تعا تفرج

هل انتهت قضية قشر الموز؟

ع ع ع

خطيب بدلة

أحيي السادة الظرفاء الذين يسهمون في صناعة “التريند”. “التريند” مادة خبرية تنتشر في “السوشيال ميديا” بسرعة، وعلى نطاق واسع، وتتدفق التعليقات عليها كما لو أنها نهر. مثال ذلك قصة الموز، التي انطلقت من قول رجل تركي، ضمن استطلاع للرأي حول وجود السوريين في تركيا، إن السوريين يشترون الموز ويتناولونه بكثرة، بينما هو لا يستطيع شراءه.

وعلى الرغم من جمالية بعض التعليقات والقصص والطرائف التي نُسجت لمشاكسة ذلك الرجل والاستهزاء برأيه، وكثرة صور الموز التي نُشرت كما هي، أو التي عولجت بـ”الفوتوشوب” قبل نشرها، وخفة ظل الشبان الذين ظهروا في فيديوهات وكل واحد يضع على رأسه عنقودًا من الموز، يرى محسوبكم كاتبُ هذه الأسطر أن تلك المبالغات لم تكن في محلها، فالمادة أصلًا ليست “تريندية”، لأن صاحب التصريح رجل عادي، ليس مسؤولًا سياسيًا من أهل السلطة، ولا هو من أحزاب المعارضة، ولا هو وزير تكنوقراط، والأخطر من ذلك أن محطات تلفزيونية كثيرة، وفيديوهات خاصة كثيرة، تناولت الموضوع، ناهيك عن التعليقات التي ملأت فضاء “فيسبوك”، وهذا التفاعل العجيب أدى، في خاتمة المطاف، إلى اعتقال بضعة سوريين من قبل أجهزة الدولة، وجرى الحديث عن ترحيلهم، والجميل في الأمر أن قرار الترحيل لقي معارضة قوية من جهات سياسية وحزبية ومنظمات حقوقية، وهذا يدل، من حيث المبدأ، على حيوية المجتمع التركي، وتشبعه بقيم الديمقراطية، وحقوق الإنسان.

الأغرب من هذا وذاك أن شابًا سوريًا لم يدخل تركيا قط، باعترافه، ومع ذلك بث فيديو تحدث فيه عن “عنصرية” الشعب التركي! إن اتهام الشعب التركي (أو غيره) بالعنصرية، استنادًا إلى حديث رجل عادي عن شراء كيلو موز، يحتاج إلى جسارة استثنائية، وهو اتهام غريب، ومزعج، وباطل، يشهد على بطلانه معظم السوريين والأجانب الذين يعيشون في تركيا منذ سنوات، وأنا شخصيًا عشت فيها من سنة 2012 حتى سنة 2020، وأقول، وعلى مسؤوليتي الأدبية والأخلاقية، إن العكس صحيح، فالشعب التركي غير عنصري، والأتراك، عمومًا، أناس طيبون، وأليفون، وميالون للضحك والمزاح، ومعتادون على استقبال الغرباء ودمجهم في المجتمع، بدليل أن ثمة حيًا شعبيًا كبيرًا في اسطنبول يحمل اسم “YENİ BOSNA”، يعني البوسنة الجديدة، كان قد أوى إليه الهاربون من مذابح البوسنة والهرسك في التسعينيات.

لا يمكن طبعًا أن ننفي وقوع حوادث متفرقة وممارسات سيئة، وفظة، ضد السوريين، ولكن معظمها وقعت ضمن الفترات الانتخابية، والمساجلات السياسية بين السلطة والمعارضة، وهذا يستند إلى حقيقة لا تخفى على أحد، هي أن القسم الأكبر من اللاجئين السوريين يسيرون في خط السلطة، وهذا ما أحدث أزمة منطقة الفاتح مع حزب “İYİ PARTI”، وأزمة “كيملك” اسطنبول مع الحزب “الجمهوري”، قبل سنوات، وللعلم فإن معظم المشكلات التي نشأت عن وجود السوريين في تركيا، وبضمنها المشاجرات بين شبان سوريين وشبان أتراك، قد تم حلها جميعها، كل واحدة في وقتها. ويكفي أن نعلم أن ثلاثة ملايين وستمئة ألف سوري ما زالوا يعيشون في تركيا بأمان منذ 2011.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة