كنان وقاف.. الصحفي الذي انتقد إهمال الأسد فتخلّى عنه الزملاء

الصحفي السوري كنان وقاف (kenan wakkaf / فيس بوك)

ع ع ع

عنب بلدي – حسن إبراهيم

أثارت قضية الصحفي السوري كنان وقاف، العامل في صحيفة “الوحدة” الحكومية، جدلًا واسعًا، وطرحت العديد من التساؤلات حول قلة أو غياب المناشدات الداعمة للصحفي والمناصرة له، وسط غياب المعلومات عن مصيره المجهول حتى لحظة إعداد هذا التقرير.

في 6 من شباط الحالي، نشر الصحفي كنان تسجيلًا مصوّرًا كـ”وصية” بأطفاله بعد مداهمة منزله من قبل قوة أمنية كبيرة في غيابه بهدف اعتقاله.

ظهرت مطالبات ومناشدات لمناصرة الصحفي كنان وقاف على بعض الحسابات في مواقع التواصل الاجتماعي، التي تحمل أسماء معروفة وأخرى مجهولة، أو من أصدقائه، ما فتح الباب أمام انتقادات وتساؤلات عن قلة الدعم والمناصرة للصحفي.

مدير “المركز السوري للحريات الصحفية”، إبراهيم حسين، قال في حديث إلى عنب بلدي، إن من الصعوبة بمكان أن تلقى الانتهاكات التي يتعرض لها الإعلاميون من قبل سلطات الأمن السوري استنكارًا علنيًا أو تضامنًا مباشرًا مع “الضحايا”، بسبب البيئة الأمنية “القمعية” التي يعيش فيها الإعلام بشكل عام في سوريا، ولا سيما في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام.

وغابت قضية كنان وقاف عن صحيفة “الوحدة” التي كان يعمل بها، أو بقية الصحف الأخرى من وسائل الإعلام الرسمية والمحلية.

منظمة “مراسلون بلا حدود” ذكرت أن صحيفة “الوحدة” فصلته من عمله منذ فترة، وأن كنان عمل مؤخرًا في مخبز لإعالة أسرته.

كما ظهرت بعض الاتهامات لكنان، بحسب ما رصدته عنب بلدي في “فيس بوك”، بأنه تجاوز المحظور، وتطاول على النظام السوري، ووصل الأمر إلى حدّ اتهامه بالخيانة من قبل البعض.

ونشر كنان، في 4 من شباط الحالي، تدوينة على صفحته في “فيسبوك”، أرفقها بصورة رئيس النظام السوري، خلال استقباله الممثل وائل رمضان وزوجته سلاف فواخرجي، وألمح فيها إلى عدم اكتراث الأسد للأزمات الموجودة في مناطق سيطرته، من الاحتجاجات وقطع الطرق في السويداء، والطوابير أمام دوائر الهجرة والجوازات، ومديريات التموين، والسجل المدني، ومديريات النقل، وكانت سببًا بمداهمة القوى الأمنية لمنزله.

ويشير مدير “مركز الحريات” التابع لـ”رابطة الصحفيين السوريين” (مقرها خارج سوريا) إلى أن الجهة التي يفترض بها أن تدافع عن الصحفيين وهي “اتحاد الصحفيين”، هي نفسها رهينة بيد النظام، وتعد من أدواته التي يستخدمها لتكريس استبداده، لا سيما أن القوى الأمنية هي عمليًا من تختار قيادة الاتحاد، بحسب حسين.

وأضاف أن الصحفيين أيضًا يلجمهم الخوف من إبداء التضامن مع زملائهم الذين يتعرضون للانتهاك، بل “نكاد نرى أحيانًا بعض الضحايا يمجّدون النظام ويزيّنون له فعاله، بالرغم من أنهم عانوا من التعسف والظلم”.

مفترسو الحرية

غياب التفاعل مع قضية الصحفي داخل سوريا، يرسّخ صورة النظام السوري في سياسة المنع، وكانت منظمة “مراسلون بلا حدود” نشرت قائمتها السوداء لعام 2021 بعنوان “مفترسو حرية الصحافة”، التي تسلّط الضوء من خلالها على أفظع المنتهكين الدوليين لحرية الصحافة.

وضمت القائمة 37 زعيمًا حول العالم، منهم رئيس النظام السوري، بشار الأسد.

أستاذ علم الاجتماع في جامعة “دمشق” سابقًا، والباحث في مركز “حرمون للدراسات” الدكتور طلال مصطفى، تحدث لعنب بلدي عن أسباب عدم وجود تعاطف سوري واضح مع تهديدات أو اعتقال الصحفي كنان وقاف.

وقال، إن موقف السوريين لم يعد واحدًا، فهناك سوريون في الداخل يواجهون صعوبة، وهناك مخاطرة أمنية في تعاطف الناس مع أي معتقل أو معارض أو ناقد للنظام، ووجود خوف وهلع نتيجة “الجرائم” التي ارتكبها النظام بحق المعارضين خلال السنوات الماضية.

وأوضح الباحث مصطفى، أن الناس بدؤوا إلى حد ما يتخوفون حتى من نتائج تعاطفهم مع المعتقلين، وأن الأمر ليس وليد السنوات الماضية فقط، إنما هو موجود منذ أيام الأسد الأب.

ويرى مصطفى أن التخوف من هذه النتائج، خلق نوعًا من الانقسام ما بين سوريّي الداخل وسوريّي الخارج، وهي ليست حالة صحية، فحين ينتقد أحد السوريين في الخارج النظام أو منظومة أو فكرة معيّنة، فدائمًا ما يُنتقد ويُهاجم بتهمة الخيانة.

مفاهيم مغلوطة

لم تقتصر قلة الدعم والمناصرة للصحفي كنان على داخل سوريا، إنما امتدت إلى خارجها أيضًا، إذ لم تلقَ قضيته ردود فعل واسعة، رغم أن هامش الحرية للسوريين في الخارج أكبر بكثير، بحسب الباحث طلال مصطفى، مشيرًا إلى أن التناقض في المفاهيم والآراء داخل سوريا وخارجها، لعب دورًا سلبيًا في توحيد التعاطف أو الدعم والمناشدات.

وتابع، هناك جيل جديد ما بعد الثورة، ومن الطبيعي أن تكون لديه مواقف وتقنيات بالتعامل السياسي، وآراء جديدة، إذ لا يمكن مطالبة هذا الجيل بالعمل بتوجيهات الكبار.

وأضاف، هناك متغيرات اجتماعية واقتصادية في الداخل السوري، وهناك نظرة خاطئة من سوريّي الخارج تجاه ما يحدث في الداخل السوري، وهذا ما تجلى في احتجاجات السويداء مؤخرًا، واختلاف الآراء والمواقف على تسميتها بـ”ثورة جياع”، أو “ثورة حرية وكرامة”، بحسب الباحث مصطفى.

مناصرة كنان

قلة الدعم والمناشدة لا تلغي خروج بعض الأصوات من الداخل التي طالبت بمناصرة الصحفي كنان والإفراج عنه، رغم مصيره المجهول، إذ تداول ناشطون وسم “#كلنا_كنان_وقاف”، للتضامن معه، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، سواء من حسابات شخصية معروفة الهوية أو مجهولة، أو من بعض الأشخاص المقربين منه.

وفي منشور للصحفي محمود إبراهيم، وهو يعمل في مكتب صحيفة “الثورة” بطرطوس، تساءل عن الجريمة التي ارتكبها كنان، قائلًا، هل هو “التحقير والإساءة ووهن النفسية، أم هي جرأته في الإفصاح عما يجول في صدور الرعية”.

وطالبت منظمة “مراسلون بلا حدود” بالإفراج عن كنان، وقالت مسؤولة مكتب الشرق الأوسط في المنظمة، صابرين النوي، “إننا نطالب بالإفراج عن الصحفي كنان وقاف، مع وضع حد للمضايقات القضائية التي تطاله، ففي بلد حيث يمثّل الوضع الاقتصادي مصدر قلق كبيرًا للمواطنين، تقتضي المصلحة العامة إمكانية الإعلام والحصول على المعلومات بشأن هذه القضايا بحرية”.

مدير “المركز السوري للحريات الصحفية”، أشار إلى أن “رابطة الصحفيين السوريين” لا تفرق بين الصحفيين السوريين تبعًا لانتماءاتهم وتوجهاتهم ومناطق وجودهم، بل توثّق الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفي بغض النظر عن هويته وعن هوية الجهة التي ترتكب الانتهاك.

كما تتضامن “الرابطة” بشكل علني مع كل الصحفيين الذين تعرضوا للاعتقال أو للإجراءات التعسفية، مع أن بعضهم محسوب بشكل أو بآخر على النظام السوري، التزامًا منها بمبادئها.

اعتقالات سابقة

يُعرف عن الصحفي كنان كثرة انتقاداته للفساد والوضع المعيشي، وتعقيبه على ما تطرحه حكومة النظام السوري من قرارات، من خلال منشورات عبر صفحته الشخصية في “فيس بوك”، وسط ما تعانيه مناطق سيطرة النظام من نقص في الخدمات، وسوء في الوضع الاقتصادي، وكانت آراؤه سببًا لاعتقاله أكثر من مرة.

اعتُقل الصحفي كنان وقاف في 7 من آذار 2021، بعد كتابته منشورًا عبر “فيس بوك”، تحدث فيه عن عملية خطف قام بها نجل محافظ الحسكة، اللواء غسان خليل، للحصول على مقابل مالي.

وكان اعتُقل في أيلول 2020، وقال حينها قاضي التحقيق علي مرعوش، إن إيقافه حصل بسبب إعادة نشره، عبر حسابه في “فيس بوك”، تحقيقًا صحفيًا له نُشر على صحيفة “الوحدة” الحكومية.

وعلّق وقتها وزير الإعلام السوري السابق، عماد سارة، أنه يجب تطبيق قانون الإعلام عند التعامل مع أي قضية إعلامية، وأنه “لن يجري توقيف أي صحفي قبل أن تطّلع وزارة الإعلام على أسباب التوقيف”، بحسب ما نشرته صحيفة “الوطن” الموالية للنظام السوري.

“اتحاد الصحفيين في سوريا”، وهي منظمة نقابية يُفترض أنها تدافع عن الصحفيين، ذكرت أنها قامت بجهود بخصوص توقيف كنان وقاف في 2020، وأكّد رئيس الاتحاد حينها مع المحامي العام أن توقيف الصحفي غير مبرر في القانون رقم “108” لعام 2011 لنشره مادة إعلامية، حتى لو نُشرت هذه المادة على وسائل التواصل الاجتماعي.

لكن جهود اتحاد صحفيي دمشق لم تسفر عن نتائج، ولا يظهر أثرها في غالب الأحيان عند اعتقال أو تقييد حريات الصحفيين.

وصُنفت سوريا من بين الدول الأسوأ على صعيد حرية التعبير، إذ احتلت المركز 174 من 180 في التصنيف السنوي لحرية التعبير الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود” لعام 2021.

اعتبرت المنظمة أن الصحافة الحرة منعدمة في مناطق سيطرة النظام السوري، مشيرة إلى أن وسائل الإعلام لا تنقل إلا الخطاب الرسمي الذي يوجهه النظام، كما تصدّرت سوريا تصنيف “لجنة حماية الصحفيين” كأكثر البلدان فتكًا بالصحفيين عالميًا في تصنيفها عام 2019.



English version of the article

الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة