جمود في الحركة العمرانية.. وبطالة تحاصر عمّال البناء بدرعا

رجل سوري يمر من أمام أنقاض أبنية مدمرة في حي تسيطر عليه فصائل المعارضة بمدينة درعا جنوبي سوريا- 2 من تشرين الأول 2018 (AFP\ محمد أبازيد)

ع ع ع

عنب بلدي – درعا

يميل رأفت (45 عامًا) إلى الاهتمام بمهنته، والالتزام بالعمل، كي يحقق أعلى النتائج، إلا أن توقف الحركة العمرانية في مدينة درعا جنوبي سوريا يقلقه في هذه الفترة، حيث انخفضت عمليًا مشاريع البناء، بسبب تخوف الأهالي من أي توتر أمني محتمل في المنطقة.

يعمل رأفت في مجال البناء، ولكن تراجع العمل بإعمار الأبنية سبّب بطالة مجموعة من رفاقه، فضلًا عن توقف الورشات التي كان يتسلّمها بشكل دوري، وفق ما قاله لعنب بلدي، ما أدى إلى ضعف إمكانياته المادية في توفير احتياجات عائلته.

توجّه رأفت، مع بداية العام الحالي، للبحث عن عمل خارج نطاق حرفته في البناء، التي يعمل بها منذ أكثر من 20 عامًا، وهي مصدر رزقه الرئيس.

عملية توسع حركة البناء في المدينة، بعد التوترات الأمنية التي شهدتها على خلفية خروجها مجددًا ضد النظام السوري، في تموز 2021، ليس أمرًا حتمي الحدوث، وفق أصحاب هذه الحرفة الذين التقت بهم عنب بلدي، بل يعتمد حجم حركة البناء، ووتيرتها، ونطاقها، على عوامل الاستقرار الأمني والمقدرة المعيشية للسكان.

عوامل ركود سوق البناء

أدى ارتفاع أسعار المواد الأولية للبناء إلى عزوف السكان في درعا عن إنشاء منازل جديدة، أو ترميم المنازل التي تضررت بعملية اقتحام أحياء درعا البلد، ما نتج عنه شبه توقف الأعمال المرتبطة بالبناء والتوسع العمراني.

كما أدت زيادة تكاليف البناء بعد غلاء مكوناتها من رمل، وبحص، و”بلوك”، وحديد، وكذلك مستلزمات الكساء من مطابخ وأبواب، ولوازم المرافق الصحية، إلى عدم إقبال سكان درعا على إشادة أبنية جديدة، وتسبب ذلك بتراجع عمل أصحاب المهن.

خلال عشر سنوات مضت، تراجع عمل الرجل الأربعيني لأقل من النصف، ويعود ذلك إلى عدم وجود التخطيط العمراني من قبل الهيئات المعنية في المدينة، وتخوّف الأهالي من بناء المنازل الجديدة.

ويعد التخطيط المحلي المختص بمعالجة وتخطيط التجمع العمراني مهمًا، سواء كان قرية أم مدينة، وفيه يتم وضع المكونات المختلفة للمدينة، فهو ينسق العناصر الانتفاعية بالنسبة إلى السكان، ويربطها في إطار نظم المدينة الحضرية أو الريفية، ويتم على منهجه تطوير العمران.

ولذلك، من المفترض أن يوضح هذا المخطط اتجاهات ومراحل النمو المستقبلي للمدينة، وسط تغيرات تشهدها في حجم السكان.

وتراجع حركة الإعمار في درعا خلق منافسة بين أصحاب المهن، تتمثل في كسر السعر للحدود الدنيا، حسب رأفت، إذ يؤكد أنه وافق على أجرة متدنية مقابل أن يعمل في ورشة لبناء أحد المنازل.

الأجرة المتعارف عليها لعمال البناء في درعا، بحسب ما قاله رأفت (الذي تحفظ على ذكر اسمه الكامل لأسباب أمنية) تقدر بـ3000 ليرة سورية (حوالي 80 سنتًا) للمتر المربع الواحد، في حين يوافق هو على العمل بأجرة 2000 ليرة للمتر الواحد.

وحاجة العمال إلى المشاركة بورشات البناء، ولو على حساب هامش الربح، دفعتهم للقبول بذلك، وفق ما يراه العامل رأفت، لتأمين دخل لعائلته المكونة من ستة أفراد.

ووصل سعر متر الرمل إلى 55 ألف ليرة (حوالي 15 دولارًا)، وكذلك السعر نفسه لمتر البحص، في حين وصل سعر طن الحديد إلى حوالي مليوني ليرة (565 دولارًا)، وسعر حجر “البلوك” الواحد إلى ألف ليرة (30 سنتًا)، وسعر كيس الأسمنت إلى 20 ألف ليرة (خمسة دولارات).

الشاب أنس (25 عامًا)، عامل في مقلع مواد بناء، قال إن غلاء أسعار مادة المازوت سبب رئيس في رفع أسعار مواد البناء بمدينة درعا، إذ تعتبر مادة المازوت عاملًا أساسيًا في عمل الكسارات، وكذلك نقل المواد من ريف دمشق حتى درعا سبب رفع سعره أيضًا.

ووصل سعر ليتر مادة المازوت إلى 3000 ليرة (80 سنتًا).

وتبلغ تكلفة بناء منزل جديد في درعا 50 مليون ليرة (14 ألف دولار)، وفق ما قاله حسن (45 عامًا)، الذي باع أرضه الزراعية بـ55 مليون ليرة ليتمكن من تشييد منزل لابنه.

في حين قال الشاب أسامة (32 عامًا)، وهو من سكان بلدة المزيريب، “تأخرت بالزواج لعدم وجود منزل مستقل خاص بي، وبناؤه يكلّف حوالي الـ50 مليون، وهذا المبلغ بحاجة إلى سنوات لتجميعه”.

ودفع انحسار تشييد الأبنية رأفت للعمل بأعمال المياومة الزراعية، فـ”بعد قلة الأبنية صار هناك ركود بالبناء، لذلك حتى أستطيع تأمين دخل مالي لأسرتي أصبحت أعمل بالزراعة”.

وكذلك دفع ركود العمل في البناء بمجموعة من رفاق رأفت الذين يعملون في نفس المجال إلى مغادرة درعا متوجهين إلى العاصمة دمشق، باحثين عن ورشات عمل في مجال البناء.

ويعيش 90% من سكان سوريا تحت خط الفقر، حسب إحاطة الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في تقريره لمجلس الأمن في 12 من كانون الثاني الحالي، وأشار إلى أن 60% منهم يعانون من انعدام الأمن الغذائي.

قصف ودمار

شهدت مدينة درعا استمرار عمليات القصف بمختلف أنواع الأسلحة منذ عام 2011، وكانت أولى المدن التي شهدت مظاهرات مناهضة للنظام، فنالت حصّة كبيرة من الحصار والتدمير.

وفي صبيحة يوم 29 من تموز 2021، بدأت قوات النظام السوري مدعومة بميليشيات شيعية ومحلية بعملية اقتحام أحياء درعا البلد، ولم تمضِ ساعات حتى باشر مقاتلون محليون بمهاجمة حواجز النظام في أرياف درعا الشرقية والغربية ومنطقة الجيدور شمالي محافظة درعا، مستخدمين الأسلحة الخفيفة.

وبحسب بحث أصدره معهد الأمم المتحدة للبحث والتدريب (UNITAR) عام 2019، بلغ عدد المباني المتضررة كليًا في مدينة درعا وحدها، دون القرى والمدن الأخرى في المحافظة، 224 مبنى مدمرًا، بالإضافة إلى وجود 498 مبنى مدمرًا بشكل بالغ، و781 بشكل جزئي، إذ بلغ مجموع المباني المتضررة 1503.

وحدد البحث معايير لقياس نسبة الدمار، وهي اعتبار أن المبنى مدمر كليًا إن كان الضرر الملحق به بنسبة من 75 إلى 100%، في حين يعتبر مدمرًا بشكل بالغ إن كانت نسبة الضرر من 30 إلى 75%، ويكون مدمرًا إلى حد متوسط إن كانت نسبة الضرر من 5 وحتى 30%.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة