التجربة الكردية في وادي الفرات

ع ع ع

إبراهيم العلوش

تحولت تجربة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في وادي الفرات، من الاستعراض العسكري الذي كان يتشبه باستعراضات “داعش”، واستعراضات نظام الأسد، إلى عملية السيطرة الاقتصادية، وتفعيل رجالات الفساد، وتبادل الخبرات مع نظام الأسد.

إعلان “قسد” قبل أيام اعتزامها إصدار عملة محلية في وادي الفرات والجزيرة السورية كان محاولة للتظاهر بالقوة، وخطوة للضغط على النظام من أجل التفاوض معها وحمايتها من الهجمة التركية الوشيكة على بعض المواقع التي استولت عليها، خلال الحرب على الإرهاب التي كانت مستعرة حتى هزيمة “داعش”، أواخر عام 2017.

الانسحاب الأمريكي من أفغانستان كان حجرًا كبير الحجم سقط على معنويات “قسد” و”مسد” (مجلس سوريا الديمقراطية) وتوابعهما التي تسيطر على وادي الفرات، فبعد الهزّة الكبيرة التي تسبب بها إعلان الرئيس الأمريكي ترامب عام 2020 اعتزامه الانسحاب من سوريا، والتي قالها صراحة ودون مواربة، جاء الانسحاب من أفغانستان في الصيف الماضي واضحًا وجليًا في مقاصده، وهو يجسّد مصير المتعاونين مع القوات الأمريكية الذين تساقطوا من الطائرات واعتصموا في مطار “كابل”، فارين من البلاد التي كانوا يحكمونها بقوة السلاح وبقوة الدعم الأمريكي، وتلك التجربة كررت التجربة الفيتنامية عام 1975 بكل تفاصيلها، وأعادت مشاهد الفيتناميين المتعلقين بالطائرات بكل تفاصيلها.

المسؤولون الكرد، أمثال مظلوم عبدي وإلهام أحمد، صاروا يكررون التأكيدات الأمريكية المطمئنة لهم، بأن القوات الأمريكية لن تنسحب من سوريا، وستبقى في حماية القوات الكردية الحليفة في وادي الفرات وشرقي سوريا، ورغم ذلك التكرار فإن قلوبهم غير مطمئنة، وتصرفاتهم السياسية تدل على ذلك الخوف بمحاولاتهم المتهالكة للتفاوض مع نظام الأسد، والزيارات المتكررة إلى موسكو، والتصريحات المتبادلة مع لافروف، الذي يعرض عليهم الحماية من البعبع التركي مقابل الانضمام إلى قوات النظام وخدمته.

“قسد” تتجاهل أنصار الثورة السورية وتستخف بهم طوال الوقت، متعللة بأنها مجرد ثورة “داعشية” و”بعثية” معادية للطموح القومي للكرد في سوريا، ومعادية للأفكار الاشتراكية الشعبية التي جاء بها عبد الله أوجلان، وتشابه بشكل كبير أفكار معمر القذافي وحزب “البعث”، خاصة أن أوجلان كان حليف الأسد طوال عقود سابقة.

التجربة الكردية رغم المظالم الكبيرة التي لحقت قضيتها، أنتجت نفس القيم الاستبدادية في الأماكن التي سيطرت عليها. ففي شمالي العراق، استولت عائلتان على الإقليم الكردي الذي دفع الشباب الكردي دمه من أجل الحصول عليه، وفي مدينة السليمانية تسيطر عائلة طالباني على المال والسلطة، وفي المقابل، تسيطر عائلة البرزاني على المال والسلطة في مدينة أربيل العاصمة الثانية للإقليم، وهما لا يختلفان إلا قليلًا عن المشيخات والعائلات المالكة في الخليج العربي، وقد ضاعت عشرات المليارات من الدولارات في النهب والسلب وفي المشاريع الوهمية التي تبدو برّاقة وناجحة ولكنها بلا أساس، وبلا بنية تحتية، وبلا مشاركة شعبية تحترم إرادة الكرد في الإقليم. وما الاحتجاجات المتلاحقة والحالية في الإقليم إلا دليل على ذلك الفشل. وقد أدى كل ذلك إلى هجرة الشباب الكردي من الإقليم إلى أوروبا، وكان عدد الكرد في محنة اللاجئين الأخيرة في بيلاروسيا يقارب عدد اللاجئين السوريين معهم.

وكذلك، فإن تجربة حزب “العمال الكردستاني” المهيمن على الحركة الكردية في تركيا لا تقل فشلًا عن تلك، خاصة أن الحزب بعد خروجه من اتفاقات السلام والتهدئة بين الكرد والأتراك قد أسهم بعودة الحروب إلى القرى الكردية في شرقي تركيا، والتي يسهم فيها الكرد بكل أسف مع الطرفين، سواء في جانب حزب “العمال الكردستاني” أو في جانب قوات حماية القرى الكردية التي وصلت قواتها إلى سوريا بمرافقة القوات التركية لاحتلال مناطق في الشمال السوري، وأبرزها منطقة عفرين الكردية، وقد تدخل من جديد إلى سوريا النظام، وسط التهديد المتبادل مع الأتراك حاليًا لاحتلال منطقة عين العرب (كوباني)، التي كان لها دور كبير ومهم في هزيمة قوات “داعش”.

اضطراب الأحوال في وادي الفرات تنعكس عليه التجارب الكردية المحيطة به، وتنعكس عليه أيضًا محاولات “قسد” الاستعلاء على السكان العرب، وجعلهم مجرد تابعين ولا قيمة لهم في إصدار القرارات العسكرية والسياسية والاقتصادية في المنطقة، ما جعل التجربة في وادي الفرات لا تقل سوءًا عن التجربة “البعثية”، ولا عن التجربة “الداعشية”، من حيث تجاهل السكان وفرض القيم والأفكار عليهم سواء أفكار الأسد أو أفكار البغدادي أو أفكار أوجلان!

السيطرة الراهنة في وادي الفرات صار يهيمن عليها الجانب الاقتصادي، فالاستثمارات والتعهدات الكبيرة يسيطر عليها المقربون من “قسد”، وكذلك التبادلات التجارية مع النظام، ومنحت القوات الكردية هامشًا أكبر للسكان في الجوانب الإدارية، بشرط ألا يقترب أحد من الجوانب السياسية أو العسكرية، وهذا يعيد تجربة النظام في الهيمنة الاقتصادية والسياسية، وتجاهل تفاصيل الحياة اليومية الأخرى، لكن ما يعيد القوات إلى المواجهة هي قضية التجنيد الإجباري ومحاولة زج الشباب في حروب مع تركيا لا ناقة لهم فيها ولا جمل، عدا عن أن حمل السلاح صار مشؤومًا لدى السوريين ومن كل الأطراف، بسبب الدمار الشامل الذي تسبب به حاملو السلاح من كل الأطراف.

الاستعصاء الذي وصلت إليه التجربة الكردية في وادي الفرات صار شبه مصيري، فالرصيد المعنوي الذي اكتسبته تلك القوات من محاربة الإرهاب قارب على النفاد، والاستياء الشعبي يتصاعد بوجهها، وزحف النظام صار جليًا وحثيثًا للضغط عليها مع الضغط التركي المتصاعد، فهل تستطيع تلك التجربة الصمود أمام كل هذه الضغوط، وتبدأ بحلول منطقية مقبولة لدى سكان وادي الفرات، وتقوم بتخليصها من التحيز القومي، وتنظيفها من النهب ومن سلوك الغنيمة، والتصالح مع أنصار الثورة السورية، أم أن الأمر سينتهي، حسب الاقتراح الروسي، بإلحاق قوات “قسد” بـ”الفيلق الخامس”؟



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة