المحاكمة المنسية.. هل تتربّح الدنمارك من الجرائم الدولية

ع ع ع

منصور العمري

تستمر الدنمارك بمحاكمة شركة دنماركية بتهمة خرق كبير للعقوبات الأوروبية على سوريا، من خلال بيعها وقود طائرات للروس بين عامي 2015 و2017، وتستمر الشركة في إنكار معرفتها بأن الوقود كان متوجهًا إلى سوريا، في حين تظهر تحركات الحكومة الدنماركية تقصيرًا أو تجاهلًا لخروقات الشركة للعقوبات الأوروبية.

في عام 2016، أبلغت السلطات الأمريكية الدنمارك أن شركة دنماركية مقرها ميدلفارت يمكن أن تكون ضالعة في انتهاك للعقوبات، ثم وجهت السلطات الدنماركية طلب توضيح للشركة المتهمة بهذا الانتهاك.

في عام 2018، فضحت وثائق نشرتها الولايات المتحدة تواطؤ شركة دنماركية مع شركات روسية لتزويد النظام السوري بوقود للطائرات، بعد أن نشر مكتب المدعي العام الأمريكي وثائق كشفت عن قيام شركة دنماركية بتزويد سوريا بوقود الطائرات عبر الروس في انتهاك للعقوبات الأوروبية والأمريكية.

في أيلول/ سبتمبر 2019، نفذت الشرطة الدنماركية عمليات تفتيش وتنصّت على هواتف أشخاص، من بينهم مؤسس شركة “دان بنكرنغ”، توربين أوسترغارد-نيلسن، سادس أغنى رجل في الدنمارك.

في تشرين الأول الماضي، بدأت محاكمة شركة “دان بنكرنغ” في محكمة “أودنس“، وعقدت عشر جلسات طلب الدفاع في آخرها رأي محكمة العدل الأوروبية القانوني بشأن طلب من الادعاء العام. قد يعطّل هذا الطلب المحاكمة لشهور عدة.

من الحقائق الواردة في جلسات المحاكمة:

نقلت سفن من بينها “ياز” و”مخالاتكا” وقود الطائرات من موانئ في اليونان وتركيا وقبرص ومالطا إلى بانياس السورية وميناء آخر.

من بين الشحنات التي تم تتبعها:

في كانون الأول 2015، سجل نظام تحديد الهوية الملاحي رحلة سفينة من اليونان إلى بيروت، ثم تم تغيير وجهتها إلى بيرايوس اليونانية لتعود الوجهة إلى بيروت، ثم تختفي السفينة 63 ساعة عن النظام الملاحي، وتظهر في ميناء جنوب تركيا.

رغم إبلاغ الهيئة الاقتصادية الدنماركية الحكومية شركة “دان بنكرنغ” بأن الوقود الذي تبيعه للروس من المحتمل أنه يتجه إلى سوريا، فإن الشركة استمرت في بيع الوقود.

باعت الشركة وقودًا بقيمة 648 مليون كرون دنماركي (100 مليون دولار) في 33 صفقة بين عامي 2015 و2017. تعود ضرائب هذه المبيعات إلى الدولة الدنماركية، التي يجب عليها متابعتها ومعالجة الأمر، كي تنهي الدنمارك تربّحها من جرائم الحرب في سوريا.

سافر عميل خاص من مكتب التحقيقات الفيدرالية في واشنطن إلى الدنمارك للإدلاء بشهادته في الإجراءات الجنائية حول انتهاكات العقوبات من قبل الشركة الدنماركية.

في الجلسة العاشرة، قدم مسؤولان عسكريان باللباس العسكري شهادتهما أمام المحكمة. قال ميكايل ستورم ينسين، المحلل العسكري في أكاديمية الدفاع الدنماركية، في شهادته بالمحكمة: “إن الوقود كان حاسمًا في نتيجة الحرب ونصر الأسد اللاحق على المتمردين”.

أما كارستن ماروب، رئيس مركز العمليات الجوية في أكاديمية الدفاع، فقال في شهادته: “إن مبيعات الشركات الدنماركية بلغت إجمالي 172 ألف طن. وكان سلاح الجو الروسي يستخدم كل شيء تقريبًا”.

طلب الادعاء العام الدنماركي استدعاء هانس فولكر، محامي “دان بنكرنغ”، الذي قدم الاستشارة للشركة حين أبلغتها السلطات الدنماركية بأن مبيعاتها قد تنتهك العقوبات على سوريا. اعترض محامو الدفاع بمن فيهم ياكوب راسموسن، استنادًا إلى الحق في حماية السرية بين المحامي وموكله، وطلبوا تدخل محكمة العدل الأوروبية لتقديم الرأي القانوني بهذا الشأن.

كيفية تغطية المحاكمة

قد تواجه تغطية الإعلام وخاصة السوري لهذه المحاكمة عقبات متنوعة من بينها لوجستية ومالية، لكن هذا لا يبرر عدم التغطية. رغم ذلك يجب متابعة القضية ومراقبتها من قبل حقوقيين سوريين مختصين والإعلام السوري، لإبقاء السوريين على علم بمستجدات هذه القضية. يمكن التغطية بالحد الأدنى من خلال:

1.    متابعة الصحف الدنماركية التي تغطي المحاكمة، ومن أهمها “فينس ستيفتستدنيه” المحلية في أودنس، وغيرها، وتقديم تقارير عن المحاكمة للسوريين.

2.    مراسلة المحكمة عبر موقعها الإلكتروني والإيميل المخصص للإعلام.

يمكن للإعلام التواصل مع المحكمة للاستفسارات وطلب الوثائق على الرابط:

https://www.domstol.dk/odense/kontakt/

المنظمات السورية والدولية

مراقبة المحاكمة: يجب تخصيص مراقب مستقل محايد واحد على الأقل لحضور جلسات المحكمة ومراقبة المحاكمة.

قد تكون “دان بنكرنغ” مسؤولة بشكل غير مباشر عن جرائم الحرب التي ارتكبها النظام والقوات الجوية الروسية في تلك الفترة باعتبارها مزودًا رئيسًا للوقود الذي استخدمته الطائرات في ارتكاب جرائم حرب، وثّقت بعضها “هيومن رايتس ووتش” في تقريرها: “روسيا/ سوريا: جرائم حرب خلال شهر من قصف حلب“. بدأت السلطات الدنماركية عملية قضائية لمساءلة هذه الشركة عن انتهاك عقوبات الاتحاد الأوروبي، لكنها لم تشمل توجيه تهم بالتواطؤ في ارتكاب جرائم حرب، أو التربّح من الحروب. يجب على الحكومة الدنماركية التعامل مع الأرباح التي حققتها هذه الشركة من بيعها الوقود، والضرائب التي دفعتها هذه الشركة للدنمارك، بدلًا من اتخاذ إجراءات صارمة ضد اللاجئين المستضعفين الذين أُجبروا على الفرار من هذه الجرائم.

يمكن للمنظمات السورية البحث عن ضحايا الحملة السورية- الروسية الجوية في الفترة التي زوّدت بها الشركات الدنماركية النظام عبر الروس بوقود الطائرات، لتوثيق شهاداتهم وخسائرهم بشكل قانوني، ودراسة إمكانيات الملاحقة القضائية للشركات الدنماركية نيابة عن الضحايا، بما فيها التعويض عن الخسائر المعنوية والمادية. يجب توثيق جرائم هذه الفترة وارتباطها بالوقود الدنماركي لوجود إمكانية إثبات ضلوع الشركات الدنماركية في جرائم الحرب، وبالتالي محاسبتها وتعويض الضحايا.

السوريون والحقوقيون في الدنمارك

يمكن التحرك وإظهار الاهتمام بهذه المحاكمة وتأثيرها في الحرب السورية، وأثرها على تثبيت إجرام نظام الأسد وتهجير السوريين، من خلال وقفات للاجئين السوريين ومن يناصرهم أمام المحكمة، والتنديد بتزويد الشركات الدنماركية الوقود الذي دعم ارتكاب جرائم حرب موثقة. يجب إعلام الرأي العام الدنماركي بأن شركات الدنمارك الكبرى أحد أسباب تهجير السوريين، وتوضيح دور قطاع الأعمال الدنماركي في الحرب السورية وجرائم الحرب ضد المدنيين.

حتى لو لم تدن المحكمة الشركة الدنماركية بخرق العقوبات، إلا أن الشركة في الواقع كانت المزوّد الرئيس لوقود الطائرات التي سببت تهجير السوريين، وساعدت نظام الأسد والروس في ارتكاب جرائم حرب في سوريا. لذلك يمكن بحث الخروج عن إطار تهمة خرق العقوبات الضيّق، والتوجه إلى دراسة قضية اتهام بالتربّح من جرائم الحرب والتواطؤ فيها ضد الشركة الدنماركية.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة