القامشلي.. متاجر صغيرة ضحية “نوروز” وسياسات الاحتكار

بقالية لبيع المواد الغذائية في مدينة القامشلي شمال شرقي سوريا- 4 من شباط 2022 (عنب بلدي\ مجد السالم)

ع ع ع

عنب بلدي – القامشلي

مضى حوالي عام منذ أن افتتح حسام خليل (38 عامًا) متجرًا صغيرًا في أحد أحياء مدينة القامشلي (شمال شرقي سوريا)، لإعالة أسرته المكونة من أربعة أفراد.

في بداية مشروعه، كان حسام يبيع أغلب ما يحتاج إليه الزبائن من مواد غذائية أساسية وغيرها من السلع الكمالية، وفق ما قاله لعنب بلدي.

ومع تبدلات سعر الصرف المتكررة، وانخفاض قيمة الليرة السورية أمام الدولار، اضطر حسام إلى التخلي، تدريجيًا، عن بيع أغلب المواد الغذائية، مثل الزيت والسكر والشاي والأرز والبرغل، بالإضافة إلى بعض أنواع المعلبات، بعد الخسارة المتكررة بسبب صعوبة ضبط ثمن المواد عند بيعها بما يتناسب مع سعر شرائها.

ارتفاع سعر المواد الغذائية يرجعها أصحاب المشاريع الصغيرة إلى احتكار أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة، وذلك بالتنسيق مع مؤسسات استهلاكية معروفة في المنطقة.

احتكار لبيع المواد الغذائية

أغلب المواد الغذائية في متجر حسام خليل صارت تُباع “بالخسارة، فحين تباع البضاعة بسعر معيّن نذهب لإحضار كميات جديدة، نشتريها بسعر أعلى بكثير من قبل التجار، فنخسر بذلك الربح مع رأس المال”.

في كل مرة يشتري حسام بضائع لمتجره يدفع مبالغ أعلى من المرات السابقة، وهذه الحال تتكرر باستمرار، ما يجعل قدرته على إنجاح مشروعه محدودة، فـ”هذا المجال صار حكرًا على أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة، الذين يتعاقدون مع مؤسسات تجارية بشكل احتكاري لسرقة الناس”، قال الشاب.

ويتهم بعض سكان المنطقة التي تسيطر عليها “الإدارة الذاتية” مؤسسة “نوروز” الاستهلاكية بأنها تحتكر المواد الغذائية الأساسية لأغراض الربح المادي، بينما تتبع المؤسسة لـ”الإدارة”، وتُقدم نفسها على أنها مؤسسة حكومية، ما ينتج عن ذلك ضعف في توريد المواد الغذائية والبضائع الاستهلاكية إلى المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر مثل متجر حسام خليل.

بحسب ما يراه بعض السكان الذين التقت بهم عنب بلدي، فإن مؤسسة “نوروز” متهمة ببيع المواد الغذائية لتجار وأشخاص متنفذين في صفقات مشبوهة، كما تُتهم أيضًا بالتسبب بكثير من الأزمات التي تمر بها مناطق شمال شرقي سوريا.

لكن “الإدارة الذاتية” تقول إن الشركة تتدخل بالأسواق كطرف تجاري يمنع احتكار المواد من قبل التجار، وتوفير المواد في الأسواق حال نفادها عن طريق مخازن استراتيجية موجودة في مستودعات مؤسسة “نوروز”، بحسب مقابلة أجراها موقع “روناهي” مع الإدارية في الشركة سوزان عبد الله محمد، عام 2019.

قرر حسام الخليل أخيرًا إغلاق متجره، بسبب ضيق قدرته المالية على الاستمرار بهذا المشروع.

الاستدانة دون سداد

حاول حسام العودة إلى مجال عمله الأساسي، والاهتمام بزراعة أرضه والاستفادة من الحصاد الموسمي، باعتبار الزراعة مصدر الدخل الرئيس الذي يبقي أغلبية سكان المنطقة في مأمن طوال العام.

حال حسام لا تختلف عنها قصة مسعود حسن (49 عامًا)، الذي أغلق هو الآخر محله كليًا بعد ثلاثة أعوام من افتتاحه في حي قناة السويس بالقامشلي، لأن الأهالي صاروا يشترون أغلب احتياجاتهم من المواد الأساسية من المؤسسات الاستهلاكية مباشرة، كونها أرخص قليلًا من محال البقالة.

كما توجد كثرة في المستدينين، وصعوبة في السداد وتحصيل ثمن البضاعة منهم، بحسب ما قاله مسعود حسن لعنب بلدي، وهو يعد سببًا في الخسارة الكبيرة التي تحمّلها في بداية العام الحالي، بالإضافة إلى تقلبات سعر الصرف.

بحسب تقييم مبادرة “REACH” ضمن تقريرها الصادر في 5 من شباط الحالي، فإن هناك أسبابًا وراء ارتفاع أسعار المواد الغذائية، منها انخفاض الإنتاج في المحاصيل الزراعية بنسبة أكثر من 60%، أبرزها محصول القمح.

ويحتاج عامل المياومة في المناطق التي تسيطر عليها “الإدارة الذاتية” إلى 72 يومًا من أجل تأمين التكلفة الشهرية المرتبطة بأمنه الغذائي.

وتعتمد 80% من عائلات المناطق في شمال شرقي سوريا في دخلها المادي على الأجور اليومية، ويعاني 92% من العائلات من البطالة التي تمثّل عائقًا مباشرًا أمام وصولهم لتأمين الاحتياجات الأساسية من المواد الغذائية.

وأشار التقرير إلى أن 79% من العائلات تعتبر أن ارتفاع الأسعار في المتاجر والمؤسسات الاستهلاكية، هو تحدٍّ مشترك أمامهم في تأمين أمنهم الغذائي.

من وجهة نظر مسعود حسن، تتوفر المواد الغذائية والخضراوات وغيرها من احتياجات الناس بشكل وفير في الأسواق، لكنها تتعرض للعديد من التهديدات بسبب وجود تحكّم فعلي من قبل تجار بضائع الجملة في أسعارهم.

عبد الرحمن جميل (48 عامًا)، وهو من سكان ريف القامشلي، قال لعنب بلدي إنه يفضّل شراء كل ما تحتاج إليه أسرته، المكوّنة من خمسة أفراد، من محال بيع الجملة مباشرة بشكل شهري، فذلك يوفر عليه الكثير، في الوقت الذي يبالغ أصحاب المتاجر الصغيرة في رفع الأسعار “دون حسيب أو رقيب” بحجة احتكار التجار للبضائع الاستهلاكية.

غياب تنظيم المشاريع الصغيرة

مصطفى فاضل (50 عامًا) من بلدة القحطانية، قال لعنب بلدي، إن دكانه صار مجرد “بسطة لبيع العلكة والبزر والمصاص والبسكويت لا أكثر، بعد أن خسرتُ الكثير في بيع بقية المواد”.

يمتلك مصطفى “بقالية” منذ ثلاثة أعوام، ويشتكي في هذه الفترة من انخفاض الأرباح بشكل مستمر، وما يزيد الطين بلّة هو مطالبة أصحاب العقارات برفع الإيجار الشهري كل فترة.

يدفع مصطفى 350 ألف ليرة سورية (100 دولار)، كإيجار لمحله الذي لا تتجاوز مساحته ثلاثة أمتار، ويؤكد أن قيمة هذا الإيجار “لن تبقى ثابتة في الشهور المقبلة، وإنما ستستمر في الارتفاع”.

بحسب ما قاله البائع الخمسيني، فإن هناك غيابًا في التخطيط والإدارة السليمة للمشاريع الصغيرة في المنطقة، ففي الوقت الذي يحاول الأفراد استغلال الموارد المالية المتاحة لديهم من أجل تحسين مستواهم المعيشي، توجد جهات تجارية تستغل جميع موارد الإنتاج الزراعي والحيواني لمصلحتها.

كما يوجد ضعف في رقابة “الإدارة الذاتية” على أسعار المؤسسات الاستهلاكية، خصوصًا في المناطق الريفية، بحسب ما يراه مصطفى فاضل.

سيطرة القطاعات غير الإنتاجية وذات الربح السريع، كالتجارة والاستيراد والتصدير على الاقتصاد المحلي، إلى جانب القطاعات الريعية، تقوّض، بحسب مصطفى فاضل، تحقيق أي نجاح للمشاريع الصغيرة، أو أي قيم مضافة، قد تكون أساسًا لاستمرار العمل والتوسع في عمل هذه المشاريع، وخلق فرص عمل جديدة مستقبلًا.

وهناك تقصير من قبل المنظمات الإنسانية العاملة في المنطقة بالقيام بعملها للإسهام في تنمية وتطوير وتأمين الاستمرارية للمشاريع الصغيرة، من وجهة نظر البائع.

مشكلة المعابر

بحسب ما رصدته عنب بلدي من عدة متاجر تجارية في القامشلي، فإن أغلب البضائع تدخل عن طريق معبر “سيمالكا” النهري مع إقليم شمال العراق الذي تسيطر عليه “قسد”، وهي بضائع بالأساس ذات منشأ تركي يشتريها التجار من الإقليم، ويدفعون عليها ضرائب ورسومًا لـ”قسد”، وجميع هذه الرسوم تُدفع بالدولار مهما كانت البضاعة.

وعلى رأس هذه البضائع الزيوت والسكر والشاي والأرز والمنظفات والمعلبات، لذلك فهي تتأثر بتقلبات سعر الصرف كثيرًا، ما يصعب ضبطها بشكل منفرد من قبل التجار.

كما ذكر أصحاب محال بيع الجملة، أن قسمًا من البضائع يأتي من مناطق سيطرة قوات النظام السوري في حلب ودمشق وغيرهما من المحافظات ضمن نطاق هذه السيطرة، إذ تفرض الحواجز الأمنية التابعة للنظام السوري رسومًا مرتفعة على المواد الغذائية، بالإضافة إلى ضرائب “الإدارة الذاتية”، وبعض هذه البضائع إيرانية المنشأ، وإن كل ذلك يجعل من الصعب توحيد الأسعار وثباتها، ويسبّب تباينها حتى من محل لآخر.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة