عاجزون عن العودة

ضباط النظام السوري يبيعون عقاراتهم في مناطق “الإدارة” بحلب

شارع بجانب محطة بغداد في مدينة حلب - 18 تموز 2021 ( عنب بلدي / صابر الحلبي )

شارع بجانب محطة بغداد في مدينة حلب - 18 تموز 2021 ( عنب بلدي / صابر الحلبي )

ع ع ع

عنب بلدي – حلب

“قبل تسع سنوات خرجتُ من هذا الحي رغم أنني أسكن فيه منذ عام 1995، لكن عندما خرجت المنطقة عن السيطرة، خفنا من خطف عائلاتنا، ومنذ 2013 حتى اليوم ما حسنت (استطعت) أدخل (إلى المنطقة) لأنني ضمن سلك الدولة”.

هذا ما قاله ضابط برتبة عقيد في حلب (54 عامًا)، لعنب بلدي، وهو يبحث منذ أيلول الماضي عمن يشتري بيته في حي الشيخ مقصود الخاضع لسيطرة “الإدارة الذاتية”، وذلك بسبب عدم استطاعته الوصول إليه أو الدخول إلى المنطقة، أو حتى الاستفادة منه عن طريق تأجيره.

وتابع العقيد (الذي تحفّظ على نشر اسمه لأسباب أمنية)، “أفضل من أن يظل البيت مهجورًا، وما لنا من قدرة على العودة إليه، قررنا بيعه بسعر متدنٍّ جدًا، طبعًا تعرضنا لاستغلال. الأكيد سنستفيد من ثمن البيت بمشروع له مردود مالي مناسب لتأمين مصروف للعائلة”.

تسيطر “الإدارة الذاتية” على أجزاء من محافظة حلب منذ سبع سنوات، وتتركز معظم منازل الضباط التابعين لقوات النظام السوري في هذه الأجزاء داخل حيي الشيخ مقصود والأشرفية، وخلال الأعوام الماضية، نُفّذت عمليات بيع لعدة منازل بأقل من سعرها، بسبب اضطرار هؤلاء الضباط للانتقال إلى أحياء أخرى ضمن مدينة حلب، وانتقال آخرين للسكن في محافظات سورية أخرى.

أسعار منخفضة

خلال عمله في البحث عن المنازل المعروضة للبيع، يركّز صاحب المكتب العقاري بسام (51 عامًا)، على المنازل التي تُعرض للبيع في عدد من أحياء حلب الخاضعة لسيطرة “الإدارة”، لأن “سعرها مقبول ويمكن تخفيضه بسبب اضطرار أصحاب تلك البيوت لإجراء عملية البيع، لأنهم لم يعودوا إليها منذ عام 2013، بعد خروجهم منها”، بحسب ما قاله بسام، الذي تحفظت عنب عن ذكر اسمه الكامل لأسباب أمنية.

في بداية الثورة السورية عام 2011، لجأ العديد من الضباط القاطنين في مدينة حلب إلى المغادرة بعد دخول فصائل المعارضة السورية المسلحة إلى أحياء المدينة، واستطاع بعض الضباط أن يبيعوا منازلهم خلال العامين 2014 و2015، ولكن بأسعار منخفضة للغاية، حيث وصل سعر أعلى منزل، مكوّن من أربع غرف ومنافع، إلى حوالي ستة ملايين ليرة سورية حينها، بينما بيعت منازل أخرى في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بمبلغ ثلاثة ملايين ليرة، وفق ما قاله صاحب المكتب العقاري لعنب بلدي.

في الوقت الحالي، “هناك منازل لضباط معروضة للبيع، ولكن لا أحد يقوم بشرائها على عكس منازل المدنيين التي تباع بأسعار مرتفعة، بسبب تخوف البعض من التعامل مع الضباط، ويقوم تجار العقارات باستغلال رغبة الضباط ببيع منازلهم في مناطق (الإدارة)، ولا يدفعون سعرًا مقبولًا”.

ويتأثر ثمن المنزل المعروض للبيع داخل مناطق “الإدارة”، بشخصية صاحب البيت، إذ يصل سعر المنزل في حي الأشرفية على سبيل المثال في هذه الفترة إلى 70 مليون ليرة (حوالي 20 ألف دولار)، وفق ما قاله صاحب المكتب العقاري، في حال كان صاحب المنزل مدنيًا، ونفس حجم المنزل في الحي نفسه يُباع بسعر 20 مليون ليرة (خمسة آلاف دولار) فقط لأن مالك المنزل يكون من ضباط النظام.

وفي الفترة الحالية، هناك توجّه لشراء منازل الضباط لأن بعضهم يبيعونها بسعر منخفض جدًا، لأنهم لن يعودوا إلى هذه المناطق، وفق صاحب المكتب العقاري.

وعلى الرغم من أن حركة البيع والشراء للعقارات متراجعة في عموم محافظة حلب، بحسب ما قاله صاحب المكتب العقاري، فإن بعض تجار العقارات يبحثون عن المنازل التي يريد أصحابها بيعها بداعي السفر أو الانتقال إلى محافظات أخرى أو إلى مناطق أخرى داخل مدينة حلب، وغالبًا ما يكون أحد تلك المنازل تعود ملكيته لضابط في قوات النظام.

وبحسب تقرير معهد “الأمم المتحدة للبحث والتدريب” الصادر عام 2019، شهدت محافظة حلب أكبر نسبة دمار في سوريا، حيث يوجد 4773 مبنى مدمرًا كليًا، و14680 مبنى مدمرًا بشكل بالغ، و16269 مبنى مدمرًا بشكل جزئي، ليبلغ مجموع المباني المتضررة 35722.

وتوزع الدمار في محافظة حلب على مختلف المدن والقرى التابعة لها، بحسب التقرير، إذ يوجد في مدينة عفرين في ريف حلب الشمالي 67 مبنى مدمرًا كليًا، و26 مبنى لحق بها دمار بالغ، و103 دُمرت بشكل جزئي، ليكون مجموع المباني المتضررة 196.

في حين بلغ عدد المباني المدمرة كليًا في مدينة منبج شمال شرقي حلب 284 مبنى مدمرًا كليًا، و412 مبنى مدمرًا بشكل بالغ، و502 مبنى مدمرًا بشكل جزئي، ليكون مجموع المباني المتضررة 1198.

ولا يستطيع ضباط قوات النظام السوري الدخول إلى مناطق سيطرة “الإدارة الذاتية” في حلب، حتى تاريخ إعداد هذا التقرير، وبناء على ذلك، تتم عملية البيع في مناطق سيطرة النظام، وفق ما قاله صاحب المكتب العقاري، ويتم توثيق عملية نقل ملكية العقار في “أمانة السجل العقاري بحلب” الخاضعة لسيطرة “الإدارة”، وعبر عقد البيع والشراء يستطيع المشتري الجديد الدخول إلى المنزل والسكن فيه.

سماح بنقل الملكية بعد منعه

واجه أصحاب العقارات عدة صعوبات خلال رغبتهم في نقل ملكية عقاراتهم الموجودة في حيي الشيخ مقصود والأشرفية إلى المشترين الجدد، وذلك بسبب منع “الإدارة الذاتية” عمليات البيع والشراء، جراء حوادث النصب والاحتيال التي حدثت، أو تصرف الوكيل بالبيع دون علم الموكّل.

كما لم تكن تقبل “الإدارة” بالموافقة على الوكالات المتعلقة بالبيع العقاري، حتى أيلول الماضي، حيث سمحت بعد ذلك التاريخ لمن يريد بيع منزله أو شراء عقار جديد بإصدار وكالة خاصة بذلك، بشرط أن يكون من سكان الأحياء الخاضعة لسيطرة “الإدارة الذاتية” بحلب.

وتزايد الطلب على شراء المنازل في مناطق “الإدارة” حسبما قال فرهاد (54 عامًا)، وهو صاحب مكتب عقاري في حي الشيخ مقصود.

وأضاف فرهاد، الذي تتحفظ عنب بلدي عن ذكر اسمه الكامل لأسباب أمنية، “يقوم الضباط بالتواصل معنا من أجل عرض منازلهم للبيع أو يأتي أحد أقاربهم لتسليمنا المنزل من أجل ذلك، وبشكل دائم تكون الأسعار المدفوعة مقابل نقل الملكية قليلة مقارنة بالمنازل التي يطلب أصحابها سعرًا محددًا، ولا يقبلون بأقل منه”.

ولكن أصحاب المنازل من الضباط في مناطق سيطرة “الإدارة”، “صاروا يقبلون بأي سعر يأتيهم لشراء منازلهم، ليس جميعهم لكن الأغلبية، حتى وإن كان السعر منخفضًا، لأنهم يرون بأن تشغيل أموالهم أو شراء منزل آخر أفضل من بقاء منازلهم غير مسكونة، وحتى لا يستطيعون الدخول للسكن فيها، بالإضافة إلى أن بيع المنزل أفضل من أن يكون فارغًا، فالبيت الفارغ تكون احتمالات الاستيلاء عليه من قبل أي شخص أعلى”، وفق ما قاله صاحب المكتب العقاري فرهاد.

وتلجأ “الإدارة الذاتية”، ضمن مناطق سيطرتها في حلب، لإعطاء المنازل للمدنيين الذين وصلوا من الأحياء الشرقية للمدينة، ولا تفرض عليهم أجورًا مقابل الحصول على سكن مؤقت ريثما يعود صاحب المنزل.

وبحسب ما قاله عضو في “لجنة الإسكان” بمناطق سيطرة “الإدارة” بحلب لعنب بلدي، هناك “مئات المنازل غير المسكونة في المنطقة، وخلال نزوح الأهالي من الأحياء الشرقية قدّمنا لهم هذه المنازل من أجل تأمين مسكن مؤقت مناسب لهم”.

وبعض هذه المنازل “تكون لضباط، ولا نقوم بإخراج الناس منها إلا في حال حضور صاحبها”، وفق ما قاله عضو “لجنة الإسكان”، الذي تحفظ على ذكر اسمه لأسباب أمنية.

وأضاف، إذا نُفّذت عمليات نقل الملكية فـ”يحق للمشتري الجديد أن يأخذ المنزل بشرط أن يتم إبرام العقد لدينا، وهناك منازل للضباط ما زالت مغلقة ولم يتم المساس بها حتى تاريخ اليوم، ويأتي أقارب يقومون بالاطمئنان عليها ويتفقدونها، وليست لدينا إشكالية إن بقيت مغلقة أو بيعت، وإن جاءت عائلات ترغب بالسكن فسوف نقوم بتسليم البيوت لتلك العائلات”.

وأسست “الإدارة الذاتية” مجالس وإدارات في حيي الشيخ مقصود والأشرفية شمالي مدينة حلب، وذلك من أجل تنظيم العقود المدينة للسكان، مثل معاملات نقل الملكية والزواج والطلاق وتسجيل المواليد الجدد، إذ يقطنهما عدد كبير من المدنيين، ومعظمهم من السكان الذين نزحوا من الأحياء الشرقية لمدينة حلب التي تعرضت للقصف والدمار من قبل قوات النظام.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة