الزواج من خارج الطائفة والنفقة و"حصّة المقاطيع"..

مظالم النساء في المحاكم المذهبية بسوريا

من أمام مبني القصر العدلي في دمشق - 14 من كانون الثاني 2019 (عنب بلدي)

ع ع ع

عنب بلدي – صالح ملص

“بعد أن فشلت كل محاولات حل مشكلاتي مع زوجي، وتدخل الأقارب والأهل لإقناعي بالعودة إلى المنزل، قررتُ رفع دعوى للانفصال عن زوجي السابق، وخاصة بعد رفضه رفع الدعوى كي لا يدفع المقدم والمؤخر، فبدأت هنا معاناتي في المحكمة بالسويداء”.

تسرد سميرة (36 عامًا) لعنب بلدي معاناتها من تجربة زواج لم يُكتب لها النجاح، إذ لجأت إلى المحكمة المذهبية في السويداء للانفصال عن زوجها، إلا أن تجربة أخذ حقها في المحكمة لم تكن أقل سوءًا من تجربة زواجها.

تتسم سوريا بتنوّع التركيبة السكانية من حيث تكوينها الديني، إذ تنقسم الطوائف الدينية بوجه عام إلى مجموعتين كبيرتين، الطوائف الإسلامية التي تتوزع إلى مذاهب عدة، والطوائف المسيحية بمختلف مذاهبها، بالإضافة إلى ذلك، هناك مجتمعات صغيرة تنتمي إلى طوائف دينية أخرى، مثل اليهودية، لكن انخفضت أعدادها على فترات زمنية إلى حد كبير بسبب عوامل مختلفة.

وإذا كان لدولة ما دين بموجب نص دستوري، حيث يصبح النظام العام قائمًا فيها على أساس هذا الدين، فإن ذلك لا يحول دون ممارسة المعتقدات الدينية بما فيها الأحوال الشخصية من قبل أولئك الذين لا يدينون بدين الدولة التي هم من رعاياها.

وكفل الدستور السوري الصادر عام 2012 في مادته الثالثة حق الطوائف الدينية في ميدان الأحوال الشخصية، التي ترتبط بالزواج والطلاق والإرث والوصية، الأمر الذي يعني حقها بإنشاء محاكمها الخاصة، كون الوضع الاجتماعي للشعب السوري وانتمائه إلى طوائف متعددة أبرز هذه الخصوصية، فحتّم أن تكون هناك مراجع عدة ذات صلاحية تشريعية.

وتنقسم محاكم الأحوال الشخصية السورية تبعًا للطوائف الدينية، وفق المادة “306” من قانون “الأحوال الشخصية”.

وفي تشرين الأول الماضي، أحدث المشرّع السوري بموجب المرسوم رقم “320” محكمة مذهبية ثانية للموحدين الدروز في عدلية ريف دمشق مقرها ناحية أشرفية صحنايا، إذ إن المحكمة المذهبية الأولى موجودة في محافظة السويداء جنوبي سوريا.

إحداث المحكمة المذهبية الثانية في محافظة ريف دمشق، فتح باب الانتقادات مجددًا في المنتديات الحوارية عبر مواقع التواصل الاجتماعي حول عمل المحكمة المذهبية في سوريا، ومدى توافق أحكامها القضائية مع نصوص الدستور السوري من حيث إنصافها للمرأة.

لا تعتبر سميرة، التي تحفظت عن ذكر اسمها الكامل لأسباب أمنية، الوحيدة التي تعاني من الإجراءات القضائية في المحكمة المذهبية، لأخذ حقوقها الناشئة عن إنهاء زواجها عن طريق الطلاق، إذ تعاني النساء من أشكال عدة من التمييز ضدهن داخل أروقة المحكمة المذهبية.

حكم دون تنفيذ

“نتيجة مشكلات زوجية وتراكماتها في آخر فترة زواجي، قررتُ ترك المنزل مُكرهة، تركتُ أبنائي في المنزل مع والدهم لأنه لم يرضَ بأن آخذهم معي، وقبل سنة من الآن بدأت رحلتي في المحكمة”.

تركت سميرة في 2020 ولديها مع أبيهما، أحدهما عمره عشرة أعوام، والآخر عمره 13 عامًا، إلى حين استطاعتها أخذهما عن طريق المحكمة.

تابعت سميرة، “استمرت الدعوة لغاية سنة كاملة، إلى أن صدر حكم الانفصال عن زوجي السابق من القاضي، ولم أحصّل من حقوقي شيئًا، سوى نفقة شهرية لا تتجاوز قيمتها عشرة آلاف ليرة سورية (ثلاثة دولارات)، ورغم إلزامه (طليقها) بدفعها من قبل الشرطة، فإنه حتى الآن يتنصل من دفعها كل شهر، ولا تتم محاسبته في ظل الفلتان الأمني الذي تشهده المحافظة”.

أما عن حضانة الطفلين، فقالت السيدة الثلاثينية، “أطفالي أصبحوا لديّ بعد أن انتظرت أكثر من سنة إلى أن صدر قرار المحكمة، لأن من حقي تربيتهم فأعمارهم تسمح بذلك بحسب القانون، ولا يتم دفع النفقة الشهرية التي من حقهم من قبل والدهم فحالهم كحالي”.

وتعمل سميرة خادمة في المنازل كي تطعم أولادها، و”أعيش أيضًا من وراء حسنات فاعلي الخير”، لا سيما أنها لا تحمل شهادة دراسية تؤهّلها للتقديم على وظيفة أو العمل في مكان لائق.

ما المحكمة المذهبية

خلال فترة الانتداب الفرنسي، أصدر المفوّض الفرنسي مجموعة من القرارات التشريعية في تنظيم القضاء الطائفي وتنظيم الطوائف المختلفة، فأصدر القرار رقم “261” لعام 1926، حدد هذا القرار اختصاص المحاكم الروحية للنظر في الدعاوى المتعلقة بالزواج، مثل عقد الزواج، وبطلان الزواج، والفراق والطلاق، ونفقة المعاش بين الزوجين.

ثم صدر القرار “60” لعام 1936، المعدّل بالقرار “146” لعام 1938، ويُعرف هذا القرار بـ”نظام الطوائف الدينية”، وبموجب المادة الرابعة منه يكون لكل طائفة من الطوائف الدينية المعرفة بالقرار “60” سلطة تشريعية وقضائية وتنفيذية.

ويُقدّم إلى السلطة الحكومية نظامًا يُحدد شكل المحاكم، واللجان، وصلاحية كل منهما، وأصول المحاكمة في المحكمة، والتشريع المختص بكل ما يتعلق بالأحوال الشخصية، وأوجبت المادة الخامسة من القرار “60” أن يُصدّق هذا النظام بقرار تشريعي.

وبحسب ما قالته المحامية والباحثة السورية سحر حويجة في حديث إلى عنب بلدي، عندما صدر قانون “الأحوال الشخصية العام” رقم “59” لعام 1953 في سوريا، نص في المادة “308” على أن يطبق بالنسبة إلى الطوائف المسيحية واليهودية ما لدى كل طائفة من أحكام تشريعية تتعلق بالخطبة، وشروط الزواج وعقده، والمتابعة، والنفقة الزوجية، ونفقة الصغير، وبطلان الزواج وحله وانفكاك رباطه، والحضانة.

وهكذا أُخرجت الطائفة المسيحية واليهودية من نطاق القانون العام للأحوال الشخصية، ومن اختصاصات المحاكم الشرعية في الحالات التي أوردها النص على سبيل الحصر.

وأُحدثت المحكمة المذهبية بموجب القانون رقم “134” لعام 1945، بحسب ما قالته المحامية حويجة، حيث يكون التعيين لقضاء المذهب الدرزي بناء على اقتراح “الهيئة الدينية الدرزية”، وتصدر وزارة العدل مرسومًا بتعيين الشخص الذي ينتخبه الزعماء الروحيون قاضيًا للمذهب الدرزي.

جاء بالمادة الثانية من القانون رقم “134”، “تحتفظ المحاكم المذهبية بطابعها الطائفي واستقلالها المذهبي الخاص، في قضايا الإرث والوصية والنفقة والزواج والطلاق وما يتفرع عنها، والأمور المذهبية الخاصة، وتكون أحكامها بعد اكتساب الدرجة القطعية واجبة التنفيذ عن طريق دائرة التنفيذ”.

وجاءت المادة “307” من قانون “الأحوال الشخصية” لعام 1953 منظمة للقضايا الداخلة في صلاحيات المحكمة المذهبية.

ونصت المادة “35” من قانون “السلطة القضائية“، على أن المحكمة المذهبية تتألف من قاضٍ شرعي واحد من أبناء الطائفة الدرزية، وتتولى النظر بقضايا الأحوال الشخصية للطائفة المذكورة.

ويعيّن قاضي المحكمة المذهبية بمرسوم بعد أخذ رأي وزير العدل وموافقة “مجلس القضاء الأعلى”، على أن تتوفر في تعيينه الشروط الواجب توفرها في تعيين القضاة، إلا أنه لا يتبع للمجلس.

وتخضع الأحكام التي يصدرها قاضي المحكمة المذهبية للطعن أمام محكمة النقض ضمن المدة والأصول المتبعة في الطعن بالأحكام الصادرة عن المحاكم الشرعية.

ووفق قانون “السلطة القضائية”، يُحدد الاختصاص المكاني للمحكمة المذهبية في نطاق محافظة السويداء، أما في بقية المحافظات فيبقى الاختصاص للقضاء الشرعي العادي، للنظر في دعاوى أتباع الطائفة وفق أحكامهم.

ويجوز للشاب بإتمامه سن الـ18 عامًا أن يتقدم بطلب الزواج داخل المحكمة المذهبية، والشابة بإتمامها سن الـ17 عامًا، ويحق لأحد شيوخ العقل أو قاضي المذهب أن يأذن بالزواج للمراهقة التي أكملت الـ15 عامًا ولم تكمل سن الـ17 عامًا، إذا ثبت لديه طبيًا أن حالها تتحمل ذلك وأذن وليها.

وإذا أذن أحد شيوخ العقل أو قاضي المذهب بزواج المراهق والمراهقة من دون إذن الولي، حق لكل من المراهق أو المراهقة أن يطلب فسخ الزواج في مدة ستة أشهر تبتدئ من تاريخ بلوغهما سن الزواج ضمن القانون.

تمييز ضد المرأة

تستند المحكمة المذهبية في سوريا ضمن أحكامها إلى المذهب الدرزي، الذي لا يمنح الطلاق للمرأة أو الرجل إلا بحكم القاضي وبتقرير منه، وهو “موقف إيجابي”، بحسب ما اعتبرته المحامية سحر حويجة، إذ لا يوجد طلاق بالإرادة المنفردة لكلا الطرفين، إنما بحكم القاضي.

كما لا يجوز تعدد الزوجات، ولا يجوز عودة المطلقة إلى عصمة زوجها.

إلا أن أهم أشكال التمييز ضد المرأة ضمن المحكمة المذهبية هو رفض تسجيل زواج امرأة درزية اختارت رجلًا من خارج الطائفة، وفق ما تراه المحامية حويجة، ففي هذه الحالة “تطبق قوانين الإرث ضد المرأة، إذ إن أحكام الوصية لوارث التقاليد، فيوصي المورث بأملاكه لأبنائه الذكور، وتهان المرأة بإعطائها حصة تحت تسمية (حصة المقاطيع)، التي تُترك للمرأة العازبة أو الأرملة أو المطلقة”.

كما أن حكم النفقة الذي تصدره جميع محاكم الأحوال الشخصية السورية، سواء الشرعية أو الروحية أو الدرزية، لا يتناسب مع تغطية الحاجات الضرورية سواء نفقة المرأة أو الطفل، وفق ما تعتقده المحامية، كونها لا تراعي ظروف الزوج ودخله والتزاماته وأملاكه.

“دائمًا نسمع قصصًا وشكاوى حول مقدار النفقة، وأسوأ ما في أحكام الشرع والمذهب أن المرأة تترك بيت الزوجية مع أطفالها في سن الحضانة، وتذهب إلى بيت أهلها، مع أن النفقة تشمل ما يحتاج إليه الشخص من نفقة الطعام واللباس وبدل السكن”، وفق ما قالته المحامية، ولا تشكّل حصة نفقة الأطفال تحت حضانة أمهم سوى “جزء قليل من تكاليف حياتهم”.

في حديث سابق لعنب بلدي مع أحد المحامين في مدينة السويداء، قال إن هناك نقطة إيجابية في أحكام الطلاق والزواج وفق المحاكم المذهبية، إذ تتمكّن المرأة وفقها من رفع دعوى تفريق، على عكس المحاكم الشرعية التي لا تسمح للمرأة بطلب الطلاق، إلا في حالات محددة.

وتُستخدم في بعض الحالات “حجة الغضب” لإبطال الطلاق داخل المحكمة المذهبية، وفق ما أوضحه المحامي مهند بركة، وهو نتيجة لتعدد طلبات الرجوع عن حكم الطلاق النهائي الذي تقرّه المحكمة.

لكن هذه الحجة لا تُستخدم دائمًا، وفق المحامي، “بل في ظروف نادرة واستثنائية، إذ لا بد من مراجعة الزوجين المحكمة بعد مدة قصيرة من حكم الطلاق، لضمان منطقية استخدام الحجة المذكورة”.

وبمقابل سهولة حصول المرأة على حقها في الطلاق ضمن المحكمة المذهبية، تضطر في كثير من الأحيان إلى التنازل عن حقوقها خلال إتمام قضايا التفريق.

أنواع محاكم الأحوال الشخصية في سوريا

بحسب كتاب “النظام القضائي في سوريا وما يرتبط به” للمحامي إبراهيم محمد القاسم، فإن محاكم الأحوال الشخصية يرأسها قاضٍ واحد، وهي قابلة للطعن بالنقض بالنسبة إلى المحاكم الشرعية، أما الروحية فهي قابلة للاستئناف وبعدها للطعن بالنقض.

المحاكم الشرعية والروحية والمذهبية تفصل في قضايا الأحوال الشخصية، وفي القضايا العائلية والميراث للمسلمين السوريين وغير السوريين الذين تطبق بلادهم قوانين الأحوال الشخصية الإسلامية.

تتولى المحاكم الروحية النظر في قضايا الأحوال الشخصية للمسيحيين واليهود، وللجماعات الأخرى من غير المسلمين.

أما المحاكم المذهبية الخاصة بالمذهب الدرزي، فيرأسها قاضٍ مسلم درزي يتمتع بصلاحية التأكد من التزام الدروز في مجال الأحوال الشخصية بأحكام مذهبهم، ويمكن استئناف أحكام جميع المحاكم الدينية أمام المحاكم المماثلة التابعة لمحكمة النقض في دمشق.

البحث عن حلول

تعتقد المحامية سحر حويجة أن الخيار المطروح أو الذي يمكن أن يكون مقبولًا أكثر من الزواج ضمن المذهب الدرزي في المحكمة المذهبية في سوريا هو “الزواج المدني الاختياري” (نظام مزدوج للزواج)، أي بأن يُشرّع قانون يُعتمد كزواج رسمي مدني، ويكون حقًا للسوريين والسوريات.

وبالمقابل، الإبقاء على القوانين الخاصة بالأحوال الشخصية يُنظم من خلالها عقد الزواج أو الطلاق وفق مشيئة الطرفين.

والزواج المدني هو زواج لا يتم وفق أحكام وضوابط شرعية ضمن قانون الأحوال الشخصية، بل بأحكام مدنية تتعلق بقوانين الدولة المدنية.

ويعرف فقهاء القانون الزواج المدني على أنه “عقد ثنائي بين رجل وامرأة مسجلين في السجلات المدنية لدى الدولة أو من المقيمين فيها، يتم بالرضاء والقبول كسائر العقود المدنية، موضوعه الاتفاق على إقامة حياة مشتركة دائمة بين الزوجين، ويتم توثيقه وتسجيله أمام المحكمة أو الموظف المختص وفق أحكام القانون الناظم له، والتي تطبق الدستور والقانون بين الشخصين أطراف العقد، ويعتبر أساسه إلغاء الفوارق الدينية والمذهبية والعرقية بين طرفي الزواج، ويتم بقبول الزوج والزوجة وشهادة الشهود، وكاتب العقد وهو يضمن حقوق الزوجين بالمساواة في حال الطلاق”.

فكرة قانون الزواج المدني الاختياري لا تتعلق بجوهرها في مسألة خلاف الدين، بل هي جزء من فصل الدين عن الدولة، وفي أهم مظاهر هذه الفكرة، وفق ما تراه المحامية، استقلال القانون عن الدين، حيث لا تكون النصوص الدينية مصدرًا ومرجعًا لقوانين الأحوال الشخصية بالمطلق، لأن حل هذه القضية هو وفق الحرية المعطاة للطرفين بالتعبير عن قناعاتهم.

وتدعم صياغة الدستور السوري هذا الخيار، إذ كرّست المادة “33” منه الحق في حرية المعتقد للسوريين بوضوح وصراحة، بحيث يمكن للسوريين أن يؤمنوا أو لا يؤمنوا بدين محدد، كما اعترف الدستور بحرمة الحياة الخاصة التي يحميها القانون.

ولا بد للمشرّع في حال التوجه إلى إقرار الزواج المدني الاختياري من أن يطرح الموضوع لاستفتاء الشعب السوري، فهو وحده الذي يحدد ما إذا كان هذا الزواج من مصلحته أو ضدها، كي يكون هذا الإجراء ضمن الطريق الذي حدده الدستور لتعديل القوانين.

ووفق ذلك، فإن إقرار مجلس الشعب مسودة قانون منح الفرد حرية الاختيار بين الزواج المدني أو الشرعي لا يكفي لتطبيق ذلك، وفي حال رفض هذا القانون شعبيًا فإن تطبيقه لن يكون ممكنًا.


أسهم في إعداد هذه المادة مراسل عنب بلدي في مدينة السويداء مهند زين الدين.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة