سيف سبيعي الحالم بالكهرباء

ع ع ع

نبيل محمد

“إن ما أحلم به اليوم هو أكبر قدْر من النقود التي تمكّنني من قضاء مرحلة التقاعد في بلد فيه كهرباء”. جملة من الطبيعي جدًا أن تأتي على لسان أي مواطن سوري يقاسي ما صار معروفًا لدى الجميع اليوم، من سوء الأوضاع المعيشية، وندرة الخدمات في البلاد التي ما زال يحكمها من دمّرها. لكن هذه الجملة ستكون جزءًا من التناقض الذي يعتمل في نفس صاحبها، إذا رافقها لوم وتقريع لمن رفض النظام، وقرر ألا يقف في صفّه منذ البداية، أو على الأقل قرر أن يغادر البلاد، لأن هذا الشخص ببساطة، قد يكون أول طموحاته ألا يعيش في بلاد لن يكون فيها كهرباء، هذا عدا عن الأحلام الأخرى التي يحق لأي سوري أن يطمح إليها، ويغادر بلاده لتحقيقها.

هذا الحلم جاء على لسان المخرج والممثل السوري سيف سبيعي، خلال حديث أجرته معه الإعلامية اللبنانية رابعة الزيات في برنامجها “شو القصة؟”، ولسبيعي بالتأكيد حرية الحلم، والحق أن يعيش في بلاد فيها كهرباء، ليس كبلاده التي يعاني سكانها من أزمات بعضها أكبر من مشكلة الكهرباء. لكن أن يستمر في لوم أخيه الراحل عامر سبيعي، في أنه ترك البلاد، ونادى بالحرية من خارجها، فهو جزء من تناقض لا يكاد ينجو منه أي فنان سوري يعيش في سوريا اليوم، ويخرج في قنواتها الإعلامية الرسمية وأشباهها، فيلعن الظروف الحالية من جهة، ومن أخرى يلوم من تمرّد على النظام (قاطع الكهرباء) الذي يدير دفة الفقر والمعاناة، ويبشّر بمزيد من التقشف في الأيام المقبلة.

تحدّث سبيعي عن الانقسام السوري الهائل، والهوة التي دخلت جسد العائلة الواحدة، مستشهدًا بعائلته، إذ كان فيها المؤيد والمعارض، قاصدًا نفسه كمؤيد، وأخاه الراحل عامر كمعارض، ساخرًا بالقول، “هم أصبحوا أحرارًا، ونحن عبيد النظام”، ومعاتبًا الأخ الذي توفي قبل وفاة والده بعام ونصف، أنه ترك والده وغادر البلاد، بينما هو (سيف) تمسّك بالوالد وبالبلاد ولم يتركها، وكأن خيار تركها برفقة والده مثلًا، أو التوصل إلى صيغة يتم فيها الاعتناء بالوالد رغم غياب ابنه، كان أمرًا مستحيلًا!

في المقلب الآخر، ترك لنفسه حرية الحلم ببلاد تنعم بالكهرباء، بمعنى أن لا مشكلة لديه بالمغادرة إلى تلك البلاد اليوم. حسنًا إذن، ما الخطأ الذي ارتكبه الأخ في أنه عاش خارج سوريا المظلمة تلك؟ سوريا التي كاد سيف يلعنها ويلعن المنطقة وشعوبها لشدة يأسه مما يراه ويعيشه، ولإيمانه بأن لا مستقبل مزهرًا سيأتي، بل وسخر حتى من المقاومة، قائلًا كيف يمكننا أن نقاوم أصلًا إذا كانت أساسيات الحياة من كهرباء وغيرها غير متوفرة.

في الحديث عن الفن، كغيره من أبناء الفنانين، لم يكن الفضل في أن يصبح فنانًا لوالده الفنان الراحل رفيق سبيعي، بل إنه رفض الحياة في جلبابه، واعتمد على موهبته واستطاع الوصول إلى ما يريد متَّبعًا مبدأ “النجاح في مهنة الفن لا يحتاج إلى دعم”، بمعنى أن سيف وعشرات الفنانين اليوم إن لم يكن مئات، لم يكن سبب حضورهم أمام الكاميرا كون أهليهم من ممتهني هذه المهنة.

وفق منطق الفنان الابن، إن لم يكن هناك رفيق سبيعي، فسيكون هناك سيف سبيعي، وإن لم يكن أيمن زيدان، فسيكون هناك حازم زيدان مثلًا. هذا التنصّل من كون الأب سببًا في امتهان ابنه هذه المهنة، هو تنصّل عام، حتى إنك كمتابع لسير الفنانين السوريين، تجد نفسك في حالة انتظار دائم لذلك الممثل السوري الخارق، الذي سيخرج يومًا ما ويقول، “لقد دخلت هذه المهنة بسبب أبي، ولولاه ربما كنت سأعمل سائق تاكسي أو مدرّس رياضة أو أي مهنة أخرى”، ما المشكلة في قول ذلك، إن أغلبية ممتهني الحرف الصناعية والتجارية لا مشكلة لديهم في هذا الاعتراف، فلتكن المهن الإبداعية جزءًا من هذه المعادلة، وكفى تنطحًا بالمواهب الإعجازية التي لا تحتاج إلى الدعم مطلقًا.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة