المحافظ يهدد.. التوتر المزمن في السويداء ينذر بأخطار مقلقة

البوابة الحجرية لمدينة شهبا في محافظة السويداء (تعديل عنب بلدي)

ع ع ع

عنب بلدي – خالد الجرعتلي

تشهد السويداء توترًا أمنيًا مزمنًا، فمنذ مطلع العام الحالي، لا تكاد تهدأ الأوضاع الأمنية في المحافظة، حتى تعود للتصاعد من جديد مع انتشار العديد من الفصائل المحلية وفق توجهات مختلفة، ونتيجة لأزمات أمنية أو معيشية تعاني منها سائر مناطق المحافظة.

لم تكن السويداء استثناء لإجراءات النظام الأمنية، التي تعقب أي نوع من أنواع التصعيد ضده، إذ استقدم النظام السوري تعزيزات عسكرية جديدة إلى محيط مبنيي المحافظة وقيادة الشرطة في مركز المدينة، وعزّز نقاطه العسكرية التي تعرضت لهجمات من قبل مقاتلين محليين استمرت لساعات في 21 من كانون الأول الحالي.

التوتر الأمني بدأ بعد مقتل قائد إحدى المجموعات المحلية في مناوشات بالأسلحة الخفيفة وسط المدينة، في أثناء احتجاجات لبعض المدنيين وعناصر المجموعة المسلحة على اعتقال قوات النظام ناشطًا معارضًا، بتهمة مشاركته في مظاهرات عام 2020 بالسويداء.

هاجمت على إثرها مجموعات محلية مسلحة مبنى قيادة الشرطة التابع للنظام، بالأسلحة الرشاشة والقذائف الصاروخية، انتقامًا لمقتل قائد إحدى المجموعات المحلية المسلحة برصاص قوات “حفظ النظام” في اليوم ذاته.

واستهدفت المجموعات المحلية المباني التي تتحصن فيها قوات النظام بقذائف “RPG”، والرشاشات الخفيفة والمتوسطة، كما تبادلت إحدى المجموعات إطلاق النار مع قوات الأمن من اتجاه منطقة فرن فضة.

تحييد المحافظة

غابت قوات النظام السوري وأجهزته الأمنية عن التوترات التي شهدتها المحافظة على مدار سنوات، على الرغم أن العديد من هذه الخلافات كانت تنشب بين ميليشيات ومجموعات موالية للنظام في المحافظة، وأخرى معارضة له تتمركز في المحافظة بشكل علني.

لم تبادر الأجهزة الأمنية لفض أي خلاف فصائلي، حتى صار من اللافت للنظر غياب هذه الأجهزة، الذي اعتبره مدنيون ممن قابلتهم عنب بلدي، بـ”الغياب المثير للريبة”، الأمر الذي دفع بمجموعات محلية لتنظيم نفسها لملء هذا الفراغ الأمني، مثل مجموعة “مكافحة الإرهاب” المحلية، المعارضة للنظام.

ويعتقد الباحث العسكري في “المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام” النقيب رشيد محمود حوراني، أن السويداء لم تكن بعيدة عن حراك السوريين منذ انطلاقه، ومع العنف المبكر والمفرط الذي أظهره النظام ضد الاحتجاجات السلمية، اختارت سياسة “المد والجزر” في تعاملها مع ردود فعل النظام.

بينما لم يقف النظام مكتوف اليدين، لـ”ضمان تحييد المدينة”، عبر ترهيب سكانها بالتفجيرات والاغتيالات التي طالت رموز المدينة التي جاهرت بمعارضتها له.

وأضاف حوراني أن المواقف الضمنية لأهالي السويداء المؤيدة للثورة السورية، شكّلت دافعًا للنظام للانتقام من سكانها، في ظل تراجع عملياته العسكرية على جبهات أخرى، إضافة إلى غياب المواقف الدولية الحازمة.

وأرجع الباحث والمحلل العسكري ردود فعل النظام الأمنية، إلى وجود الفصائل العسكرية المعارضة له، والتي دفعت بالنظام للتفكير بالانتقام من المدينة، إذ شُكّلت هذه الفصائل في الوقت الذي بدأت فيه أجهزة الأمن (المخابرات) بزعزعة أمن المدينة، وقطعت الطريق على خطة النظام.

وكانت شبكة “السويداء ANS” المحلية كشفت، مطلع تشرين الأول الماضي، عن وثائق حصلت عليها من مصادر لم تسمِّها، تثبت التواصل والتنسيق بين مخابرات النظام السوري وعصابات الخطف وتجارة المخدرات، في مدينة السويداء جنوبي سوريا.

وقالت الشبكة خلال تسجيل مصوّر نشرته عبر “فيس بوك”، إن الوثائق حصلت عليها من مصدر مقرب من إحدى العصابات الخارجة عن القانون في مدينة شهبا بريف السويداء الغربي، واحتوت على معلومات عن وجود ميليشيات إيرانية مرتبطة بالنظام، إضافة إلى وثائق تثبت “تسوية أوضاع” أفراد العصابات وانتماءهم لـ”المخابرات العسكرية” و”الجوية”.

حدود التصعيد

في نهاية حزيران الماضي، نشرت صفحة “السويداء ANS” المحلية عبر “فيس بوك” تسجيلًا مصوّرًا لمقابلات أجرتها مع سكان في مدينة شهبا شمالي السويداء، حول اشتباكات جرت بين سكان محليين وعصابات تعمل بتجارة المخدرات فيها، وخلّفت قتلى وجرحى.

وكانت آراء السكان خلال الاستطلاع المصوّر، تتمحور حول دعم قوات النظام الذي لم يعد مخفيًا لعصابات الجريمة التي تفتك بسكانها، بغية السيطرة على المحافظة دون الحاجة إلى التصعيد المباشر.

وهو رأي يؤيده النقيب رشيد محمود حوراني، خلال حديثه إلى عنب بلدي، إذ قال إن النظام قد يلجأ لضرب أهالي المدينة ببعضهم وزرع الفتنة بينهم، وهو ما حاول فعله على مدار سنوات.

النظام اليوم يحارب السويداء بـ”إرهاب منظم مفتعل وبواسطة أبناء السويداء أنفسهم”، وهذا الأمر يجب التنبه إليه من قبل شيوخ العقل ووجهاء المدينة، وتطويقه قبل استفحال الأمر، وزرع مشكلات الثأر المتبادلة، بحسب حوراني.

وأشار إلى أن النظام يلجأ عادة للتصعيد “المضبوط الإيقاع” وفق ما يناسب ظروفه، ويعمل على الامتصاص والانقضاض، إلى أن يتمكّن من السيطرة على خصمه، وفي حالة مثل حالة السويداء، فإن الصدام المباشر العنيف أمر غير محتمل.

وهو ما أكده وائل علوان، الذي اعتبر أن روسيا لن تسمح بتصعيد يتحول إلى صدام مباشر، رغم وجود أصوات في صفوف قياديّي النظام تدعو باستمرار إلى الحلول العسكرية، لكن نشاط مخابرات النظام يتمحور حول تجنيد العملاء لتنفيذ العمليات الأمنية في المحافظة تجنبًا للصدام المباشر.

السويداء والجوار

لا تعتبر المظاهرات المطالبة بالحرية وإسقاط النظام دخيلة على السويداء، إذ سبق وخرج أبناؤها في مظاهرات جابت شوارع المدينة، وأكدت وقوفها إلى جانب جارتها درعا، وبقية المدن السورية.

ومع بدء “التسويات” الأمنية التي طبقتها قوات النظام في محافظة درعا جنوبي سوريا، في أيلول الماضي، عقدت مجموعة من الأحزاب والتكتلات السياسية المحلية في السويداء اجتماعًا، أعربت خلاله عن تخوفها من مستقبل المنطقة في حال سيطرت قوات النظام على مدينة درعا البلد، الأمر الذي اعتبرت أنه سينعكس على واقع السويداء.

في حين قال الباحث في مركز “جسور للدراسات” وائل علوان، إن توترات السويداء الأمنية هي امتداد لمشكلات الجنوب بين درعا والسويداء، إذ أشار إلى أن السويداء حيّدت نفسها مبكرًا عن الحراك المسلح كمحافظة وبنية اجتماعية، إلا أن العديد من شبابها كانوا منخرطين في فصائل المعارضة، لكن دائمًا ما كان يُشار إليهم على أنهم أفراد.

ويعتقد الباحث أن الفصائل المحلية بشقيها الموالي والمعارض لا يمكن أن تكون سببًا رئيسًا في المشكلات الأمنية المتتالية في المحافظة، إذ اعتبرها إحدى تركيبات المجتمع في السويداء، كون أغلبية أفرادها إن لم يكونوا جميعًا، هم من أبناء المنطقة ذاتها، وينتمون للمرجعية ذاتها التي ينتمي لها أبناء المحافظة.

إنما تكمن مشكلة السويداء اليوم، بحسب علوان، في أن النظام السوري يريد فرض سطوته الأمنية، وفق حلوله العسكرية والقمعية التي جرّبها على اختلاف المناطق السورية خلال السنوات الماضية، من اعتقالات عشوائية، وقمع حريات.

وأشار إلى النظام استغل وجود تنظيم “الدولة الإسلامية” بالقرب من محافظة السويداء، لجعل سكانها يعيشون دائمًا تحت ضغط أخطار التهديد الأمني.

المحافظ يهدد

قال محافظ السويداء، نمير مخلوف، في أول لقاء جمعه مع شيوخ عقل الطائفة الدرزية، منذ تعيينه محافظًا للمدينة بمرسوم رئاسي، إن الملف الأمني في المحافظة له أهميته البالغة، مشيرًا إلى أن التعامل معه سيجري “بالود أولًا، وبالتفاهم والتعاون بين مكوّنات المجتمع، على رأسها رجال الدين والدولة والجهات المعنية”.

الاجتماع نقلت تفاصيله صفحة “محافظة السويداء” الحكومية، إذ قالت إن مخلوف اجتمع مع شيخي العقل لمحافظة السويداء، يوسف جربوع، وحمود الحناوي، على رأس وفد ديني واجتماعي وشعبي، لتقديم التهنئة لمخلوف بمنصب المحافظ.

وتحدث وجهاء المحافظة وشيوخ العقل فيها، عن أهمية معالجة الملف الأمني في المحافظة، الذي يؤثر على حياة الناس وأمنهم وسلامتهم، إضافة إلى عدد من القضايا الخدمية “الملحّة”، بحسب الصفحة.

وأضاف أنه “لا بد أن يأخذ القانون مجراه الطبيعي”، وتعود المحافظة إلى سابق عهدها، “دوحة للسلام وملاذًا آمنًا لكل من يقصدها”.

وتعرض 15 شخصًا للخطف و”الاحتجاز القسري” في محافظة السويداء جنوبي سوريا، خلال تشرين الثاني الماضي، بينما قُتل ثمانية أشخاص خلال الشهر ذاته، بحسب إحصائية أصدرتها شبكة “السويداء 24” المحلية اعتمادًا على رصد مستمر لعمليات الخطف.

وكان رئيس النظام السوري، بشار الأسد، أصدر، في 11 من تشرين الثاني الماضي، مرسومًا أنهى بموجبه تعيين همام دبيات محافظًا للسويداء، وعيّن نمير حبيب مخلوف بدلًا عنه.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة