مهندس واحد وقوى سيطرة مختلفة..

هل تكون دير الزور مرآة لفشل “تسويات” درعا الأمنية

صورة تظهر أحد مداخل مدينة دير الزور (تعديل عنب بلدي)

ع ع ع

عنب بلدي- خالد الجرعتلي

بدأت قوات النظام السوري، منذ مطلع تشرين الثاني الحالي، بالترويج لعمليات “التسوية” الأمنية في دير الزور، عبر شُعب وفرق حزب “البعث” في المحافظة الواقعة شرقي سوريا، إذ عقدت كوادر الحزب اجتماعًا تنظيميًا، في 9 من الشهر نفسه، تحدث خلاله قياديون “بعثيون” عما أسموه “مكرمة” الرئيس بشار الأسد، لـ”تسوية” عامة لأهالي دير الزور، وعمليات “مصالحة وطنية”، تشمل المطلوبين والفارين من الخدمة الإلزامية.

رغم أن طبيعة محافظة دير الزور التي تطغى عليها الصبغة العشائرية، تشبه إلى حد ما بُنية محافظة درعا العشائرية، فإن تجربة قوات النظام لم توقف الفلتان الأمني وعمليات الاغتيال في درعا جنوبي سوريا.

القوات الأمنية اعتقلت عددًا من مراجعي مبنى الصالة الرياضية في دير الزور من المقبلين على “التسوية”، الأمر الذي يظهر نية النظام البعيدة عن مفهوم “التسوية” الذي يروّج له.

تحاول عنب بلدي في هذا التقرير تسليط الضوء على تجربة “التسوية” في محافظة درعا، والمكاسب التي حققتها خلالها، لتُنقل التجربة إلى محافظة دير الزور التي تشهد وجودًا لقوات أمريكية وأخرى إيرانية على عكس طبيعة السيطرة في الجنوب السوري.

هل نجحت “التسويات” فعليًا في درعا؟

لم تتوقف عمليات الاغتيال في محافظة درعا منذ انتهاء “تسويات” النظام فيها، وطالت عناصر ومقربين من قوات النظام، خصوصًا أن قوات النظام عملت على سحب حواجزها وقواتها الأمنية عقب انتهاء “التسوية”، تحت ما أسمته وسائل إعلام النظام “عودة الحياة الطبيعية إلى المحافظة”.

لم تقتصر الاغتيالات والاستهدافات على مقبلين على “التسوية” ومقاتلين سابقين من فصائل المعارضة، بل شملت دوريات من الشرطة العسكرية الروسية التي تعتبر الضامن لهذه “التسويات” في المحافظة.

القيادي السابق بفصائل المعارضة الملازم أول ناجي المجاريش، قال خلال حديث إلى عنب بلدي، إن “التسويات” الأمنية في محافظة درعا كانت فاشلة منذ بدايتها، كما سبقها فشل “تسوية 2018” قبلها.

واعتبر القيادي السابق أن “التسوية” الحالية التي بدأت في أيلول الماضي، كانت نتائجها عكسية قياسًا بطموحات النظام، إذ لم تحقق أي تحسن على الصعيد الأمني، فعادت عمليات الاغتيال بوتيرة سريعة ومكثفة، كما انتشرت حالات السرقة والفلتان الأمني في المحافظة.

وأضاف المجاريش أن هدف النظام الوحيد من “تسويات” درعا، كان سحب السلاح المنتشر لدى سكان المنطقة، لتجريدهم من إمكانية الدفاع عن أنفسهم أمام حملاته الأمنية مستقبلًا.

ويضاف إلى ذلك، التغيير الديموغرافي وتغيير التركيبة السكانية الذي ترمي إليه قوات النظام، إذ سهّل النظام السوري هجرة الشباب لإفراغ المنطقة الجنوبية من سكانها، ليسهل عليه إحكام قبضته الأمنية على المنطقة.

وعن التشابه بين “تسويات” درعا وتلك التي يحاول النظام تطبيقها في دير الزور، قال الباحث في مركز “جسور للدراسات” أنس شواخ، إن قوات النظام تعمل، وبدعم كامل من الجانب الروسي، على نموذج “المصالحات الفردية” وليس نموذج مصالحات الفصائل والكتائب، الذي يسمح لها بالحفاظ على كياناتها وكتلها بعد إجراء عملية “التسوية”، كما هي الحال في محافظة درعا.

وتحاول قوات النظام تطبيق هذا النموذج من “التسوية” سواء في المناطق التي تسيطر عليها قوات النظام والميليشيات المدعومة إيرانيًّا، أو في المناطق التي تسيطر عليها “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، والتي تشهد وجودًا لقوات التحالف الدولي.

تركيبة اجتماعية متشابهة

تتشابه التركيبة الاجتماعية في محافظة درعا مع التركيبة العشائرية التي تطغى على دير الزور إلى حد بعيد، إذ شهدت درعا خلال مواجهتها العسكرية مع قوات النظام السوري نوعًا من وحدة الموقف بين المدينة وأريافها بسبب تركيبتها العشائرية.

وكان من أبرز أوجه هذه التركيبة الاجتماعية إفراز لجنة مفاوضات شُكّلت من وجهاء العشائر في المحافظة، ووقع على عاتقها الوصول إلى حل لوقف الأعمال العسكرية ضد المناطق المحاصرة في درعا، بين حزيران وأيلول الماضيين.

برز الموقف العشائري في العديد من المواقف التي تعرقلت فيها المفاوضات مع النظام واستُؤنفت فيها الأعمال العسكرية، ففي 28 من حزيران الماضي، طالب أهالي درعا البلد بترحيلهم إلى مناطق آمنة، إثر الحصار الذي تفرضه قوات النظام، والتصعيد العسكري على المنطقة، الأمر الذي لم يلقَ أي اعتراض ضمني في درعا، والذي انتهى بالوصول إلى تهدئة تبعتها “تسويات” النظام في المحافظة مطلع أيلول الماضي.

وهو ما يشابه الحالة الاجتماعية في دير الزور إلى حد بعيد، إذ تعمل قوات النظام على استغلال هذه التركيبة العشائرية في المحافظة منذ سنوات عدة، من خلال استغلال مكانة بعض وجهاء العشائر، بحسب الباحث أنس شواخ.

واعتبر شواخ أن النظام حاول استغلال مكانة الوجهاء كمدخل و”أداة لفرض سيطرته على موقف دير الزور”، خلال عملية “التسوية الشاملة” التي أطلقها قبل أيام في المحافظة.

واعتمد الجانب الروسي، بحسب شواخ، أيضًا على هذه التركيبة، وحاول تسخير عدد من وجهاء وشيوخ العشائر الموالين له، وتقديمهم على أنهم ضامنون لاتفاق “التسوية” لإقناع أبناء قبائلهم وعشائرهم بجديّة النظام في هذه العمليّة والتزامه بها، لكن هذا الاستثمار لم ينجح لأسباب عدة، أبرزها فقدان وجهاء العشائر هؤلاء ثقلهم الاجتماعي ومكانتهم لدى أبناء قبائلهم، خصوصًا بعد تورط معظمهم مع الميليشيات الإيرانية الناشطة في محافظة دير الزور، بحسب شواخ.

هل يختلف الموقف الدولي في المنطقتين؟

مع مرور شهر على حصار مدينة درعا البلد، وازدياد وتيرة أعمال العنف من قبل قوات النظام السوري بحق المدينة المحاصرة، استمر الصمت الدولي حيال تصعيد النظام السوري، الذي بدأ بقصف المنطقة المحاصرة في درعا البلد.

ولم تصدر أي ردود أو إدانات عن منظمات حقوق الإنسان أو الدول الكبرى التي تلعب دورًا أساسيًا في الساحة السورية، حتى نهاية تموز الماضي، أي بعد مرور أكثر من شهر على حصار المدينة ومحاولة اقتحامها.

وفي 28 من آب الماضي، أي قبل انتهاء المواجهات العسكرية بأيام عدة، بدأت بيانات المنظمات الدولية تنهال لإيقاف أعمال العنف في المحافظة، إذ طالبت منظمة العفو الدولية النظام السوري برفع الحصار المستمر منذ شهرين على درعا البلد، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية دون قيود إلى المنطقة التي يعيش فيها حوالي 20 ألف شخص.

لكن مع انتهاء الأعمال العسكرية، والشروع بتطبيق “التسويات” في المحافظة، عادت المواقف الدولية لتغيب وخصوصًا الأمريكية والإسرائيلية منها، التي طالما نددت بوجود قوات إيرانية على مقربة من الحدود الإسرائيلية جنوبي سوريا.

وكذلك الحال في محافظة دير الزور، التي تغيب فيها المواقف الدولية، أو الأمريكية التي تقع قواعدها العسكرية على بعد عشرات الكيلومترات من مراكز عمليات “التسوية” في محافظة دير الزور.

إضافة إلى صمت الولايات المتحدة حول “التسوية” في مناطق خارج سيطرة النظام السوري، لم يبدِ الحليف المحلي لها (قسد) أي موقف رافض لهذه العمليات، باستثناء قرار وحيد صادر عن “المجلس التشريعي” في دير الزور التابع لـ”الإدارة الذاتية”.

كما أن المعابر غير الرسمية الواصلة بين مناطق سيطرة “قسد” والنظام السوري في محافظة دير الزور، استمرت في عملها بشكل طبيعي خلال عملية “التسوية” دون أي توقف أو تعطيل من قبل “قسد”.

في حين يعتقد الباحث أنس شواخ، أن أمريكا لن تبدي موقفًا من “التسويات” التي تجريها قوات النظام ضمن مناطق سيطرتها في محافظة دير الزور.

“تسويات” تُقابَل برفض شعبي

مع انطلاق “التسويات” في مبنى الصالة الرياضية بمحافظة دير الزور، في 14 من تشرين الثاني الحالي، اعتقلت قوات النظام عددًا ممن توجهوا لملء استمارات “التسوية”، التي يحصل بموجبها المتقدم على بطاقة تُسقط عنه التهم الموجهة له بحمل السلاح، أو الانشقاق عن قوات النظام، بحسب موقع “دير الزور 24” المحلي.

واعتبر بعض المدنيين ممن تواصلت معهم عنب بلدي، أن “إجراء التسوية يقيهم شر النظام”، في حال تغيّر واقع السيطرة في محافظة دير الزور، سواء بمعارك عسكرية أو ضمن تفاهمات مع “قسد”.

لكن القبول الشعبي لهذه “التسويات” يعتبر متفاوتًا بين من يتخوفون من دخول النظام إلى المنطقة، وبين من يعتبرون أنفسهم أعداء للنظام السوري، إذ قوبل وجود النظام السوري وروسيا بالرفض في محافظة دير الزور مرات عدة، وظهر ذلك من خلال تظاهرات شعبية رفضت وجود قوات روسية في المحافظة، حيث كانت الرسالة واضحة عندما قال وجهاء من ريف دير الزور الشرقي لقياديين روس، “أنتم قتلتم أطفالنا. نرفض وجودكم في مدننا وقرانا”، في أثناء مرور رتل روسي عبر ريف دير الزور متجهًا إلى محافظة الرقة في تشرين الأول الماضي.

وفي هذا السياق قال شواخ، إن الرفض الشعبي الواسع لدى أبناء محافظة دير الزور، خصوصًا الموجودين في مناطق سيطرة “قسد”، لأي عودة لقوات النظام السوري، هو أمر حتمي، وبالتالي يرفضون أي انتشار عسكري روسي في هذه المناطق، لأنه غالبًا ما “سيكون تمهيدًا لعودة قوات النظام إليها”، وكان هذا الرفض واضحًا من خلال اعتراض الأهالي أرتال القوات الروسية التي حاولت الدخول إلى هذه المنطقة مرتين، كان آخرها في 19 من تشرين الثاني الحالي.

حسام لوقا.. مهندس “تسويات” النظام

كما هي الحال مع كل “تسوية” أمنية يجري الحديث عنها في سوريا، يتصدر رجل “تسويات” النظام السوري اللواء حسام لوقا المشهد، وهو الذي أشرف على هندسة “تسويات” درعا.

وظهر لوقا في الصور التي نشرتها وسائل إعلام النظام من “التسويات” التي أُقيمت في محافظة دير الزور، في حين لم تُعرف حتى الآن طبيعة “التسويات” التي يحاول لوقا إدارتها في دير الزور أو دوره فيها، إلا أن دوره المعتاد في تصدّر “التسويات” ظهر مع أولى الصور التي خرجت من مركز “التسوية”.

أشرف على هندسة الاتفاقيات في محافظة درعا ما عُرف بـ“اللجنة الأمنية” التي تعتبر الممثل عن النظام السوري في المحافظة، وترأسها اللواء حسام لوقا، وتتبع منهج التهديد ذاته الذي اتبعه ويتبعه النظام في مختلف المحافظات السورية.

حاول لوقا عبر التفويض الأمني، الممنوح له في درعا حينها، تحقيق أكبر قدر من المكاسب للنظام السوري، من خلال سحب أكبر كمية من الأسلحة الموجودة لدى السكان المحليين، والتي كانوا احتفظوا بها عقب “تسوية 2018″.

ينحدر لوقا من منطقة خناصر بريف حلب الجنوبي، ويعتبر من أبرز الشخصيات الأمنية التابعة للنظام السوري، وعيّنه النظام رئيسًا لـ”شعبة الأمن السياسي”، خلفًا للواء محمد خالد رحمون، الذي شغل منصب وزير الداخلية في حكومة النظام.

لم يقتصر عمل لوقا على الجنوب السوري، إذ كان له الدور الأكبر في السيطرة على حي الوعر في مدينة حمص، عام 2017، الذي دخل باتفاق “تسوية” رعته روسيا، وقضى بخروج قاطنيه ومقاتليه إلى الشمال السوري.

وسبق أن تسلّم حسام لوقا رئاسة فرع “الأمن السياسي” في حمص، منذ نيسان 2012، خلفًا للعميد ناصر العلي، وعُرف حينها بسطوته الأمنية ضد المظاهرات السلمية الأولى التي شهدتها المدينة.

وفي عام 2012، أدرج الاتحاد الأوروبي اللواء لوقا على قائمة العقوبات، بسبب مشاركته في تعذيب المتظاهرين والسكان المدنيين، في المناطق التي كان بها ذراعًا للنظام السوري.

كما ورد اسم لوقا ضمن 17 اسمًا أدرجتها الخزانة الأمريكية على قائمة عقوباتها، في إطار قانون “قيصر” للعقوبات.

وفي عام 2019، تسلّم لوقا إدارة “اللجنة الأمنية” في محافظة درعا جنوبي سوريا، خلفًا للواء قحطان خليل.

وكان من أبرز أعمال لوقا في محافظة درعا، بحسب ما نقلته وكالة “نبأ” المحلية، عمليات تجنيد المرتزقة لاغتيال المعارضين لاتفاق “التسوية”.

كما صدرت عنه أوامر، بحسب الوكالة، بقصف مدينة الصنمين الذي خلّف أعدادًا من القتلى والجرحى، كما سهّل طرق تهريب المخدرات وتجارتها في الجنوب السوري.

ومنذ تسلّم لوقا إدارة “اللجنة الأمنية”، منح صلاحيات إضافية للحواجز الأمنية في المنطقة، ما خلّف اعتقال المئات من المدنيين في درعا بشكل عشوائي على أيدي تلك الحواجز.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة