في ذكراه التاسعة.. “أبو فرات” يقظة البندقية واعتدال الكلمة

يوسف الجادر (أبو فرات)- (تعديل عنب بلدي)

ع ع ع

“والله مزعوج، لأن هي الدبابات دباباتنا، وهاد العتاد عتادنا، وهدول العناصر إخوتنا، والله العظيم كل ما أشوف إنسان مقتول منا أو منون بزعل”.

تلك بعض من الكلمات الأخيرة التي ختم بها العقيد يوسف الجادر حياته، بعد 42 عامًا، قضى أكثر من نصفها في السلك العسكري، واختار مع الأِشهر الأولى من الثورة السورية، الوقوف على الضفة الثانية منه لنصرة الثورة، ورفضًا للانخراط في صدام دموي أراده النظام بين المؤسسة العسكرية والشعب السوري.

قبل تسع سنوات كاملة، وخلال تمشيط بعض الأماكن، إثر معركة تحرير مدرسة “المشاة” في ريف حلب الشمالي، قُتل الجادر، قبل أن يشهد لذّة النصر في واحدة من المعارك التي قرّبت فصائل المعارضة حينها من إمكانية إطباق السيطرة على مدينة حلب.

واحتفظ الشارع السوري المعارض بالجادر في الذاكرة والوجدان، رجل الثورة السورية “أبو فرات” الذي ترجّل مبكرًا.

“كاريزما” القائد

بملامح سمراء ولغة قريبة من الشارع، تنادي بالمعاني والمبادئ التي أخرجت الملايين إلى الميادين، أعلن يوسف الجادر انشقاقه عن صفوف النظام السوري، في 18 من تموز 2012، وكان حينها ضابطًا برتبة مقدّم، في مرتبات الكتيبة رقم “692”، ورُقّي بعدها لرتبة عقيد من قبل “المجلس العسكري الثوري” في حلب.

وأوضح الجادر حينها الأسباب التي صوّبت مسار البندقية، ليقف في صف الناس، وقال، “لو تركلنا خيار نحنا الضباط إنو نستقيل ونقعد ببيوتنا كنا تركنا (استقلنا)، بس بشار الأسد ما تركلنا خيار، يا بدك تكون قاتل يا قاتل”.

وفي تسجيل مصوّر لـ”أبو فرات”، خلال إعلان سيطرة فصائل المعارضة على مدرسة “المشاة”، أكد الجادر أنه راقب قبل انشقاقه، ومن ثكنته، تطور الأحداث العسكرية وتصاعدها، وترويج النظام السوري وإعلامه الرسمي لإرهاب يحاربه الجيش، في إشارة إلى الفصائل العسكرية المعارضة.

كما أجهض النظام حينها كل الآمال باحتواء الموقف وتجنب التصعيد العسكري، بحسب “أبو فرات”، الذي قال، “نحن ضباط قاعدين على أسرّتنا، نتفرج ونقول يمكن يذوق (يستحي) اليوم (بشار الأسد) يمكن يذوق بكرا”.

وحين وصلت الاحتجاجات الشعبية إلى ريف اللاذقية، رفض “أبو فرات” قصف المدينة بالدبابات، وتوجه إلى منطقة جبل الأكراد، ثم إلى إدلب، والتحق بصفوف “الجيش السوري الحر” حينها، وشارك في معارك “تحرير مدينة الباب” أيضًا.

حضور لا يُقاس بالزمن

تتلخص الفترة بين دخول “أبو فرات” ساحة المعركة ضد النظام ومقتله، بنحو خمسة أشهر فقط، حقق خلالها العقيد القادم من صفوف المؤسسة العسكرية حضورًا بارزًا، ليس بالمواقف الأخلاقية والقيم الثورية النبيلة التي نادى بها وتبنّاها فقط، بل وفي ميادين المعارك التي تولى قيادتها، وشارك بها على الصفوف الأولى إلى جانب مقاتليه.

وشارك “أبو فرات” في العديد من المعارك، بمدينة الباب، وحي الصاخور، وشارع صلاح الدين، وسيف الدولة، في مدينة حلب.

كما كان “أبو فرات” العقل المدبّر ورأس الحربة في عملية “ثوار الخنادق” التي قادها وتوّجها بـ”تحرير مدرسة المشاة” العسكرية، التي كانت حينها منطلقًا لقذائف المدفعية التي دكّت بلدات ومدن ريف حلب الشمالي.

واستطاعت فصائل “الجيش السوري الحر” حينها، فرض حصار استمر ثلاثة أسابيع على المدرسة الواقعة على بعد 20 كيلومترًا من مركز مدينة حلب، كبرى مدن الشمال السوري.

وبعد الأسابيع الثلاثة، استطاعت فصائل المعارضة السيطرة على أجزاء واسعة من المدرسة، لتكون تلك المعركة آخر المعارك التي خاضها “أبو فرات”، وقُتل خلالها، مقدمًا للثورة مدرسة “المشاة” كهدية قبل الوداع الأخير.

معلّم بلا مدرسة

درس يوسف أحمد الجادر المرحلة الابتدائية من تعليمه في مدينته جرابلس، وحصل على شهادة الثانوية العامة بفرعها العلمي عام 1988، قبل أن يلتحق في العام التالي بمعهد إعداد المعلمين في مدينة منبج.

ورغم نجاحه في السنة الأولى، ترك “أبو فرات” معهد إعداد المعلمين، ليلتحق بالكلية الحربية في مدينة حمص، عام 1990.

عنب بلدي تواصلت مع أحمد الجادر، ابن العقيد يوسف الجادر، الذي ألقى الضوء على الصفات الشخصية لوالده في المنزل، بعيدًا عن الزي العسكري.

أحمد أكد أن والده “أبو فرات” كان محبًا للهدوء وقارئًا للكتب التاريخية، خلافًا للصورة النمطية التي يتصوّرها الناس عن القائد العسكري.

وحول أسلوب تعامل والده مع الناس وقربه منهم، يرى أحمد أن محبة الناس لأبيه نابعة من حبهم للبلد وتعطّشهم للحرية، فربما يشكّل “أبو فرات” جانبًا منتظَرًا ومكمّلًا من الثورة، “فكل من يسعى لنيل الحرية يُكنّ المحبة لـ(أبو فرات)”.

وشدّد أحمد على بعد والده عن التفكير بالمكاسب السلطوية والمادية، وإيمانه بوحدة الأراضي السورية، وحزنه على الحالة التي وصلت إليها البلاد، والدماء التي سُفكت دفاعًا عن نظام “مجرم”، بحسب تعبيره.

دعوة مفتوحة

جدّد “أبو فرات” في أكثر من ظهور مصوّر خلال قيادته لأركان “لواء التوحيد” دعوته العناصر إلى الانشقاق عن قوات النظام السوري، كما دعا في تسجيل مصوّر من إحدى الجبهات، الضباط المنشقين المقيمين في المخيمات السورية على الحدود التركية إلى الالتحاق بصفوف المعركة وخنادقها.

وسعى الجادر لإضعاف قوة النظام ليس بقوة السلاح فقط، بل بدعوة جنود قوات النظام إلى الانشقاق، وتأمين انشقاقهم، في سبيل حقن أكبر قدر ممكن من الدم قبل خوض أي معركة.

الخطاب الوطني الجامع، وغياب النفس الطائفي التحريضي، والدعوة للوحدة الوطنية ونبذ التفرقة باعتبار أن مختلف شرائح الشعب ضحايا بطش النظام، إلى جانب العقلانية الثورية التي بدت واضحة في حديثه الذي رافقته الابتسامة، كلّها صفات قرّبت الجادر من الشارع، واحتفظت بصلابته العسكرية على الجبهات وفي ساحات المعارك، لتغيب تلك الصلابة عن حديثه إلى الناس الذين خلع تاريخه العسكري من أجلهم.

رحيل ذو بصمة

عبّر القائد السابق لـ”لواء التوحيد”، عبد القادر الصالح، عن حزنه لرحيل “أبو فرات”، قائد أركان “اللواء”، وقائد آخر المعارك التي خاضها وانتصر بها، مشددًا على مواصلة الطريق الذي سلكه “أبو فرات”.

كما أطلق “لواء التوحيد” اسم يوسف الجادر على مدرسة “المشاة”، قبل أن يستعيد النظام السيطرة عليها في عام 2016.

وقال عبد القادر الصالح حينها، إن الجادر هو الوحيد الذي وافق المجلس الانتقالي والمجلس العسكري على ترفيعه مع قادة اللواء.

وكانت فعاليات ثورية في مدينته جرابلس، أطلقت اسم الجادر على إحدى ساحات المدينة الرئيسة.

رئيس مركز “رصد للدراسات الاستراتيجية”، الدكتور عبد الله الأسعد، وفي حديث إلى عنب بلدي، أكد أن رحيل “أبو فرات” ترك في نفوس العسكريين الذين رافقوه في العمل العسكري أثرًا، لا يقل عن ذلك الذي تركه في القيادة والمنظومة العسكرية للثورة، مشيرًا إلى غياب الرموز الثورية حاليًا، مقارنة بسنوات الثورة الأولى، وقدرة ذلك على جمع الجنود تحت إمرة قائد واحد يشكّل حالة رمزية متفقًا عليها.

وحمل الشارع السوري المعارض اسم “أبو فرات” إلى الميادين والساحات التي نادوا فيها بإسقاط النظام، إلى جانب كل القيم التي قاتل “أبو فرات” لتحقيقها، وظلّت هاجسًا للسوريين بعد رحيله.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة