من فريدريك الثاني إلى أنجيلا ميركل

ع ع ع

إبراهيم العلوش

ألقى البروفسور الفرنسي داميان كولون محاضرة عن جوانب التفاعل الدبلوماسي في أثناء الحروب الصليبية، واستشهد مطولًا بتفاهمات الإمبراطور الألماني فريدريك الثاني مع السلطان الأيوبي الكامل، كاشفًا صفحات غائبة من التبادل والتفاهم بين الطرفين.

تحدث البروفسور داميان كولون إلى السوريين مساء الجمعة 29 من تشرين الأول الماضي، في قاعة جمعية “ألزاس سوريا” في ستراسبورغ بفرنسا، عن عمله في الجامعة كأستاذ للتاريخ مهتم بالحروب الصليبية (1098– 1270) والعلاقات الأوروبية- العربية، وقال إن الحروب الصليبية كانت متقطّعة وحدثت على تسع مراحل، تفصل بينها فترات من التعايش والتفاهم، وهذا غير متداول في أخبار الحروب المتبادلة بين الطرفين.

بدأت الحروب الصليبية على شكل حج دموي، دمّر مدن الشرق مثل القدس وأنطاكية وأورفا، ودمّر حتى العاصمة المسيحية القسطنطينية حيث تم نهبها من قبل الحملات الأولى للحروب الصليبية، ولكن تلك الحروب تلاشت، وتآكل الاحتلال الصليبي بفضل تعاون أهل الشرق واستعمال لغة المصالح التجارية والدبلوماسية من أجل إحباط قيام المزيد من الحملات الصليبية، فتجار البندقية مثلًا رفضوا الاستمرار بتأجير السفن للصليبيين حفاظًا على علاقاتهم التجارية مع مصر، والبعد الديني لتلك الحملات قد تلاشى، ورفع البابوات الغطاء الديني عنها بسبب الأعمال الغوغائية التي ارتكبتها، ولم توفر حتى المسيحيين من عنفها.

في خضم الحروب الصليبية، برز الإمبراطور الألماني فريدريك الثاني، واستبدل بالأعمال الحربية العمل الدبلوماسي، وأرسى أول التفاهمات مع الحكام في المنطقة وخاصة السلطان الكامل، وأعد الاتفاقات التي كانت تخاطب مصلحة الطرفين ومصلحة استمرارهما في الحكم وتبادل المعلومات حول القلاقل السياسية والعسكرية وإنشاء منظومة للإنذار المبكر بين الطرفين.

هذه المحاضرة تثير أسئلة كثيرة، منها هل التفاهم الأوروبي مع العالم العربي والإسلامي سيبقى صعبًا، وهل ستبقى العلاقات بين الطرفين مقرونة بالهيمنة والتعالي من جهة، وبالغرور القومي والديني من الطرف الآخر.

وقد يأتي الجواب من هجرة السوريين والعرب الى أوروبا بأعداد كبيرة وصلت إلى مليون مهاجر في ألمانيا، وقد وصل هؤلاء المهاجرون من البلاد نفسها التي استهدفتها الحروب الصليبية سابقًا، جاؤوا يطلبون السلام والتفاهم والاندماج في المجتمعات الغربية مع الحفاظ على هويتهم الدينية، ومع القدرة على التفاعل الثقافي مع المجتمعات الجديدة، وقد يقومون بإزالة سوء التفاهم والعقلية الاستشراقية إذا تفوّقوا على الأحزاب اليمينية المتطرفة، وأقنعوا المجتمعات الأوروبية بجدوى وجودهم ومنافعه الكثيرة في إرساء التفاهم بين الشرق والغرب، هذا إذا تخلى رجال الدين والسياسة من الطرفين عن أبعادهم السلبية التي يستهدفون بها بعضهم بعضًا خلال مئات السنين الماضية.

أنجيلا ميركل، التي تحدّت اليمين المتطرف واستقبلت الأعداد الكبيرة من اللاجئين، ربما كانت هي نظيرة الإمبراطور الألماني فريدريك الثاني، وقد بدأت تفاهمًا جديدًا مع العالم العربي والإسلامي عندما رحبت بالخائفين والمطارَدين السوريين عام 2015، غير آبهة بالاختلاف الديني والثقافي، ومتحدية أحزاب اليمين الأوروبية، لتؤسس مرحلة جديدة من التعايش الغربي مع العالمين العربي والإسلامي.

قد تكون عملية التعايش هذه شائكة وغير مضمونة النتائج، ولكن علينا أن نعمل على إنجاحها كمهاجرين في أوروبا، فمجرد الوجود السكاني على الأراضي الأوروبية لا يعني حتمية الاستمرار، ولا يعني حتمية التفاهم، فالتجربة الأندلسية التي دامت حوالي ثمانية قرون انتهت بالفشل وبالتهجير القسري للعرب والمسلمين واليهود إلى بلاد المغرب وبشكل مأساوي، وتنبغي دراسة تلك المرحلة وتوخي الدقة في العوامل التي أدت إلى فشلها، رغم أن تلك التجربة تسببت بكثير من التبادل الثقافي والحضاري، وعزّزت وجود الجوار العربي والإسلامي بكونه جوارًا منتجًا للحضارة وللعلوم، وليس مجرد ركام للتطرف الديني والدكتاتوريات المهووسة بالقتل كما يتم تصويره اليوم.

ما فعلته أنجيلا ميركل بشجاعة يتطلب منا شجاعة مقابلة، وقدرة فائقة على التعايش وعلى عقد التفاهمات مع الثقافة الأوروبية ومع مختلف الثقافات التي توجد على البر الأوروبي، فأوروبا اليوم مليئة بتشكيلة واسعة من الثقافات الغربية والشرقية من دول المغرب العربي وإفريقيا، مرورًا بمصر وتركيا وسوريا والعراق، وصولًا إلى الهند وتايوان وفيتنام والصين واليابان، وإلى دول أمريكا الشمالية والجنوبية، العالم كله بين يدي المهاجر السوري، فهل ينجح في التفاعل الحضاري أم سيبقى متخذًا وضعية المتشكّي والمتلفّع بنظريات المؤامرة التي لا تُسمن ولا تُغني شيئًا.

من فريدريك الثاني الذي بدأ الدبلوماسية في مرحلة الحرب الصليبية بكل اهتمام، إلى أنجيلا ميركل التي بدأت مرحلة التعايش حديثًا بكل إصرار، قد تتغير العلاقات، وربما ستبشر بمستقبل أفضل وبتفاهم أعمق بعيدًا عن الغرور الاستعماري وعن التطرف القومي والديني.

نتمنى أن تبدأ أجيال جديدة من الطرفين بمسيرة حضارية تنعكس إيجابًا على المنطقتين، فبناء سوريا الجديدة، مثلًا، يتطلب الإخلاص من مهاجريها كما يتطلب الثروات والتقنيات والعلوم الأوروبية، وهذا الاتحاد الفعال لن يتكوّن بلا عقلية إيجابية وإرادة مخلصة يصنعها التفاهم بين الطرفين.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة