 عامًا.

بداية نشطة

ولد “صبّوح” كما يسمّيه محبوه، في 2 من أيار عام 1933، لأب مقرئ ومدرّس للقرآن الكريم ومنشد صوفي، في أحد أحياء مدينة حلب السورية، التي تشكّل واحدة من أبرز بوابات الأغنية الشرقية.

وفي وقت مبكر من حياته، شارك في حلقات الأذكار الصوفية، وتلقى التعليم الديني وأصول التجويد والبيان، وأدى المدائح والأناشيد الدينية، بالتوازي مع بدء تعلّمه الأغاني المتداولة في تلك المرحلة.

وتدرّج في دراسة الموسيقى بين معاهدها في حلب والعاصمة السورية دمشق، حتى تخرج في “المعهد الموسيقي الشرقي” عام 1948، جامعًا في جعبته الفنية أصول الموشحات الأندلسية وأداءها، والإيقاعات والقصائد، والعزف على العود، والغناء، متتلمذًا على يد كبار أساتذة المرحلة في الموسيقى، مثل علي الدرويش، وعمر البطش.

ورغم حصوله على تكوين موسيقي مكثّف، عاد صباح فخري إلى دراسة الإعدادية بالمعهد العربي الإسلامي في حلب، وتخرج عام 1952 حاملًا شهادة تأهيل للتدريس، فعمل مدرّسًا لعام واحد، قبل الالتحاق بالخدمة العسكرية لعدة سنوات أخذته بعيدًا عن الحياة الفنية و”قدّها المياس”، رغم تسجيله بعض الأغنيات حينها في الإذاعة.

ذوق انتقائي

إذا كانت الأغنية العربية اليوم محاصرة بفلك انتقاء الكلمة المناسبة العميقة المعنى والأثر، وجمعها باللحن الذي يحملها إلى أعلى، فإن “صبّوح” استطاع في الأمس تلافي معاناة فناني اليوم، وربما الغد.

إذ اعتمد على الإرث الشعري العربي لتكوين ذخيرته الفنية، فترجم الكثير من قصائد المتنبي، والحمداني، والدارمي، وابن الفارض، وابن زيدون، وابن زهر الأندلسي، ولسان الدين الخطيب، والبوصيري، إلى أغنيات تقاوم عامل الزمن، وتحتفظ ببهاء العتيق وأصالته، بعدما كساها بالمقامات الموسيقية والألحان التي حمل بعضها توقيعه.

وإلى جانب قدامى الشعراء العرب، غنّى صباح فخري لشعراء معاصرين دون نزول أو تنازل في القيمة الفنية، أو تقديم للحن وصوت على حساب كلمة، فحرر قصائد عمر أبو ريشة، وفخري البارودي، ومصطفى عكرمة، وغيرهم، من رفوف المكتبات ونقلها إلى مسامع المتلقي.

ومع افتتاح التلفزيون السوري عام 1960، سجل صباح فخري حضوره بالعديد من الحفلات والسهرات التي سُجّلت وبُثّت على الشاشة الوليدة آنذاك، باللون الأبيض والأسود والطربي.

كما شارك في مسلسل تلفزيوني حمل اسم “نغم الأمس”، مانحًا للمقامات الموسيقية قصائد وموشحات وقدودًا حلبية ومواويل وأغاني شعبية فلكلورية، ومقدمًا أيضًا للمستمع العربي نحو 160 مقطوعة بمختلف مقامات الموسيقى وأذواق الكلمة وأساليب تقديم المعنى.

“الحب والرحمن وعذاب البخيل”

بالجمع بين قديم وجديد الشعر، قدّم صباح فخري نماذج شعرية عربية إلى المستمع لم تحقق لها الدواوين المطبوعة والإعلام السوري الذي بدأ لتوّه، الانتشار الحقيقي لأعمالهم الشعرية والأدبية.

فغنّى صباح مقطعًا من قصيدة متنوعة القوافي للشاعر السوري جلال الدين الدهان، وعُرفت باسم “اللؤلؤ المنضود”.

هذه القصيدة التي كُتبت قبل عشرات السنوات، اكتسبت بعد غنائها، ثم إتباعها بـ”قدّك المياس”، مقاومة أكبر للنسيان، وحضورًا أكثر كثافة في ذاكرة المستمع الذي يشارك بهذه الطريقة، في إحياء الإرث الفني الذي يرضيه.

كما أسهمت أغنية صباح في تقديم دور تثقيفي للمستمع أدخل القصيدة إلى بيته في وقت انشغال الناس بنمنمات الحياة اليومية عن الجانب الجمالي في الفن.

وفي “حبيبي على الدنيا إذا غبت وحشة”، التي حملت طابع الموّال موسيقيًا، يعيد صباح قصيدة بهاء الدين زهير، أحد أبرز شعراء العصر الأيوبي، التي كُتبت قبل مئات السنوات، إلى وجدان المستمع العربي، مشاركًا بذلك في التعريف بالكاتب من خلال نصّه المغنّى.

 

على أكثر من صعيد

لم يكتفِ صباح بالغناء من بعيد فقط، كجواز عبور إلى ذائقة المستمع، فشارك أيضًا في العديد من الأعمال المتلفزة، مثل “نغم الأمس“، و”أسماء الله الحسنى” التي أداها مع عبد الرحمن آل رشي، ومنى واصف، وزيناتي قدسية.

وحظي خلال مسيرته الفنية بأكثر من وظيفة أو منصب دون ابتعاد عن الأغنية، فانتُخب نقيبًا للفنانين لأكثر من مرّة، ونائبًا لرئيس اتحاد الفنانين العرب، كما انتُخب عضوًا في البرلمان السوري، عام 1988.

وغنى عام 1973، في قاعة “رويس” بجامعة “U.C.L.A” في الولايات المتحدة، ضمن حفل تكريمي في الجامعة التي كرّمت فخري ومحمد عبد الوهاب، من الفنانين العرب.

كما كرّمته كلية الفنون بجامعة “كاليفورنيا” في لوس أنجلس الأمريكية، عام 1992، تقديرًا لإنجازاته الفنية.

وفي عام 1975، أقام الرئيس التونسي الأسبق، الحبيب بو رقيبة، حفلًا تكريميًا لصباح فخري قلّده خلاله “وسام تونس الثقافي”.

كما كرّمه مهرجان الموسيقى العربية في القاهرة منذ عام 1996 وحتى عام 2000، بشكل سنوي.

ودخل موسوعة “جينيس”، بتحطيمه الرقم القياسي للغناء المتواصل، عبر غنائه في العاصمة الفنزويلية، كاراكاس، لعشر ساعات أمام الجمهور دون فواصل أو استراحات، في عام 1968.

من حلب إلى العالم

حمل صباح فخري ما أحبه الجمهور من قدود حلبية وموشحات أندلسية إلى العالم، عبر جولات خارجية أوصلت الطرب الحلبي إلى أماكن مختلفة من العالم.

فغنى في معظم الدول العربية ومهرجاناتها، وأوصل صوته إلى الجاليات العربية في دول المهجر، في أمريكا اللاتينية وكندا والولايات المتحدة.

وفي قصر المؤتمرات بباريس عام 1978، وفي قاعة “نوبل للسلام” في السويد، وقاعة مسرح “الأماندية” في العاصمة الفرنسية، باريس، عام 1985، وفي قاعة “بيتهوفن” بمدينة بون الألمانية، صدح صوت صباح فخري في حفلات موسيقية أخذت الإيقاع الطربي الحلبي إلى معاهد وجامعات العالم التي يدرّس بعضها أغنياته باعتباره مدرسة غنائية ذات أسلوب فني أكاديمي متكامل.

ومن أبرز أغنياته التي حافظت على حضورها في زمن الأغنية القصيرة والسريعة، وطغيان الإيقاع على الكلمة، أغنية “قدّك المياس“، و”هيمتني”، و”ابعتلي جواب“، و”أنا في سكرين“، و”يا مال الشام“، و”قل للمليحة“.

حمّل هذا الإنتاج على مدار عشرات السنوات صباح أبو قوس الكثير من الألقاب الفنية، مثل “أمير الطرب”، و”العندليب”، و”الكروان”، و”صنّاجة الغناء العربي”، لكن الاسم الذي احتفظ به الجمهور بعد كل تلك الألقاب، صباح فخري.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة