“Eternals”.. “تابو” المثلية

ع ع ع

نبيل محمد

كان منتظرًا إطلاق فيلم “Eternals” (الأبديون) في صالات السينما بمجموعة من الدول العربية في 11 من تشرين الثاني الحالي، إذ أعلنت الصالات على منصاتها مواعيد العرض، وأسبقت ذلك بحملات ترويجية للفيلم الذي يجوب صالات العرض في دول العالم حاليًا، لكنّ قرارًا رقابيًا أدى إلى إلغاء عرضه في السعودية وقطر والكويت، ويبدو أن مصر انضمت مؤخرًا لحجب الفيلم عن جمهور السينما، ففيه “ما لا يناسب الجمهور العربي”، وفق لسان حال تلك الرقابات.

لم تُجدِ الجهود الخليجية بالتواصل مع منتجي الفيلم لحذف بعض المشاهد منه، وخاصة تلك المتعلقة بالعلاقات المثلية ضمن الفيلم، الذي يقدّم للمرة الأولى شخصيات “سوبرهيرو” مثليّة، ويطرح مسألة زواج مثليي الجنس في مجتمع الأبطال الخارقين، حيث رفضت استديوهات “مارفل” طلبات الحذف كليًا، وأصرّت على عرض الفيلم كما هو، وهو ما لم تتقبله رقابات تلك الدول، التي تعرّضت لانتقادات لاذعة بسبب منعها عرضه، أولها جاء من أنجلينا جولي بطلة الفيلم، التي عبّرت عن حزنها على جمهورها الذي لن يحضر الفيلم في السعودية ودول عربية أخرى، في حين افتخرت بقرار “مارفل” برفض الحذف.

تفاصيل تعيد نفسها كانت قد حدثت في العام الماضي مع فيلم “Onward”، وهو فيلم رسوم متحركة من إنتاج العملاقة “بيكسار”، إذ حضرت في الفيلم علاقة مثلية أيضًا، حجبته عن الجمهور العربي في دول عدة بينها السعودية وقطر في 2020، وأعادت معها قضية الرقابة على دور السينما، و”فلترة” الأفلام قبل وصولها إلى المشاهدين، في الوقت الذي تعتبر السينما واحدة من أهم وسائل الدعاية السياسية، والتأثير بالجمهور، التي تستخدمها تلك الدول التي تفعّل مؤسساتها الرقابية لاكتشاف أي مشهد تعتبره غير مناسب للجمهور، فتقوم بإيقاف عرض الفيلم، سالبة الجمهور حقّه في أن يقيّم المشهد، وهل بالفعل يحمل تأثيرًا سلبيًا عليه وعلى عائلته أو لا.

تتفاقم العداوة في المؤسسات التقليدية العربية (كتلك الدول التي حظرت عرض “Eternals”) مع قضيّة المثلية بالتوازي مع ازدياد حضور هذه القضية في وسائل الإعلام وفي منتجات الفنون باختلاف أنواعها في الغرب، فقضية مثليي الجنس وحقوقهم الاجتماعية بدءًا من التعبير عن أنفسهم وليس انتهاء بالزواج، تزداد تعمقًا في منتجات الثقافة الغربية التي تصل إلى الشوارع العربية، في 2020، أوجدت “بيكسار” أولى شخصياتها المثلية الكرتونية، واليوم في 2021، كان أول حضور لزواج المثليين في عوالم “مارفل” وشخصيات “السوبرهيرو”، ويندر أن يمر فيلم أو مسلسل منتَج حديثًا، دون أن تحضر فيه شخصية مثلية، في محاولة لتحقيق تمثيل عادل للفئات الجنسية في المجتمع، في وقت ما زالت فيه الهيئات الرسمية في الدول التي تعترض على هذا المحتوى تعتمد مصطلح “الشواذ جنسيًا” للتعبير عن هذه الفئة.

أمام منع عرض الفيلم، واعتراض الشركة على طلبات الحذف، هناك دائمًا رقيب يلعب على طريقته، فلا يلغي عرض الفيلم ولا يطلب من الشركة المنتجة حذف بعض الأفلام تماشيًا مع طبيعة ثقافته، إنما يأخذ زمام المبادرة ويقوم هو بالقص، ضاربًا عرض الحائط بالحقوق والقوانين الناظمة لهذه العملية، إنه الرقيب السوري الذي لم يلغِ عرض فيلم “Eternals”، بل أُقيم العرض بالتوقيت المخصص له في سينما “سيتي”، “بعد حذف المشاهد التي تضمنت قبلات بين أبطال العمل من مثليي الجنس، على عكس النسخة الأساسية التي احتوت تلك المشاهد”، وذلك وفق ما نقلته مواقع سورية شبه رسمية.

يشابه الأسلوب السوري في التعامل مع المواد التي تحتاج إلى تدخل الرقيب، الأسلوب الروسي، بأن تأخذ الدولة زمام المبادرة، ولا تنتظر رضا الهيئات المنتجة، فتقوم بالقص والحذف بل وتنفيذ تغييرات مناسبة يمكنها أن تعدّل من توجّه الفيلم، فخلال عرض فيلم “Onward” في العام الماضي، نفذت روسيا تغييرين في الفيلم، أولهما إلغاء أي إشارة إلى جنس الشخصية المثلية، كما استبدلت كلمة شريكتي بكلمة حبيبتي، لتلغي بذلك العلاقة المثلية في الفيلم بأسلوب ضحل ومنفّربهذه الضحالة، لا يختلف عن بقية الأساليب الرقابية التقليدية التي مثلما تسيء بوقاحة للجمهور، تسيء أيضًا لمنتجي الفنون الذين سيتقبّلون آسفين عدم عرض الفيلم في مناطق معيّنة، لكنهم لن يقبلوا بالتأكيد أي عملية حذف يمارسها الآخرون.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة