مقايضات سهّلت تمديد قرار عبور المساعدات عبر الحدود في سوريا

الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي جو بايدن (تصميم عنب بلدي)

ع ع ع

عنب بلدي – ديانا رحيمة

يثير تمديد قرار مجلس الأمن الدولي بإيصال المساعدات الإنسانية عبر معبر “باب الهوى”، لمدة ستة أشهر أخرى، الشكوك حول صفقات غير معلَنة بين الدول العظمى الفاعلة بشكل رئيس في الساحة السورية، والموافقة على القرار دون حدوث تصويت في مجلس الأمن.

في 10 من كانون الثاني الحالي، مدّد مجلس الأمن الدولي التفويض الخاص بإيصال المساعدات عبر الحدود إلى سوريا لمدة ستة أشهر أخرى، وذلك دون تصويت جديد في المجلس.

وكان يُفترض أن يجري التصويت على التمديد بموجب قرار مجلس الأمن رقم “2585”، الصادر في 9 من تموز 2021، الذي سمح بالاستمرار بإدخال المساعدات الأممية عبر الحدود، بشرط تقديم الأمين العام للأمم المتحدة تقريرًا خلال ستة أشهر، يوضح فيه مدى تحقق آلية المساعدات “عبر الخطوط” (من دمشق إلى الشمال السوري).

لا تصويت رغم تهديد الروس

خلال   مؤتمر صحفي عقده المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، قال إن إيصال المساعدات عبر الحدود في سوريا أمر ضروري.

وأضاف، “نحن بحاجة إلى نقل المساعدات عبر الحدود وخط الجبهة، وهذه عناصر أساسية بالنسبة إلينا لتلبية الاحتياجات الإنسانية لجميع السوريين”.

ولدى سؤاله عن عدم حصول تصويت جديد في مجلس الأمن، أجاب أنه يرحب “بأي قرار” يسمح للأمم المتحدة بـ”مواصلة هذه المساعدة الحيوية عبر الحدود”.

ولا تزال روسيا من أولى الدول الرافضة لتمديد تفويض دخول المساعدات عبر الحدود بشكل مستمر إلى جانب الصين.

وكان المبعوث الروسي إلى سوريا، ألكسندر لافرنتييف، رفض في جلسة حول تطورات الوضع السوري، عُقدت في 20 من كانون الأول 2021، تمديد المساعدات عبر الحدود، مشيرًا إلى أن السلام في سوريا مرتبط بتحقيق السيادة الكاملة للحكومة السورية، وفق تعبيره.

كما دعا نائب مندوب الصين في الأمم المتحدة، داي بينغ، إلى تشكيل خطة إغاثة إنسانية عبر الخطوط مدتها ستة أشهر في الشمال الغربي، مؤكدًا ضرورة معالجة قضية السيادة السورية بشكل شامل.

المساعدات.. حجر يسند النظام

رئيس اللجنة المشتركة لوفد المعارضة في أعمال اللجنة الدستورية، هادي البحرة، قال في حديث إلى عنب بلدي، إن روسيا تعلم الوضع الاقتصادي الهش الذي يعاني منه النظام، والنقص الحاد في موارده المالية، وعجزه عن تأمين الاحتياجات الإنسانية الأساسية للمواطنين في مناطق سيطرته، على الرغم من أن نسبتهم من إجمالي عدد السكان الموجودين داخل سوريا لا تتجاوز 60%.

وبالتالي، صارت المساعدات الإنسانية التي تقدمها الأمم المتحدة جزءًا أساسيًا لتغطية القسم الأكبر من الاحتياجات التي يفترض أن تؤمّنها الدولة لمواطنيها، وأي تراجع فيها أو انقطاع لها، سينعكس سلبًا على النظام نفسه.

ويرى البحرة أن الاتفاق على تمديد القرار حدث منذ ستة أشهر، حين مرور القرار في تموز 2021، وبالاتفاق بين موسكو وواشنطن ومن ثم ضمن الدول الأعضاء في مجلس الأمن، مقابل وعود بأن تتم زيادة عدد الشحنات عبر خطوط التماس.

مقايضات غير معلَنة

نشر الباحث في معهد “الشرق الأوسط” تشارلز ليستر، عبر “تويتر”، تغريدة قال فيها إن ثلاثة مصادر دبلوماسية أخبرته بشكل موثوق أن روسيا حاولت إفشال قرار التمديد، إلا أن إدارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، أعطت تسهيلات للمنظمات غير الحكومية الدولية للعمل مع النظام السوري.

وتابع أن المقايضة هي منح المنظمات الدولية غير الحكومية صلاحيات للعمل مع النظام.

وكانت وزارة الخزانة الأمريكية أعلنت عن دراسة تعديل العقوبات المفروضة على النظام السوري، لتستثني منظمات غير حكومية في سوريا.

وجاء في بيان صادر عن الخزانة، في 24 من تشرين الثاني 2021، أن تعديل العقوبات المفروضة على النظام سيكون لتوسيع التفويض الحالي المتعلق بأنشطة معيّنة لمنظمات غير حكومية في سوريا.

وبحسب البيان، سيقوم مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، بالتشاور مع وزارة الخارجية الأمريكية، بتعديل لوائح العقوبات للتوسع في الترخيص العام الحالي بالسماح للمنظمات غير الحكومية بالمشاركة في أنشطة استثمارية معيّنة مرتبطة بالمساعدة لدعم بعض الأنشطة غير الهادفة للربح في سوريا.

وتساند منظمات غير حكومية النظام السوري، أبرزها “الأمانة السورية للتنمية”، المرتبطة بأسماء الأسد، وتحظى بتشبيك واسع مع منظمات محلية، إلى جانب “الهلال الأحمر السوري”، الذي يشرف على مشاريع متعلقة بالمساعدات ويُتهم بالفساد وخدمة النظام السوري سياسيًا.

كما يعمل النظام السوري مؤخرًا على التشبيك مع منظمات أممية، وسط انتقادات لأدوارها في دعم النظام، الذي يستغل هذه العلاقة للترويج لاستعادة شرعيته وعلاقاته انطلاقًا من دول الجوار.

التعافي المبكر

كما تحدث الباحث تشارلز ليستر عن السماح بعمل مساعدات الأمم المتحدة في “التعافي المبكر” في سوريا.

وبحسب ما قاله هادي البحرة، لعنب بلدي، ستزداد مشاريع التعافي المبكر في كل المناطق على أسس الحاجة الإنسانية دون تسييس، هذا الاتفاق رُبط بتقديم الأمين العام للأمم المتحدة تقريرًا نصف سنوي يوضح مدى التقدم في هذه المجالات، أي الشحنات عبر الحدود، وعبر الخطوط ومشاريع التعافي المبكر.

بينما أوضح الطبيب السوري محمد كتوب، الناشط في المجال الإنساني والعامل السابق في مجال المساعدات والمناصرة، في حديث سابق إلى عنب بلدي، أن القرار الأممي يرحب بتوسيع جهود العمليات الإنسانية بما يشمل التعافي المبكر تحت إدارة “اللجنة الدولية للصليب الأحمر”، التي لم تكن حيادية في سوريا، فهي تعمل حصرًا من دمشق ولم تعمل عبر المعابر الحدودية سابقًا.

واعتبر أن الدفع باتجاه مساعدات تسبب التعافي المبكر هو نقطة لمصلحة روسيا والنظام، وحتى لو لم يستجب المانحون كلّهم، فسيسهل ذلك الأمر على وكالات الأمم المتحدة في دمشق لاستخدام التمويل للتعافي المبكر وليس للاستجابة الإنسانية فقط.

المحلل السياسي السوري المختص بالشأن الروسي محمود حمزة، لفت في حديث لعنب بلدي، إلى أن الروس حاولوا الترويج في قضية المساعدات أن النظام قادر على إيصال المساعدات عبر دمشق.

وجرت صفقة بين الروس والأمريكيين للموافقة على فتح المعبر، واعتبر الروس ذلك تنازلًا منهم، ويريدون ثمنًا مقابلًا له، طارحين قضية التعافي المبكر كمقدمة أولية لإعادة الإعمار في سوريا.

ويعرف الروس على الرغم من كل تصريحاتهم بأنهم لن يوافقوا على إيصال المساعدات عبر الحدود، وأنهم سيتفقون مع واشنطن لأن روسيا تعلم أن أمريكا ستبحث عن حل جديد لإيصال المساعدات، بحسب حمزة.

تحت أعين النظام

كان إيصال المساعدات عبر الخطوط الداخلية التي تصل دمشق بالشمال السوري، هي أحد بنود المقايضة التي سرّبتها المصادر الدبلوماسية للباحث تشارلز ليستر، وذلك بدعم المزيد من المساعدات عبر الخطوط من دمشق، إضافة إلى تسهيل أشياء أخرى مثل صفقة الغاز والكهرباء المارّة من سوريا إلى لبنان.

ودعمت واشنطن مشروع استجرار الغاز والكهرباء إلى لبنان من مصر والأردن، عبر سوريا، على الرغم من عقوبات “قيصر” المفروضة على النظام، الأمر الذي اعتبره كثيرون أحد بنود التفاوض لتمديد تفويض معبر “باب الهوى”.

وكانت روسيا تربط دعمها لآلية إيصال المساعدات إلى سوريا عبر الحدود بشكل دائم، باستمرار إيصالها عبر دمشق.

وفي 25 من أيلول 2021، قال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إن بلاده ستوقف دعمها لآلية إيصال المساعدات الإنسانية إلى سوريا، في حال استمرار تجميد إيصالها عبر دمشق.

وصرح لافروف أنه “إذا لم يتم الآن اتخاذ خطوات ملموسة لتحرير إيصال المساعدات الإنسانية عبر دمشق وفق ما تتطلب ذلك قواعد القانون الإنساني الدولي، فسوف نتوقف عن دعم هذه الأمور غير الشفافة العابرة للحدود”، بحسب تعبيره

أثبت الروس خلال الأشهر الستة الأولى من تصويت مجلس الأمن إمكانية عبور المساعدات عبر مناطق النظام، عبر تسيير قافلتين من المساعدات عبر الخطوط.

في 9 من كانون الأول 2021، أعلن برنامج الغذاء العالمي، عبر “تويتر”، تسيير قافلة مساعدات إنسانية تابعة للأمم المتحدة من حلب إلى المستودع المتعاقد مع البرنامج في مدينة سرمدا شمالي إدلب، تماشيًا مع قرار مجلس الأمن رقم “2585” في 9 من تموز 2021.

المساعدات الإنسانية الموجودة في القافلة البالغ عددها 14 شاحنة تحتوي على مواد غذائية وسلع إنسانية أخرى ستُوزع على المحتاجين من سكان شمال غربي سوريا، وهي مساعدات مكملة للمساعدات المقدمة “عبر الحدود”.

وكانت القافلة الأولى من المساعدات الأممية “عبر خطوط التماس” وصلت على مرحلتين في آب 2021، وعددها 15 شاحنة نقلت 12 ألف حصة غذائية ضمن خطة لنقل مستودعات تتبع للبرنامج من حلب إلى إدلب.

ودخلت، في 30 من الشهر نفسه، المرحلة الأولى من المساعدات (ثلاث شاحنات) عبر معبر “ميزناز- معارة النعسان”، الذي حاولت “هيئة تحرير الشام” فتحه بقصد الأعمال التجارية مع النظام، إلا أن الرفض الشعبي للأمر ألغى العملية.

وفي 31 من الشهر نفسه أيضًا، دخلت دفعة المساعدات الثانية “عبر الخطوط” من قرية ميزناز غربي حلب إلى قرية معارة النعسان بريف إدلب الشرقي، مكوّنة من 12 شاحنة.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة