الأرض تضيق بأهالي الطلحية بعد عامين على تهجيرهم

قرية الطلحية (تعديل عنب بلدي)

ع ع ع

“ألف كلمة الطيران ع بنفّذ فوق الطلحية ولا كلمة نازح ومهجر، والله اشتقنا لحبة التراب بالضيعة.. الطلحية لها بصمتها الباقية في قلوب أهلها”.

بهذه الكلمات عبر حسين إبراهيم (28 عامًا) أحد مهجّري قرية الطلحية الواقعة في ريف إدلب الشرقي، عن شوقه لقريته التي فارقها قبل عامين، تاركًا خلفه علاقات اجتماعية وصداقات بعثرتها خيام النزوح، وجعلت إعادة ترميمها أمرًا شبه مستحيل.

صالون حلاقة كان يعمل به، إلى جانب دراسته الجامعية، تضاف إلى دفتر خسائر الشاب المتزوج، طالما أن الخسائر لا تُقاس بجوانبها الروحية فقط، بينما يفتقد الشاب زبائنه الذين تعود على رؤيتهم مرارًا، بعد أن أصبح كل واحد منهم تحت خيمة تأويه مع عائلته.

ظروف الحياة والواقع الاقتصادي والمعيشي كوّنت شوقًا إضافيًا لدى الشاب لقريته، فإيجار المنزل والمحل والكثير من الالتزامات ما كانت في حساباته قبل النزوح، ورغم استمراره في عمله في مناطق النزوح، إلا أنه يكابد ليلبي أبسط احتياجات عائلته.

سيطرت قوات النظام مدعومة بحليفها الروسي على القرية التابعة لناحية بلدة تفتناز، منذ 28 كانون الثاني 2020، بعد هجوم واسع بدأته في كانون الأول، عام 2019، في مناطق إدلب، الواقعة تحت سيطرة “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقًا) وفصائل أخرى.

واستمر الهجوم حينها لما بعد النزوح بأيام، وتركّز على ريفي إدلب الجنوبي، والجنوبي الشرقي، وريف حلب الجنوبي الغربي المجاور، حيث يمر الطريق الدولي “M 5” الذي يصل مدينة حلب بالعاصمة دمشق.

تقع القرية بين مدينة بنش وبلدة تفتناز وبلدة آفس وقرى تل كراتين، وأبو كنصة، وتبعد حوالي ثلاثة كيلومترات شرقي مطار تفتناز العسكري، وحوالي خمسة كيلومترات عن طريق عام دمشق- حلب، وبلغ عدد سكانها سبعة آلاف نسمة، عام 2018، في آخر إحصائية للمجلس المحلي.

الزراعة تزيد معاناة النزوح

حسن هلال، مزارع مهجر من قرية الطلحية، كان يزرع أرضه ويستأجر أراضٍ أخرى، عاش التهجير مع العديد من مزارعي القرية بسبب القصف قبل أن يحصد ثمار تعبه.

بدأ الشاب من “تحت الصفر”، وأصر على مزاولة مهنته، رغم المعوقات، فمن الصعب أن يستأجر الأراضي، التي زادت تكلفتها، وقّل هامش ربحها.

وتحمل قرية الطلحية طابعًا زراعيًا إلى جانب تربية الثروة الحيوانية، حيث يمتهن معظم سكان القرية الزراعة، وتنتج القرية محاصيل البطاطا التي تتطلب تكاليف مادية عالية بالمقارنة مع باقي المزروعات.

كما تنتج القمح والشعير، وحبة البركة، والبقوليات، وتشتهر بمحصول الفريكة الذي يعتبر سمة عامة غالبة على المحاصيل الأخرى.

بعد التهجير والنزوح الذي شهدته القرية قبل عامين لم تقتصر خسارة الأهالي على أراضيهم وممتلكاتهم، إنما خسروا أيضًا محاصيلهم، فالنزوح سبق جني الفلاحين لمحاصيلهم رغم بذلهم فاتورة عالية من أجور حراثة وثمن بذار وتكاليف إيجار أراضي وأيدي عاملة وغيرها.

يواجه مزارعو القرية مجموعة كبيرة من المعوقات، بحسب حسن، لانحسار الرقعة الجغرافية ومحدوديتها، وخسارة أراضي زراعية واسعة، بعد سيطرة قوات النظام على مدن ومناطق مجاورة في الهجوم، ما رفع إيجار الأراضي الزراعية في مناطق النزوح، وقلص فرصة إيجار عدد أكبر من الهكتارات.

وبحسب رصد عنب بلدي، لم يستطع العديد من مزارعي القرية مزاولة الزراعة بعد نزوحهم، لعدم القدرة على تحمل تكاليف الإيجار من جديد ومعاودة العمل الزراعي، وسط أوضاع اقتصادية صعبة، يعاني منها معظم سكان شمال غربي سوريا.

تعود الذكريات والحنين بالمزارع إلى أيامه التي قضاها في حقول قريته، كلما مر بجانب أرض خصبة، وخصوصًا عندما تلامس قطرات المياه حبات التراب.

خيام اللجوء تعمّق الجراح

أبو محمد (تحفظ على ذكر اسمه لأسباب اجتماعية) أحد مهجري القرية، يشعر باليأس من أقمشة خيمته المهترئة، التي لا تقوى على حر الصيف، إذ تصبح الخيمة فرنًا تزداد حرارته مع ارتفاع درجات الحرارة، ولا تتحمل قسوة الشتاء، إذ لم تعد تقي قاطنيها من المطر المتسرب عبر ثقوبها رغم ترقعيها بالأغطية والعوازل، حسب وصفه.

يزيد إحباط “أبو محمد” من المنظمات التي تمر على مخيمه وتجري مئات الاستبيانات دون تغيير على الأرض، حسب وصفه، ويبين عدم قدرته على تأمين أبسط احتياجات عائلته المكونة من ثمانية أطفال، حتى الأدوية البسيطة في حالات مرض الأطفال، بعد أن كانت حالته المادية ميسورة في قريته، لكنه خسر بتهجيره محلًا تجاريًا لبيع الأقمشة.

ويعيش أغلب النازحين في مخيمات لا تتوفر فيها متطلبات التدفئة، مع قدم الخيم وتلف الكثير منها، نتيجة العوامل الجوية المختلفة، ما يزيد المخاوف من إصابة الأطفال وكبار السن بنزلات البرد، وظهور أعراض صدرية وجلدية.

يأمل الرجل بالتوصل إلى حل يعيده إلى قريته ومنزله حتى لو كان مدمرًا، بعيدًا عن سطوة النظام، للتخلص من قسوة الحياة التي يعانيها منذ عامين.

وتتصاعد المخاوف من حدوث حالات وفاة بين النازحين، وفي مقدمتهم الأطفال، نتيجة انخفاض حرارة الطقس، بحسب بيان لفريق “منسقو استجابة سوريا” صادر في 23 من كانون الأول 2021.

وتعتبر 85% من مخيمات الشمال السوري أقدم من عمرها المتوقع وأكثر عُرضة للتلف، وأقل مقاومة للظروف الجوية، بحسب تقرير صادر عن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة، في تشرين الأول، عام 2021.

 



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة