"شكسبير سوريا"..

ممدوح عدوان.. حياة كاملة في محاولة ترويض الإنسان

الكاتب السوري الراحل ممدوح عدوان (elfann)

ع ع ع

“هذا الوحش الذي صار قابعًا في الأعماق مشكلة أساسية من المشكلات التي حاول رجال الفكر والأدب معالجتها، والتي حاولت الأديان ترويضها بالدعوة إلى التسامح والمحبة والإخاء”، بهذه الكلمات تحدث الكاتب السوري ممدوح عدوان عن الوحش الكامن بداخل الإنسان، والذي أظهر العديد من محاولات ترويضه من خلال الأدب حتى تاريخ وفاته في 19 من كانون الأول 2004.

شكّل الأدب الجزء الأكبر من حياة الكاتب السوري ممدوح عدوان، التي امتدت لـ63 عامًا، ألّف خلالها 84 عملًا إلى جانب عمله في مجال الصحافة.

مرآة الواقع العربي

ممدوح عدوان الذي كان مرآة للواقع العربي، ركّز في أعماله على القمع الذي يتعرض له الإنسان العربي، والقيود التي سرقت منه كثيرًا من تفاصيل الحياة الحقيقية.

عنوَن عدوان أدبه بقول “لا” في وجه الاستبداد والقمع، وتمرّد على الواقع في محاولة ليمنح الإنسان دافعًا لينظر بعيني الجلاد ويصرخ رافضًا سياسة “عينك بالأرض” التي تفرضها الأنظمة الاستبدادية.

ومن خلال كتابه “حيونة الإنسان” الذي أحدث ضجة كبيرة باعتبار اسمه يحمل شيئًا من “الإهانة” للإنسان، صوّر الكاتب الاستبداد على أنه وسيلة لتشويه الإنسانية، مؤكدًا أن للحيوانات أفضلية على “الإنسان المتحيون” القادر على ممارسة القمع دون أن يوقظ ألم الآخر شيئًا من إنسانيته.

“نحن لا نزال نبحث عن حيوانات تصلح للتشبيه: قوي كالثور أو كالحصان، غادر كالذئب، ماكر كالثعلب، أمين كالكلب، أليف كالهرة (…) ولكن ظل الحيوان الآخر آكل اللحوم المتلذذ بالتعذيب والقتل والتقتيل والتمثيل بالجثث من دون اسم”

كما حاول عدوان أن ينقل صورة عن الضحية والجلاد بداخل كلٍّ منا، وكيف من الممكن أن تصنع الأنظمة المستبدة من الضحايا جلّادين جددًا حين يكونون في موضع سلطة حتى وإن انحصرت حدود سلطتهم بشخص واحد.

ولم يكتفِ ممدوح بالحديث عن الأنظمة المستبدة وآثارها على المجتمع العربي، إذ سلّط الضوء على ثقافة المجتمع نفسه، وانتقد الأفكار التي قيّدت إنسانيته، وشوّهت مشاعره، وسلبت اللحظات المميزة من عمره.

وتجسّدت رغبة عدوان بإيقاظ الإنسان العربي، وإعادته للحياة خارج النمطية التي فرضها المجتمع في كتابيه “دفاعًا عن الجنون” و”جنون آخر”، إذ حمل الكتابان رسالة ترفض أن يكون المجتمع شريكًا في جريمة الأنظمة المستبدة، من خلال تحويل الإنسان إلى كائن فارغ وخاوٍ من كل الأفكار والمشاعر التي من المحتمل أن يرفضها المجتمع.

في حياتنا شيء يجنن. وحين لا يجن أحد فهذا يعني أن أحاسيسنا متلبدة، وأن فجائعنا لا تهزنا، فالجنون عند بعض منا دلالة صحية على شعب معافى لا يتحمل إهانة، ودلالة على أن الأصحاء لم يحتفظوا بعقولهم لأنهم لا يحسون، بل احتفظوا بعقولهم لأنهم يعملون، أو لأنهم سوف يعملون، على غسل الإهانة.”

إنسان بلا حدود

تشهد أعمال عدوان على أنه إنسان بلا حدود في الأدب والإبداع، وهذا السر الذي جعل أعماله تلامس الإنسان بداخل قرّائه وكل من شاهد أعماله المنوعة، وتركت العديد من أفكاره وعباراته والحوارات في مسلسلاته أثرًا كبيرًا حتى صار الناس يستشهدون بها ويكررونها في جلساتهم.

ومن أبرز أعماله التي دخلت البيوت والقلوب، وحمل اسمها صورة للعائلة أمام التلفاز مترقبة مشاهدة قطعة فنية متكاملة، مسلسل “الزير سالم”، المسلسل الذي استطاع فيه عدوان الهرب من تعقيد اللغة التاريخية، ونقله من العصر الجاهلي بلغة بسيطة أحبها الكبار والصغار.

“الزير سالم” الذي شكّل فارقًا حقيقيًا في حياة ممدوح عدوان وفي الدراما السورية، دفع الفنان السوري الراحل خالد تاجا ليطلق على الكاتب عدوان لقب “شكسبير سوريا”.

وعلى صعيد المسرح، احتلت أعمال عدوان جزءًا كبيرًا من ذاكرة محبيه، ومن خشبات المسارح التي لم تنسَ عدوان، وما زالت تنقل مسرحياته حتى بعد مضي نحو 17 عامًا على غيابه.

ومن أبرز مسرحياته “حال الدنيا”، التي حملت قصة واقعية بطابع درامي استطاع أن ينقل الصراع الذي يعيشه الإنسان بشكل يومي بين الخير والشر.

ولأن ممدوح إنسان بلا حدود، جمع موهبته بدراسته الجامعية لتخصص الأدب الإنجليزي ليُقدم عشرات الأعمال المترجمة بلغة تحمل أسلوبه الفذ، وهويته التي لم تتغير حتى في أعماله المترجمة.

الأدب الغزير

نقلت السيرة الذاتية لحياة الكاتب التي قدّمت للإنسان العربي أعمالًا في مختلف مجالات الأدب، من بينها 26 مسرحية و22 مجموعة شعرية وروايتان وثمانية كتب متنوعة و26 كتابًا مترجمًا، معنى الأدب الغزير الذي قاوم كل العقبات في حياة عدوان، بما فيها آثار إصابته بسرطان الدماغ الذي جعله عرضة لكثرة النسيان، وأدى إلى وفاته عام 2004.

يقول عدوان في إحدى مقابلاته الأخيرة، “أنا سريع بالكلام، سريع بالحب، سريع بالنسيان، وسريع بالكتابة”، بهذه الكلمات برر غزارة أعماله الأدبية.

كما بلغ فرط تأثره بتفاصيل وشخصيات القصة التي يكتبها أن تظهر في أحلامه لتكمل تشكيل القصة التي لم تكن قد اكتملت في رأسه بعد، وهذا عامل إضافي يفسّر عدد أعماله الضخم مقارنة بعمره.

جرأة عدوان في مواجهة الاستبداد

لم يتوقف الكاتب عند محاربة الأنظمة المستبدة من خلال الأدب، وواصل دفاعه عن الإنسان السوري في موقف سياسي واضح رفض فيه النظام “الطائفي” و”المستبد” في سوريا.

وفي مؤتمر جمع الأدباء والصحفيين السوريين مع عدد من المسؤولين في حزب “البعث”، قال عدوان مهاجمًا السلطات السورية، “والسلطات التي تكذب هي سلطات تخاف الشعب، تخاف أن يراها على حقيقتها، لذلك يقمعون رأي الشعب، يقمعون حتى سؤاله”.

ورفض عدوان أن يكون شريكًا في استمرارية “الإعلام الكاذب” أو أن يخضع لوهم الجرأة، إذ أكمل كلمته قائلًا، “كلنا تحدثنا عن مسائل تبدو جريئة، هناك مسائل كلنا تجنبناها”، لينتقد بعدها السلطة الطائفية وأذرعها التي لم يجرؤ أحد على انتقادها حينها.

ولد ممدوح عدوان في قرية قيرون التابعة لريف محافظة حماة الغربي، في 23 من تشرين الثاني عام 1941، وتزوج إلهام عبد اللطيف وأنجب منها ولديه زياد ومروان.

ورغم غياب زياد ومروان عن الساحة الإعلامية والسياسية، تناقلت بعض وسائل الإعلام أنباء عن اعتقال أحدهما إثر مشاركته في الاحتجاجات بدرعا.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة