قرارات "غير مسؤولة" تكدّس البضائع في المرافئ

“قصف إسرائيلي”.. ذريعة النظام لتجويع السوريين

الأضرار الناتجة عن القصف الإسرائيلي- 28 من كانون الأول (المكتب الصحفي في محافظة اللاذقية)

ع ع ع

عنب بلدي – زينب مصري

سلّط القصف الإسرائيلي الأخير على ميناء “اللاذقية” الضوء على قضية تكدّس البضائع المستوردة في الحاويات على مختلف المنافذ الحدودية البرية والبحرية في سوريا، بسبب إجراءات تخليصها الجمركي التي منعت وصولها إلى الأسواق السورية.

وتتوجه أصابع الاتهام بالمسؤولية عن تكدّس البضائع المستهدفة في الميناء إلى المصرف المركزي السوري، وقراراته الأخيرة المتعلقة بتمويل المستوردات، بينما يُرجع اقتصاديون موالون سبب ذلك إلى البيروقراطية لدى مؤسسات النظام السوري.

وبصرف النظر عن الجهة التي تقع عليها المسؤولية في هذه القضية، يواجه المواطن السوري تبعاتها من ندرة المواد والبضائع وغلائها في الأسواق وارتفاع تكاليف إنتاجها، في ظل الأوضاع المعيشية المتردية التي يعيشها.

ما حجم الضرر؟

في 28 من كانون الأول 2021، استهدفت غارة إسرائيلية ساحة الحاويات في ميناء “اللاذقية”، في قصف هو الثاني خلال الأسابيع القليلة الماضية، إذ استهدفت إسرائيل الميناء في 7 من الشهر ذاته.

وبينما تصرّح مصادر إسرائيلية أن المُستهدف في القصف هو مخازن أسلحة ترتبط بميليشيات مرتبطة بإيران، تتحدث رواية النظام السوري عن استهداف حاويات تحوي مواد غذائية، كجزء من “حرب اقتصادية وسياسة تجويع” تستهدف الشعب السوري.

في تصريحات لصحيفة “الوطن” المحلية، في 29 من كانون الأول 2021، كشف رئيس لجنة الجمارك في غرفة تجارة دمشق، عماد قباني، أن 85% من البضائع المستهدفة في ميناء “اللاذقية” عبارة عن مواد أولية تدخل في الصناعة إضافة إلى مواد غذائية.

قدّر قباني حجم الضرر بـ”الكبير”، مؤكدًا أن إسرائيل استهدفت مواد غذائية وخيوطًا ومواد لها صلة بإعادة الإعمار، إذ إن أغلبية المواد التي يستوردها النظام هي مواد أولية وغذائية بسبب قرارات ترشيد الاستيراد.

بيروقراطية أم قرارات لمصلحة الحكومة؟

كما في العديد من القضايا، تتناقض تصريحات مسؤولي النظام حول المواد المكدّسة في الميناء، ففي تقرير لها، في 22 من كانون الأول 2021، نقلت صحيفة “الوطن” عن مخلّصين جمركيين ومستوردين، أن عدد الحاويات المتراكمة في الميناء يُقدّر بالمئات، لكنهم استبعدوا أن تكون هناك مواد غذائية في هذه الحاويات، لأن هناك تسهيلات خاصة للمواد الغذائية.

وعزوا سبب تأخر إجراءات تخليصها الجمركي وعدم وصولها إلى الأسواق، إلى تطبيق قرار المصرف المركزي المتعلق بتمويل المستوردات، ما تسبب لهم بخسائر كبيرة، مشيرين إلى أن الاستمرار في تطبيقه يمكن أن يسهم في نقص العديد من السلع وفقدها في الأسواق.

وبعد القصف الإسرائيلي الأخير، أصدر المصرف المركزي استثناء مؤقتًا برره بما وصفها بـ”الاعتداءات التي تتعرض لها المرافئ السورية”، طلب فيه من المستوردين الذين وصلت بضائعهم إلى المرافئ السورية حتى نهاية كانون الأول 2021، ولم يحصلوا على كتاب يسمح لهم بتخليصها بعد، مراجعة فروع المصرف، لتقديم تعهد باستكمال إجراءات الإفصاح عن مصادر التمويل، وتحصيل موافقة على تخليص البضائع.

نهاية آب 2021، عدّل مصرف سوريا المركزي بعض الشروط المفروضة على عمليات تمويل المستوردات التي يقدمها المصرف، والتي من المقرر أن يُعمل بها حتى شباط المقبل.

ووفقًا للتعديل الجديد، يلتزم جميع مستوردي القطاع الخاص والمشترك لدى تخليص البضائع المستوردة بتقديم كتاب (يتضمّن الموافقة على تخليص البضاعة بعد الاطلاع على مصدر التمويل) إلى “أمانة التخليص الجمركية” صادر عن مصرف سوريا المركزي، لبيان مصدر تمويل المستوردات، على ألا يطبّق هذا الشرط على المستوردات غير المشمولة بالقرار الأساسي.

وأوضح القرار أن المستورد عليه أن يراجع فرع مصرف سوريا المركزي (قسم الاستيراد)، ليتم تزويده بكتاب خطي موجه إلى الجمارك، يتضمّن الموافقة على تخليص البضاعة، بعد الاطلاع على مصدر التمويل، مصطحبًا معه الوثائق اللازمة التي تختلف بحسب حالة مصدر التمويل.

كما تلتزم الأمانات الجمركية بعدم إتمام عملية التخليص الجمركي، دون تقديم المستورد لهذا الكتاب.

رئيس “هيئة الأوراق والأسواق المالية”، عابد فضلية، دافع عن قرار المركزي المتعلق بتمويل المستوردات، معتبرًا أنه يمنح المصرف حق التدقيق في كيفية ووقت ورود البضائع، وأن كل ذلك دفع إلى حالة أوسع من التدقيق والتفتيش.

وقال إن الرواية الرسمية تفيد أن الكثير من الإجراءات التي تسببت في تأخير دخول المستوردات وتخليصها في الميناء، كانت بسبب ضبط مخالفات في المستوردات لجهة التلاعب بالبند الجمركي، وإدخال بعض البضائع على بند جمركي غير الذي ورد في البيان الخاص بالبضاعة، أو إدخال البضائع على بند جمركي رسومه الجمركية أقل من البند الجمركي للبضائع المستوردة فعليًا، إضافة إلى محتويات بعض الحاويات من المهربات وهي حالة من “التهريب المستور”.

ويرى فضلية أن حالة البيروقراطية العامة لدى بعض الجهات الرسمية أسهمت في تأخير إجراءات إدخال البضائع، كما أسهمت واقعات “التلاعب والمخالفات” التي ينفذها بعض المستوردين في تأخر نفاد البضائع وتكدّس الحاويات في الميناء، وتحمّل الكثير من الخسائر بالقطع الأجنبي للشركات الناقلة للحاويات.

“حق يُراد به باطل”

اتخذت حكومة النظام إجراءات بحق 30 تاجرًا، بسبب ما اعتبرته “الاتجار غير المشروع في السلع والقطع الأجنبي” بناء على أحكام المرسوم التشريعي رقم “33” لعام 2005 الخاص بمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، بسبب استخراجهم إجازات استيراد بأسماء شركاء أو أقارب لهم ليس لديهم أي نشاط تجاري أو صناعي.

واعتبر وزير الاقتصاد في “الحكومة السورية المؤقتة”، الدكتور عبد الحكيم المصري، أن هذا الإجراء “حق يُراد به باطل”، لأن حكومة النظام تتذرع بمرسوم غسيل الأموال ومكافحة الإرهاب، لكن لا أحد من التجار يستطيع التحرك خارج الإطار المرسوم له.

وقال الوزير، في حديث إلى عنب بلدي، إن حكومة النظام تحاول تأمين مصادر تمويل لها بغض النظر عن المواطنين والتجار والمستثمرين، وتريد احتكار التجارة ببعض الأشخاص فقط، كما تريد السيطرة على المواد التي جلبوها.

ولا يهتم النظام لوجود أزمة معيشية عند المواطنين، وهمه الوحيد استمرار الآلة العسكرية، بحسب المصري، الذي أشار إلى أن الأسعار سترتفع وسيزيد العبء المالي على المستهلكين نتيجة تراكم البضائع في الميناء، واضطرار التجار إلى دفع أجورها، مع عدم توفر المواد في الأسواق وتوقف الصناعة.

وفي ظل الظروف الاقتصادية والمالية المتردية التي تمر بها حكومة النظام، وعدم وجود آلة إنتاج، يجب عليها أن تقدم تسهيلات وتسمح للتجار بإدخال مواد تخفف من الأزمات في مناطق سيطرتها، لكن الحكومة تضيّق لتظهر للمواطنين بمظهر المحارب لغسل الأموال والإرهاب، علمًا أن النظام يغسل الأموال من خلال تجارة المخدرات، وفقًا للمصري.

وأوضح الوزير أن المصرف المركزي لا يعمل من نفسه أو بشكل مستقل، وإنما يعمل في إطار توجيهات حكومة النظام، ولذلك لا يعمل فقط ضد مصلحة السوق وإنما ضد مصلحة المواطنين أيضًا.

ومن الممكن أن يستغل النظام القصف الإسرائيلي لميناء “اللاذقية” كرسالة لمواليه الذين يعانون من الظروف المعيشية المتردية، والذين لا يعرفون الأسباب الفعلية لتكدّس المواد فيه، بحسب المصري، ويقول إن إسرائيل تقصف البضائع التي يضعها (النظام) قصدًا بين الصواريخ والطائرات الإيرانية الموجودة في الميناء، ليبرر لاحقًا نقص المواد بالقصف، ويتنصّل من قراراته غير المسؤولة وغير المبالية.

يحق لأي شخص أن يستورد في حال فتح إجازة استيراد وهذه مسألة قانونية، بحسب الباحث الاقتصادي خالد تركاوي.

ويريد المصرف المركزي من التجار أن يعملوا لصالح حكومة النظام، أي يرسلوا البضائع لـ”السورية للتجارة”، ويرسلوا الأرباح لوزارة المالية وفي حال تصديرهم لأي سلعة يرسلوا القطع الأجنبي للمركزي، بحسب ما قاله تركاوي لعنب بلدي.

وأكد الباحث أن النظام يعمل وفق مصلحته فقط، إذ لا شك في أن تأخير البضائع يرفع من سعرها لما يترتب على التخزين والتأخير من مصاريف.

ولا يتفق تركاوي مع فكرة “تكدس البضائع” كثيرًا، إذ من الطبيعي أن يكون في الموانئ بضائع، والكميات التي تصل للميناء قليلة ويحاول الإعلام تصوير أن المسألة تستهدف بضائع وليس حاويات سلاح أو مخدرات، بحسب ما أضافه.

وبحسب صور أقمار صناعية حصلت عليها وكالة “أسوشيتد برس” الأمريكية، في 30 من كانون الأول 2021، فإن الضربة الإسرائيلية التي استهدفت ميناء “اللاذقية” كانت عالية الدقة وأصابت حاوية واحدة.

بينما قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، أفيف كوخافي، إن الضربة الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت الميناء دمّرت كمية لا حصر لها من الأسلحة المتقدمة والاستراتيجية، معتبرًا في الوقت نفسه أن التصعيد الإسرائيلي المستمر في سوريا أدى إلى انخفاض تهريب الأسلحة من قبل إيران إلى سوريا، بحسب ما نقلته صحيفة “جيروزاليم بوست“.



English version of the article

مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة