ع ع ع

عنب بلدي – صالح ملص | هاديا منصور

اعتاد الطفل خالد، ذو الثمانية أعوام، أن يجوب شوارع مدينة الدانا شمالي إدلب، يتبع المارة أينما ذهبوا، علّه يفلح بالحصول على مساعدة من أحدهم، سواء كانت مالية أو غيرها من العطايا، ليعود إلى والدته مع إخوته الخمسة حاملين معهم ما جمعوه من الطرق والحارات وعند أبواب المحال.

بعد وفاة والده منذ ثلاثة أعوام، يعيش خالد مع أمه وإخوته في مخيمات مدينة الدانا وسط ظروف معيشية قاسية، لا يجدون متطلباتهم المعيشية الأساسية، ولا حلًا لهذه المشكلة المستمرة.

دفع انتشار الفقر في مدينة إدلب (شمال غربي سوريا)، بكثير من الأطفال إلى شوارع المدن والبلدات لامتهان التسول أو بيع البسكويت وعلب المناديل الورقية، في ظل انعدام المعيل وغياب الدعم الإغاثي لتأمين مصروف طعامهم اليومي، على أقل تقدير.

غلاء يدفع للتسول

تأمين معيشة العائلة لم يكن سهلًا على والدة خالد، صبرية (45 عامًا)، التي لجأت للعمل في تنظيف سلالم المباني وواجهاتها، مقابل أجرة 40 ليرة تركية تتقاضاها أسبوعيًا، وهي لا تكاد تكفي لتأمين المواد الغذائية الأساسية.

“غلاء الأسعار والنزوح والفقر دفع بي للبحث عن أي عمل بعد وفاة زوجي، لذا ترتّب عليّ العمل والاعتماد على أبنائي أيضًا”، قالت صبرية، التي تحفظت عنب بلدي على ذكر اسمها الكامل لأسباب اجتماعية، وهي تعمل في تنظيف بناء واحد بالوقت الحالي، وتبحث عن بناء آخر تتفق مع سكانه على العمل بشكل شهري لتنظيفه.

تتكرر مشاهد رؤية الأطفال المتسولين على جوانب الطرقات وفي الأسواق وعلى أبواب المطاعم وعيادات الأطباء والمحال التجارية وعلى أبواب المساجد، ويتعرض كثير من هؤلاء الأطفال لمضايقات وطرد في أثناء رحلتهم اليومية التي قلما يجدون من يساعدهم فيها.

ترك المدرسة ليطعم العائلة

يسعى الطفل إيهاب (تسعة أعوام) لبيع المناديل الورقية وعلب البسكويت مقابل الحصول على المال، فيجوب شوارع مدينة سرمدا شمالي إدلب، يطرق زجاج السيارات طالبًا من أصحابها الشراء، ملحًا في استجداء عطفهم ليشتروا منه القطعة، وأحيانًا لا يستجيبون له، وإنما يبعدونه عن طريقهم.

يحصل إيهاب على علب المناديل الورقية والبسكويت من أحد البائعين الذي يتعامل معه، فيعطيه البضائع ليحضر له ثمنها بعد بيعها نهاية اليوم، محتفظًا ببعض الأرباح، ليعود بها إلى مخيمات سرمدا العشوائية، حيث يعيش مع إخوته ووالده المريض.

لم يخفِ الطفل إيهاب رغبته بالعودة إلى مقاعد الدراسة، في أثناء تحدثه إلى عنب بلدي، ولكنه يرى أن الأمر لم يعد ممكنًا في ظل ما تواجهه عائلته من فقر، على حد تعبيره.

وبحسب تقرير لمبادرة “REACH” صدر في تشرين الأول الماضي، فإن 92% من العائلات في مناطق الشمال الغربي لسوريا أبلغت عن عدم كفاية الدخل لتأمين المواد الأساسية، كما أن 94% من العائلات في تلك المناطق تواجه خطر انعدام الأمن الغذائي، في الوقت الذي تواجه فيه تلك العائلات عوائق في الوصول إلى المساعدات الإنسانية.

وبينما يعتمد خمسة ملايين فرد في سوريا عمومًا على المساعدات الإنسانية شهريًا، تواجه المنظمات الدولية المختصة بالإغاثة تراجعًا في تمويل عملها، إذ إن برنامج الأغذية العالمي (WFP) في سوريا مموّل بنسبة 31% فقط، ويحتاج بشكل عاجل إلى حوالي 480 مليون دولار للأشهر الستة المقبلة.

بعضه فقر وبعضه مهنة

تعد مشكلة التسول بين الأطفال من المشكلات المتفاقمة في عدة مدن بمحافظة إدلب ومناطق الشمال السوري، وتشكّل ظاهرة اجتماعية من خلال انتشارها الواسع لأسباب، أبرزها الفقر والنزوح والترمل بالنسبة إلى المرأة، ويساعد في انتشار الظاهرة ضعف الرادع القانوني.

والتسول يعني الكسب غير المشروع، وهو إحدى المشكلات الاجتماعية التي نتجت بسبب مظاهر الحرمان، وتعاني العديد من مناطق مدينة إدلب من انتشار ظاهرة التسول، وزيادة نسبة الأطفال من أبناء العائلات الفقيرة الموجودين في الشوارع.

هؤلاء الأطفال يتبعون عدة أساليب في ممارسة التسول، وفق ما قاله الباحث الاجتماعي ياسر أبو الخير، المقيم في مدينة إدلب، فقد تحوّل التسول في أغلب الأحيان إلى وسيلة لتحقيق فائض مادي، أي إلى مهنة، فلم يعد يكتفي المتسول بتغطية احتياجاته الأساسية فقط، بل يلجأ إلى توفير المزيد من الموارد المالية، باستخدام أساليب ملتوية غير أخلاقية في بعض الأحيان.

وفي حالة تسول الأطفال، يكون هذا العمل ضمن التسول الإجباري، وفق الباحث الاجتماعي، وهو اضطراري لعدم قدرتهم على تحديد مصيرهم بأنفسهم.

وأضاف الباحث أن “إضاعة حياة الطفل ومستقبله متسولًا في الشوارع منصرفًا عن دراسته ومستقبله يؤثر سلبًا على حياته النفسية والاجتماعية، ويجعله يقبل أي كلام سيئ وأي شتائم وإهانات توجّه إليه مقابل الحصول على المال، ما يفقده الشعور بقيمته وذاته وكرامته، ويسهم في إضعاف شخصيته”.

ويتحدث الباحث أبو الخير عن دوافع الأطفال للتسول في الشوارع، وأهمها عدم القدرة على الوصول إلى الحد الأدنى من الاحتياجات المادية، مثل الطعام والسكن والملبس والصحة، فالتسول مهما كانت أساليبه لا ينفصل عن الفقر ما داما يشتركان في صفة العوز المادي، لكنه ينوّه إلى “ضرورة محاربة الظاهرة التي صارت تنتشر كالنار في الهشيم”، مهددة مستقبل الأطفال المعرضين للانحراف الأخلاقي، والتشرد، والخطر، والاستغلال لصغر سنهم وقلة وعيهم.

العشوائيات والتفكك الاجتماعي

كما أن العائلة القليلة الدخل والكبيرة الحجم من أكثر العائلات عرضة لظاهرة التسول بين أطفالها، فهي مع قلة دخلها لا تستطيع تلبية مختلف حاجات العائلة، خصوصًا فيما يتعلق بالسكن بالدرجة الأولى، ولذلك فإن أغلب الأطفال المتسولين هم من سكان مناطق السكن العشوائي.

وبحسب الباحث الاجتماعي، فإن التفكك العائلي يسهم أيضًا في انتشار ظاهرة التسول بين الأطفال، إذ إن ذلك من أهم مؤشرات هذه المشكلة، فخلال تصدّع البنية الاجتماعية، نتيجة النزاع المسلح، والنزوح، يأخذ الأطفال النصيب الأكبر من التعرض للتشرد بعد عدم مقدرة العائلة على تأمين معيشتهم، فـ”نجد أن أغلب الأطفال الذين يواجهون مشكلة التسول يعانون من الإهمال من قبل عائلاتهم”.

والمسؤول عن ظاهرة التسول بين الأطفال في مدينة إدلب، من وجهة نظر الباحث الاجتماعي، هو العائلة بالمستوى الأول، ومنظمات المجتمع المدني، والمجالس المحلية، والمؤسسات التعليمية، من خلال الفعاليات المدنية من أجل الحد من هذه الظاهرة عن طريق الوقوف على أوضاع هؤلاء الأطفال وطبيعة حاجتهم التي دفعتهم للقيام بهذا العمل، والتوصل إلى أهاليهم، وتأمين فرص عمل لعوائلهم، إن أمكن، عبر مشاريع صغيرة أو كفالة الأيتام أو تدريبات بسيطة، لتطوير مهارات الأمهات، وتوفير فرص عمل لهن.

والتسول ظاهرة تخلّفها ظروف اجتماعية، فهو مشكلة خارجة من رحم الفقر كأحد مسبباته الرئيسة، إلا أن الفرق يكون واضحًا بين الفقر كحالة يتعرّض الفرد إليها فيلجأ إلى التسول، وسط انخفاض مستوى المعيشة بسبب العجز المادي، وبين التسول كي يستفيد الفرد من استغلال الفقر، كمهنة قد يكسب منها المال بشكل منتظم، ويدفع أطفاله إليها لتكون مع مرور الوقت حالة مرغوبًا بها، دون ضوابط، بحيث لا يفكر الفرد مع مرور الوقت في التخلص منها.

أساليب المعالجة

ولمعالجة هذه المشكلة، يجب أن يتم تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني في الدعم المادي والمعنوي للاهتمام بهذه المشكلة، التي وصفها مدير فريق “ملهم التطوعي” في إدلب، عبد الله السويد، بـ”المأساوية”.

وقال السويد في حديث إلى عنب بلدي، إن فرقهم “تنبهت للأمر وعملت على الحد منه، عن طريق تقديم كفالات لعشرات الأطفال المتسولين الذين أُعيدوا إلى مقاعد الدراسة مجددًا”، كما “كثّفت من جلسات الدعم النفسي والاجتماعي، التي تبيّن للأهالي والأطفال معًا مساوئ الظاهرة، وأهمية التعليم في حياتهم وحياة مجتمعهم الذي سيكونون هم بناته في المستقبل”.

ونوّه السويد إلى أن حجم الظاهرة الكبير في مدينة إدلب يدعو إلى تكثيف الجهود من قبل جميع الفعاليات المدنية في المنطقة، غير أن أغلب منظمات المجتمع المدني لا تعمل على الموضوع بشكل فعلي، جراء “قلة الدعم والاهتمام بمشاريع أكثر أهمية من وجهة نظرهم”.

كما حاولت منظمة “بنفسج” إعادة الأطفال المتسولين إلى حياتهم الطبيعية والمدرسية، عبر تقديم “جلسات التوعية وأنشطة ترفيهية، وتغطية جميع تكاليف ومستلزمات التعليم للأطفال، إضافة إلى تأمين مواد النظافة والمياه والتدفئة لضمان إعادة الأطفال إلى بيئة آمنة ومستقرة”، وفق ما قاله مدير مشروع التعليم في المنظمة، فؤاد عنكير، في حديث إلى عنب بلدي.

وكثرة المتسولين في المنطقة دفعت الناس للعزوف عن إعطاء الأموال لأحد منهم، بحجة عدم حاجتهم إلى المال أو لمجرد امتهانهم المهنة، ولسان حال الأغلبية العظمى من الناس تقول إن أوضاعهم المادية لا تقل سوءًا عن هؤلاء الأطفال المتسولين في ظل الأزمات الاقتصادية التي يعيشونها، وفق ما رصدته عنب بلدي من استطلاع لرأي أهالي المدينة.

القانون السوري يعاقب

يسهم سنّ القوانين الصارمة بحق من يتاجر أو يستغل الأطفال لامتهان التسول في الحد من انتشار هذه الظاهرة، بالإضافة إلى فرض الرقابة المشددة على الأطفال المتسولين ومَن وراءهم من قبل الجهات المسؤولة، من خلال توقيفهم والتحقيق معهم.

وبموجب قانون العقوبات السوري، تنص المادة رقم “596” على أن:

“1- من كانت له موارد، أو كان يستطيع الحصول على موارد بالعمل، واستجدى لمنفعته الخاصة الإحسان العام في أي مكان كان إما صراحة أو تحت ستار أعمال تجارية، عوقب بالحبس مع التشغيل لمدة شهر على الأقل وستة أشهر على الأكثر.

2- ويمكن، فضلًا عن ذلك، أن يوضع في دار للتشغيل وفقًا للمادة الـ79، ويقضي بهذا التدبير وجوبًا في حالة التكرار”.

وتنص المادة رقم “79” على أنه “لا يمكن أن تقل مدة الحجز في دار للتشغيل عن ثلاثة أشهر أو تزيد على ثلاث سنوات (…)، وإذا غادر المحكوم عليه دار التشغيل لأي مدة كانت، عوقب بالحبس مع التشغيل من ثلاثة أشهر إلى سنة”.

لا رادع قانونيًا في إدلب

قانون العقوبات السوري لا تُطبّق بنوده في محافظة إدلب، التي تشرف على إدارة مرافقها ومؤسساتها حكومة “الإنقاذ”، مع عدم وجود نُظم بديلة تعالَج بمقتضاها مشكلة التسول بين أطفال المدينة.

توجهت عنب بلدي إلى حكومة “الإنقاذ” بالسؤال بشأن الحلول التي تخطط لها من أجل معالجة هذه المشكلة، خصوصًا أن جزءًا كبيرًا من معالجة هذه الظاهرة يكمن بحل مشكلة البطالة وتوفير فرص عمل مناسبة للسكان عمومًا وللنساء الأرامل على وجه الخصوص، بالإضافة إلى توفير بيئة تعليمية مناسبة ومعالجة مشكلة تسرّب الأطفال من المدارس.

وأجاب مدير العلاقات العامة في رئاسة مجلس الوزراء بحكومة “الإنقاذ”، جمال شحود، أن الحكومة “تسعى لمحاربة ظاهرة التسول بشكل عام، والسعي للبحث في ظروف كل متسول من أجل سداد حاجته عن طريقة وزارة التنمية. والاستغناء عن التسول كوسيلة لكسب العيش”.

ويرى شحود أن “الخطر الأشد في هذه الظاهرة هو امتهانها من قبل الأطفال، إذ ترى فيها حكومة (الإنقاذ) ظاهرة خطيرة لا يمكن السكوت عنها، إذ تسعى الحكومة لإعادة هؤلاء الأطفال إلى مدارسهم، ومنعهم من التسول وحتى من العمل، وكذلك تتم معالجة هذه الظاهرة من خلال البحث في الواقع المعيشي لولي الأمر وسداد حاجته المعيشية، ومتطلبات التعليم لأطفاله من أجل إرسالهم إلى المدارس”.

تعرقل المشكلات الاجتماعية التي تنمو على أطراف النزاع المسلح الاستفادة من الأفراد بوصفهم قوى بشرية منتجة، دون شعورهم بالمسؤولية نتيجة التجارب القاسية التي مروا بها خلال السنوات العشر الأخيرة، ودون أي رعاية اجتماعية تعزز من قيمهم الأخلاقية والتربوية، وتأخذ هذه المشكلات المجتمع السوري بمواجهة تحديات مستقبلية على الصعيد الاجتماعي، والاقتصادي، والتربوي، تنتظر حلولًا جدّية من قبل جميع أطراف النزاع في سوريا.

مقالات متعلقة