المحقق كونان محكوم بالمؤبد

ع ع ع

إبراهيم العلوش

صدور الحكم بالسجن المؤبد لرئيس قسم التحقيق في فرع “الخطيب” لـ”الأمن العسكري” قبل أيام، صار حدثًا سوريًا بامتياز، وكان من الممكن أن يكون أكثر أهمية لو أن مثل هذا الحكم صدر في سوريا نفسها وفي محاكمها الحرة بدلًا من ألمانيا ومحكمة “كوبلنز”.

تكثر في سوريا أسماء وألقاب فروع المخابرات، كفرع “الدراسات”، وفرع “التحقيق”، وفرع “المعلومات”، وما إلى ذلك من أسماء توحي بالحضارة والتقدم العلمي، في حين تتم داخل تلك المسميات أبشع أنواع التعذيب والقهر الإنساني الذي ابتكره نظام الأسد.

قسم التحقيق مثلًا يوحي بوجود مجموعة من الخبراء المحنكين في الدراسة المنطقية لتسلسل وقوع الأحداث، وهم يعالجون لحظات الزمن السابق للحدث أو التالي له، وكيفية تصرف الفاعلين، وما أهدافهم ودوافعهم النفسية والاجتماعية والمالية، وما إلى ذلك مما تعج به المسلسلات والروايات البوليسية!

أما في سوريا فقسم التحقيق يعني قسم التعذيب حرفيًا، ولو سألت أي معتقل سوري عن أصعب مرحلة في التعذيب، لذكر لك دون تردد قسم التحقيق كأول مرحلة مفجعة.

كل فروع المخابرات تعتمد الضرب والصعق الكهربائي والتهديد بالاغتصاب، وما إلى ذلك، من إحضار زوجة المعتقل إلى قسم التحقيق ومحاولة اغتصابها أمام المتهم ما لم يقم بالإدلاء بالمعلومات اللازمة، وغالبًا ما تكون معلومات مفروضة، ويُجبر المتهم على الاعتراف بها تحقيقًا لخطط المحقق في رأب الصدع وتغطية انعدام الكفاءة، والظهور أمام رؤسائه كمتفانٍ في الحفاظ على هيبة القيادة وجبروتها.

وليس من العجيب في دولة المخابرات ألا تصدر رواية بوليسية واحدة، رغم أن الروايات البوليسية صارت تراثًا إنسانيًا ودخلت حتى برامج الأطفال، ولعل مسلسل “المحقق كونان” من أبرع المسلسلات البوليسية الموجهة للأطفال. ولكن لا أحد يجرؤ على تصور كونان سوري يقوم بمهامه في فرع “فلسطين”، أو في فرع “الخطيب”، أو فرع “المنطقة”.

المحقق السابق أنور رسلان رفض الاعتراف بذنبه، وقدّم نفسه كضحية، وأنه طوال 20 سنة في قسم التحقيق كان يقدم المساعدات للمعتقلين، وكأنه مدير جمعية خيرية، وليس بيدقًا في آلة المخابرات الشريرة التي دمّرت سوريا، ولا تزال حتى اليوم مستمرة في التدمير.

رئيس قسم التحقيق هذا، رغم انشقاقه الذي يُشكر عليه، لم يقدّم معلومات مهمة عن آلة المخابرات في أثناء المحاكمة التاريخية التي جرت في كوبلنز بألمانيا، وحاول أن يبقي الغطاء فوق عورة الجهاز الذي خدمه بانتهاك القانون الإنساني.

والقانون السوري بدوره يحمي عناصر المخابرات والشرطة في حالة موت المتهم خلال التحقيق، ويمنع إقامة دعوى عليهم إلا بموافقة الإدارة العامة، وهو من القوانين التي تشرعن التعذيب كوسيلة تغطية على عدم الكفاءة المهنية، وعلى عدم احترام كرامة الناس.

حاول الكاتب والمعتقل السابق عبد الناصر العايد، بمقالته في “المدن” قبل أيام، التي يخاطب فيها رسلان، أن يقنعه بكتابة مذكرات تكشف جوهر الأجهزة الأمنية وآلية هيمنتها، خاصة أن رسلان كان قد تبوّأ مهام حساسة في أجهزة النظام، منها التحقيق في مقتل عماد مغنية، واغتيال محمد سليمان مستشار بشار الأسد، كما يقول العايد.

لكن هؤلاء العناصر الذين تم توريطهم في عمليات التعذيب، لا يستطيعون الكشف عن آليات النظام الأمني، ليس لأنهم لا يعرفونه، بل لأن هذا النظام كان قد ورّطهم بجرائم أكبر بكثير مما يتم كشفه، وهم على أمل أن تدفن المعلومات عنهم، وعن أجهزتهم المتوحشة، ويتم تجاهلها والتغاضي عن ممارساتها، لقناعتهم أن أحدًا ما لا يمكن أن يستطيع كشف المستور، ويعزّزون غرورهم بأن دولًا كبرى تستثمر في حقل التعذيب في سوريا، وعلى علم بكل الممارسات، وبالتالي ستشارك في دفن تلك الأسرار إلى الأبد.

نظرتُ من جديد بحسرة إلى رفوف الكتب البوليسية في المكتبة الفرنسية، وإلى الناس الذين يرتادونها، وقلت لمرافقي، نحن في سوريا لا توجد لدينا رواية بوليسية، فهي ليست من خصوصية أنظمتنا العسكرية، فآلية التحقيق تتلخص بالضرب والصعق، وتنتهي بابتسامة الجلاد المنتصر في آخر كل التحقيقات التي تثبت “عبقريته” ونواياه الخبيثة.

ليست الروايات البوليسية هي وحدها المفتقدة، بل القانون العادل هو المفتقد بشكل رئيس، فالروايات البوليسية نشأت من أجل انتزاع المعلومات وفق القانون، ومع احترام كرامة المتهم، وليس عبر تعذيبه والعودة بالتحقيق إلى العصور الهمجية.

من هنا تنبع أهمية هذه المحاكمة الرمزية، فهي تعبير عميق عن دولة الأسد ووسائلها في الحكم وانتزاع المعلومات، وكذلك وسائلها في سلب المهام والخيرات من الشعب، وقد أعادت هذه المحاكمة العالم إلى عصر النازية ومحاكمة رموزها في منتصف القرن الماضي، وبرهنت من جديد على حق الشعب السوري في الخلاص من هذا النظام الوحشي، والخلاص من أساليبه الهمجية التي تنتهك كرامة وحقوق الإنسان.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة