تقاسم نفوذ جديد بعد انتهاء “التسويات” في درعا

الشرطة الروسية في حي الأربعين بدرعا البلد (تجمع أحرار حوران)

ع ع ع

عنب بلدي – أمل رنتيسي

شهدت محافظة درعا جنوبي سوريا عددًا من التغييرات بعد انتهاء ملف “التسويات” وعمليات تسليم الأسلحة التي نفذتها “اللجنة الأمنية” في المدينة، بإشراف القوات الروسية، وبتنسيق مشترك مع “اللجان المركزية” والوجهاء الممثلين للأهالي.

وبدأت “التسويات” في منطقة درعا البلد، مطلع أيلول الماضي، ثم انتقلت إلى بلدات الريف الغربي ثم الشمالي، وأخيرًا إلى بلدات الريف الشرقي، وشملت جميع المناطق بما فيها قرى اللجاة، ولكن استثنت هذه “التسويات” فقط مدينة بصرى الشام ومعربة وصماد وجمرين وجميع القرى الملاصقة لبصرى الشام، التي تعتبر المعقل الأساسي لـ”اللواء الثامن” التابع لـ”الفيلق الخامس” المدعوم من روسيا.

تبديلات لخريطة السيطرة

في 4 من تشرين الثاني الحالي، أعادت قوات النظام السوري تمركز قواتها، إذ انسحبت أرتال تتبع لـ”الفرقة 15″ من مدينة درعا، وعادت إلى مواقعها في السويداء، وكذلك استبدلت قوات النظام عناصر تابعين للأمن السياسي بحواجز الجيش في معبر “نصيب”.

وأفاد مراسل عنب بلدي في درعا نقلًا عن قيادي سابق في المعارضة، أن ترتيبات جديدة تجري لنفوذ قوات النظام وتوزيع مناطق السيطرة، وسد الفراغ الذي خلّفه انسحاب “الفرقة الرابعة” من الريف الغربي.

وسيخضع الريف الغربي لسيطرة “الأمن العسكري”، في الوقت الذي يخضع فيه الريف الشرقي لسيطرة “المخابرات الجوية”، بينما سيبقى الريف الشمالي تحت سيطرة “أمن الدولة”، بحسب القيادي.

وأضاف القيادي أن التحركات بدأت بانسحاب حاجز لـ”الأمن العسكري” من بلدة النعيمة بوابة الريف الشرقي وتسليمه لـ”المخابرات الجوية”، وكذلك انسحاب حاجزين في محيط بلدة تسيل وحواجز في داعل كانت تتبع لـ”المخابرات الجوية”.

وبحسب القيادي، فإن “الأمن العسكري” محسوب على روسيا، و”المخابرات الجوية” تتبع في ولائها لإيران، وإن التغييرات في المنطقة بدأت بعد انسحاب “الفرقة الرابعة” المحسوبة على إيران أيضًا.

وعن تبديل عناصر “الأمن السياسي” بحواجز الجيش، قال إن الأول يتبع لوزارة الداخلية، ويسعى النظام من هذه الخطوة لإظهار الطابع المدني على الدولة وخاصة للقادمين من معبر “نصيب”.

وحول الغاية من توزع النفوذ الجديد في درعا بعد “التسويات”، قال الباحث في مركز “جسور للدراسات” عبد الوهاب عاصي، في حديث إلى عنب بلدي، إن اتفاق “التسوية” الأخير يخلص إلى إعادة توزيع خارطة السيطرة والنفوذ بين روسيا وإيران في الجنوب السوري، وذلك بناء على ضمانات قدّمتها روسيا إلى إسرائيل والأردن والولايات المتحدة لتقليص نفوذ إيران في محافظة درعا.

تقليص نفوذ إيران في الريف الغربي والشمالي قد يكون مقبولًا بالنسبة إلى إسرائيل، بينما بقاء روسيا في الريف الشرقي مع منح إيران قدرة على التمركز فيه قد لا يكون مُرضيًا بالنسبة إلى الأردن، رغم أن ذلك لا يعني عدم قبوله لا سيما مع وجود “اللواء الثامن” في بصرى الشام، حسب عبد الوهاب عاصي.

ولا يُمكن النظر إلى إعادة توزيع خارطة النفوذ والسيطرة في محافظة درعا، إلا من خلال ميزان الربح والخسارة الذي أفضى إليه اتفاق “التسوية” الأخير، والذي أدى إلى خسارة إيران جزءًا من نفوذها مقابل تحصيل مكاسب في الريف الشرقي ببناء نفوذ، إذا ما استطاعت إعادة السكان الشيعة إلى قراهم.

بالمقابل، خسرت روسيا نفوذها الكبير في الريف الشرقي، لكنها حققت وصولًا أكبر في الريفين الغربي والشمالي عبر الأمن “العسكري” و”السياسي”.

وبدورها، استطاعت “اللجنة المركزية” ضمان عدم ترحيل أبناء المحافظة مقابل إجراء “تسويات” شكلية، بما في ذلك انتشار عناصر الأمن من أبناء المنطقة الذين لن يتوانوا عن الوقوف مع ذويهم في مواجهة سياسات إيران وروسيا مثلما حصل خلال فترة التصعيد، وفق ما يراه عاصي.

أين “اللواء الثامن” من تبدلات السيطرة؟

نقل “تجمع أحرار حوران” المحلي، في 11 من تشرين الأول الماضي، عن قيادي في “اللواء الثامن”، أن التشكيل العسكري المدعوم من روسيا في طريقه للتفكك، خصوصًا بعد أن شملت “التسويات” مجموعات تتبع له في قرية نصيب الحدودية مع الأردن.

في حين تعتبر الأسلحة التي يملكها عناصر “اللواء” أسلحة منظمة ومسجلة لدى قيادته، وتشرف عليها روسيا، كما تشرف على العناصر الذين شملهم اتفاق “التسوية”، بحسب حديث قيادي سابق في فصائل المعارضة إلى عنب بلدي.

وفي التوزع الجديد، انكفأ “اللواء الثامن” بمدينة بصرى الشام فقط بعد أن سحب سلاح مجموعاته، كما تراجع حضوره بعد أن كان يُطرح في السابق كقوات تقبل بها المعارضة.

وحول قرار روسيا بتقليص نفوذ وامتيازات “اللواء الثامن”، يرى الباحث عبد الوهاب عاصي أن الأمر يبدو مرتبطًا بعدم نجاح مشروع “اللواء” بالكامل، سواء من ناحية الالتزام بالمهام أي “مكافحة الإرهاب”، أو حتى التسويق له في محافظة درعا كطرف مقبول يساعدها على ضمان الوصول.

وأضاف عاصي أن روسيا في الوقت نفسه لم تتخلَّ عن “اللواء” بالإبقاء على مقره الرئيس، وذلك لقناعتها بضرورة الحفاظ على نموذج “الفيلق الخامس”، ولعدم زعزعة الثقة بها كوسيط بين الفاعلين المحليين، وبطبيعة الحال لاسترضاء الأردن، الذي يحرص على الإبقاء على قوة سنية في الريف الشرقي لمواجهة إيران.

وبعد حصار درعا من قبل قوات النظام، في تموز الماضي، طُرحت وساطة من قبل قيادة “اللواء الثامن” لنشر حواجز له داخل مدينة درعا البلد، وهو ما وافقت عليه المعارضة داخل المدينة، لكن رفضت حينها “اللجنة الأمنية” هذا العرض معتبرة أن اللواء “ليس من جسم الجيش السوري”.

وبعد إجراء “تسويات” في الريف الغربي والشمالي وصولًا إلى الريف الشرقي، اصطدمت “اللجنة الأمنية” بوجود سلاح تابع لمجموعات “اللواء” في الريف الشرقي، فطلبت روسيا من “اللواء” جمع السلاح في مستودعات بصرى الشام، وهذا ما سهّل المهمة على “اللجنة الأمنية” في درعا، وجعلها تستفرد بالريف الشرقي وترفع سقف المطالب بمئات قطع السلاح في كل قرية.

واستثنت “اللجنة الأمنية” مدينة بصرى الشام ومعربة وجمرين من “التسوية”، وهي مناطق مركزية لقوات النظام، وفي حديث سابق لقيادي من “اللواء” إلى عنب بلدي، اعتبر أن قيادة “اللواء” قادرة على ضبط السلاح، وأنها أجرت “تسوية” لعناصرها في تموز 2019.

وشُكّل “اللواء الثامن” من فصيل “شباب السنة”، أحد فصائل “الجبهة الجنوبية” المعارضة للنظام جنوبي سوريا، بقيادة أحمد العودة، وكان أحد أهم الفصائل المقاتلة والمنظمة، كونه الفصيل الوحيد الموجود في مدينة بصرى الشام.

ومع دخول “تسويات” النظام برعاية روسية حيز التنفيذ عام 2018، حافظ العودة على تنظيمه العسكري المعارض، وانتقل به للانضمام إلى “الفيلق الخامس” الذي أسسته روسيا عام 2016 كقوات رديفة لجيش النظام.

فوضى مستمرة في المحافظة بـ”أيادٍ إيرانية”

رغم ادعاء النظام السوري تحقيق الأمن والأمان في درعا بعد انتهاء “تسويات” تسلّمت من خلالها آلاف قطع السلاح الخفيف، يخالف الواقع تلك الادعاءات، إذ عادت عمليات الاغتيال بوتيرة متسارعة، وسجل “مكتب توثيق الشهداء” في درعا اغتيال 33 شخصًا خلال شهر تشرين الأول الماضي فقط.

العميد المتقاعد أسعد عوض الزعبي، يرى في حديث إلى عنب بلدي أن عمليات الاغتيال في درعا تقف خلفها إيران التي تسعى لتغيير ديموغرافي في المنطقة بدعم روسي، لأن أهم أهداف روسيا في المنطقة التخلص من المقاتلين المعارضين للنظام.

بدوره، قال الناشط همام فهيم، المقيم في درعا، إنه بعد “التسويات” ازدادت عمليات الاغتيال بشكل ملحوظ، معتبرًا أن “الجنوب السوري مقبل على مرحلة جديدة ستكون أشد خطورة وفتكًا مما سبقها، وعنوانها الفوضى الأمنية”، حسب تعبيره.

وعمدت الميليشيات الإيرانية إلى تسليم الملف لوجوه جديدة موالية لها، إذ سُلّم ملف الجنوب للواء مفيد حسن المعروف بولائه لـ”فيلق القدس” الإيراني، وفق الناشط همام فهيم.

وكان مراسل عنب بلدي في درعا أفاد أنه بعد مشارفة “اللجنة الأمنية” على نهاية مهامها، عزل النظام السوري اللواء حسام لوقا من مهامه، وعيّن بدلًا منه اللواء مفيد حسن، وهو قائد “الفيلق الأول”، رئيسًا للجنة.



English version of the article

مقالات متعلقة


43200

×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة