استمرار الحرب واقتصاد الإغاثة ينشران البطالة في إدلب 

الحياة اليومية في أسواق مدينة إدلب- كانون الثاني 2021 (عنب بلدي)

ع ع ع

إدلب – أنس الخولي

“أغلب الأيام لا تتوفر فرصة للعمل ولا نتمكّن من سد الحاجات الأساسية. البطالة تتخفى وراء أعمال غير مجدية أصلًا”، هكذا يصف شبان عاطلون عن العمل في مدينة إدلب شمال غربي سوريا، لعنب بلدي، معاناتهم مع قلة فرص العمل في المدينة.

تفاقمت ظاهرة ارتفاع نسبة البطالة في إدلب، التي تخضع لسيطرة حكومة “الإنقاذ”، وازدادت معها معاناة سكان المنطقة، لتترك آثارًا سلبية على مجتمع المحافظة، خصوصًا في ظل ارتفاع الأسعار وتردي الوضع المعيشي للسكان.

أحمد العلي (28 عامًا)، من أبناء مدينة إدلب، قال لعنب بلدي، إنه يبحث عن عمل بأجر ثابت منذ عامين ولم يجد حتى الآن، “أضطر للعمل مياومة حسب توفر الفرص، يومًا أعمل في سوق الهال، ويومًا في مكان آخر، وأقعد أغلب الأيام دون عمل، ولا نتمكّن من سد حاجاتنا الأساسية”.

أما ماهر عز الدين (37 عامًا)، وهو من سكان المدينة، فيرى أن البطالة في بعض الحالات “تتخفى بقناع عمل غير مُجدٍ، لا يُدخل مردودًا ماديًا يمكن من خلاله أن يعيش الفرد حياة كريمة أو على الأقل أن يوفر المستلزمات الضرورية”.

وضرب عز الدين أمثلة عن الأعمال “غير المجدية”، كوضع “بسطة” على الأرصفة، أو العمل على سيارة أجرة، أو بيع المحارم على الطرقات، مشيرًا إلى أن أبناء مدينة إدلب يتجهون إلى هذه الأعمال، التي تتزايد باستمرار مع ضعف القوة الشرائية للمواطن، كخيار أفضل من البقاء دون عمل.

أسباب مباشرة وغير مباشرة

تتعدد أسباب انتشار البطالة في إدلب، بينها ما هو مرتبط بغياب المشاريع الاقتصادية وأدوات الإنتاج في المنطقة، ومنها متعلق بظروف الحرب واستهداف الأسواق والمرافق العامة.

الباحث في الشؤون الاقتصادية والإدارية سامر منى، ميّز بين نوعين من أسباب البطالة، فهناك، بحسب قوله، أسباب مباشرة كاستهداف البنى التحتية واستهداف الأسواق والمراكز الحيوية من قبل قوات النظام السوري وروسيا، الأمر الذي أدى إلى هجرة رؤوس الأموال والمشاريع إلى الخارج، بالإضافة إلى عدم وجود قوانين إدارية وأمان نسبي، ما أدى إلى عدم تشجيع الاستثمار.

وأضاف، في حديث إلى عنب بلدي، أن من الأسباب غير المباشرة لانتشار البطالة في إدلب، اعتماد الشباب على المساعدات الإنسانية، وعدم التفكير في إنشاء مشاريع صغيرة، وعدم وجود حكومة تشجع هذه المشاريع، إضافة إلى الاعتماد على الدولة التركية في استيراد مختلف أنواع السلع.

وأشار إلى أن اعتماد المنطقة على الاستيراد، ولّد القناعة بعدم الاعتماد على الإنتاج المحلي.

أخطار تهدد بفوضى

الحقوقي والباحث في الشؤون الاجتماعية محمد السلامة، تحدث إلى عنب بلدي عن أخطار البطالة، وقال إن البطالة من أخطر الظواهر السلبية في المجتمع، وبالنسبة إلى الأفراد تؤثّر بشكل سلبي على نفسية الشباب، وتسبّب العجز المعنوي وعدم القدرة على الزواج، وكثرة التفكير بالهجرة أو الكسب غير المشروع.

أما آثار البطالة على الأسرة، بحسب السلامة، فهي تولد شعورًا بالنقص وعدم الثقة لدى رب الأسرة، وارتفاع نسب الطلاق، جراء عدم تمكّن الزوج من تأمين الاحتياجات الضرورية، وحدوث خلل في العلاقات الاجتماعية بين الأقارب، ما يؤدي إلى تفكّك المجتمع.

وأضاف السلامة أنه بالنسبة إلى المجتمع، تؤدي البطالة إلى تردي الخدمات الصحية، وعدم الاهتمام بالتعليم وتخلّف المجتمع، وبروز الفقر، وانتشار ظاهرة التسوّل، كما أن عدم انشغال الإنسان بأعمال والفراغ في حياة الشباب يزيدان من معدل الجريمة والانحراف الأخلاقي، ويصبح المجتمع مهددًا بالفوضى.

غياب الحلول

الباحث في الشؤون الاقتصادية سامر منى، اقترح عدة حلول للحدّ من البطالة، قائلًا إنه لا بد أولًا من العمل على تحقيق استقرار نسبي ونظام إداري يساعد المستثمرين ويشجعهم، وإزالة العقبات التي تواجه المشاريع الاقتصادية، وخلق بنية تحتية مساعدة على القيام بالمشاريع الصناعية.

كما يجب، بحسب منى، رفع الضرائب عن استيراد المواد الأولية والصناعية، ووضع قيود على المنتجات المستوردة الجاهزة، واستبدال المواد نصف المصنعة بها ليتم إنتاجها في إدلب بشكل نهائي، وبالتالي خلق المزيد من فرص العمل، وتوجيه المنظمات والجهات الداعمة نحو تمويل ودعم مشاريع استهلاكية، بدلًا من المشاريع الإغاثية.

فرص عمل ووعود “الجولاني”

كان القائد العام لـ“هيئة تحرير الشام”، “أبو محمد الجولاني”، وعد بتوفير فرص خلال السنوات المقبلة، في أثناء فعالية افتتاح طريق حلب- باب الهوى في 7 من كانون الثاني الحالي.

وقال إن “المحرر” سيصبح مناخًا وبيئة اقتصادية واستثمارية كبيرة جدًا، وإن “الثورة خرجت لنيل الحرية والكرامة، وتحققت الحرية من خلال القوة العسكرية، أما الكرامة فستتحقق من خلال المشاريع الاقتصادية التي تمنح حياة كريمة تليق بالمسلم”، بحسب تعبير “الجولاني”.

وتعهّد “الجولاني” بتوفير ما يقارب 100 ألف فرصة عمل خلال ثلاث سنوات، وبناء مشاريع “تليق بالثورة” كل بضعة أشهر، مؤكدًا أهمية إنشاء هذه المشاريع لليد العاملة، وما تتيحه من فرص عمل تمنح للفرد نيل قوت يومه.

ولا يعوّل كثيرون على تصريحات “الجولاني”، ويعتبرها مراقبون نوعًا من التسويق والرسائل السياسية للخارج والداخل، بأن “تحرير الشام” لا تشكّل تهديدًا للأيديولوجيا المناهضة للتطرف.

وكانت نسبة البطالة ارتفعت خلال عام 2021 إلى نحو 80% في محافظة إدلب، بحسب بيانات فريق “منسقو استجابة سوريا”، وسط انتقادات لحكومة “الإنقاذ” التي تسيطر على الإدارة المدنية، لعدم توفير فرص عمل عادلة لمن يحتاجون إليها.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة