الإصلاح الضريبي "بروباغندا"

سوريا.. الضرائب تتمدد و”العدالة مفقودة”

مبنى وزارة المالية السورية (موقع وزارة المالية)

ع ع ع

عنب بلدي- جنى العيسى

اتجهت حكومة النظام السوري بشكل واضح خلال الأشهر الماضية، نحو رفد خزينة الدولة بالمزيد من الأموال عبر رفع نسبة الضرائب المفروضة سابقًا على قطاعات معيّنة، وفرضها ضرائب جديدة على قطاعات أخرى.

ورغم ما يعانيه المقيمون في مناطق سيطرتها من أوضاع اقتصادية ومعيشية صعبة، تجعل أغلبيتهم غير قادرين على تحمّل هذه الأرقام التي تفرضها الحكومة عليهم، تبدو الحكومة مستمرة بسياستها في التركيز على زيادة التحصيل الضريبي و”الحد من التهرب الضريبي”، وفقًا لتبريراتها، عبر قرارات شبه دورية تفرضها على مختلف القطاعات.

في مطلع عام 2021، أعلنت وزارة المالية في حكومة النظام، عن تشكيل لجنة جديدة “لدراسة النظام الضريبي ومراجعة التشريعات الضريبية، واقتراح التعديلات التشريعية في السياسة الضريبية”.

وكان الهدف الأساسي من تشكيل هذه اللجنة، إعادة دراسة النظام الضريبي السوري بشكل كامل، والعمل على تحقيق العدالة الضريبية، ومكافحة التهرب الضريبي، وتحقيق الإيراد المناسب لعمليات الإنفاق.

وتحاول عنب بلدي في هذا التقرير ذكر الآثار الحالية والمستقبلية لسياسة حكومة النظام في قضية فرض المزيد من الضرائب، وحقيقة قدرتها على “الإصلاح الضريبي” الذي تبرر هذه السياسة بالعمل على تحقيقه.

قطاع تحصيل الضرائب يتمدد في سوريا

بدأت وزارة المالية في حكومة النظام، منذ مطلع العام الحالي، بإلزام عدد من القطاعات باستخدام تطبيق “رمز التحقق الإلكتروني” للفواتير الصادرة عنها، والربط مع “الإدارة الضريبية”، مبررة هذا الإجراء بتحديد حجم العمل الحقيقي للمنشآت، وإلغاء تدخل أي عامل بشري في تقدير حجم عمل المنشأة، لتحقيق “العدالة الضريبية لجميع الأطراف”.

وفي 13 من شباط الحالي، ألزمت الوزارة كلًا من المستشفيات الخاصة بمحافظتي دمشق وريفها، والمخابر الطبية بمحافظة دمشق، سبقه إلزام جميع منشآت الإطعام ومطاعم الوجبات السريعة باستخدام آلية “التحقق الإلكتروني”.

كما تحدث رئيس اتحاد الحرفيين في دمشق، محمد سليم، عن فرض وزارة المالية ضرائب بأرقام “خيالية” على الحرفيين.

وفي نهاية كانون الأول 2021، أصدر رئيس النظام السوري، بشار الأسد، قانونًا ماليًا جديدًا للوحدات الإدارية، وحّد وفقه جميع القوانين المالية المتعلقة بإيرادات الوحدات، بهدف رفد خزينتها بإيرادات جديدة.

وتضمّن القانون تحديد رسوم سنوية وشهرية جديدة وفق حصص معيّنة للعديد من الخدمات، منها العقارات ووسائل النقل ورسوم المرفأ، واقتناء الكلاب الخاصة، وغيرها.

ما الضريبة؟

تُعرّف الضريبة بأنها مبلغ تفرضه الحكومات على الأنشطة والنفقات والوظائف والدخل سواء الخاص بالأفراد أو المنشآت، من أجل الحصول على دعم مالي للخدمات التي تقدمها.

وتعتبر الضريبة نوعًا من أنواع الالتزامات على الأشخاص والأعمال، وعادة ما تشكّل نسبة مئوية من المال، وتُحدّد مسبقًا.

وهناك أنواع للضرائب منها: ضريبة العائد على رأس المال، وضريبة القيمة المضافة، وضريبة المبيعات والممتلكات، والرسوم الجمركية، وضريبة الدخل.

مورد يُمكن الاستفادة من أمواله

لجأت حكومة النظام إلى فرض هذه الضرائب، ورفع قيمة الضرائب المفروضة سابقًا، بسبب انخفاض قيمة الليرة السورية، إذ تعتبر قيمة الضريبة القديمة أقل مقارنة بقيمة الليرة التي انخفضت بنسب كبيرة، بحسب ما يراه الباحث في الاقتصاد، والدكتور في العلوم المالية والمصرفية فراس شعبو.

وأوضح شعبو، في حديث إلى عنب بلدي، أن الحكومة عندما بدأت بطريق زيادة التحصيل الضريبي مطلع عام 2021، كانت خطوة نحو زيادة مواردها المالية، إذ كانت نسبة العجز في الموازنة العامة للدولة حينها تقارب 40%.

كما بلغ عجز الموازنة للعام الحالي حوالي 33%، الأمر الذي يفسّر استمرارها بفرض المزيد من الضرائب على القطاعات المختلفة.

وفي 13 من كانون الأول 2021، أكّد وزير المالية، كنان ياغي، وجود تحسن “كبير” بالإيرادات الجارية منذ بداية العام، قدّره بألف مليار ليرة سورية، قال إنه تم تحصيله من أعمال الضرائب والجمارك.

وأضاف شعبو أن الحكومة اليوم صارت تعتبر الضرائب موردًا ماليًا أساسيًا وأوليًا، في ظل غياب الموارد النفطية والمالية التي كانت تحت سيطرتها قبل بدء الثورة السورية عام 2011.

وبالإضافة إلى غياب تلك الموارد، انعكست نسب الفساد المرتفعة، وسوء إدارة الأزمات، على قدرة النظام على التمويل وتحصيل الأموال، وفقًا لشعبو.

ومطلع تشرين الثاني 2021، أعلنت الوزارة عن ارتفاع الإيرادات العامة التي حصّلتها خلال العام الماضي بنسبة 160% عن قيمتها في الفترة نفسها من عام 2020، وذلك بسبب ارتفاع إيرادات الضرائب والجمارك.

واعتبرت الوزارة أن الإيرادات المحصلة تجاوزت المخطط له، بسبب “العمل المكثّف للحد من التهرب الضريبي، وخاصة مع كبار المتهربين”، إذ وصلت الإيرادات العامة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2021 إلى 1.625 مليار ليرة سورية، بحسب البيان.

الناس هم “المتضرر الرئيس”

ستنعكس السياسة التي تعمل بها حكومة النظام في ملف تحصيل الضرائب على الناس المستهلكين المقيمين في مناطق سيطرتها بشكل رئيس.

وستؤدي زيادة فرض الضرائب على التجار في القطاعات المختلفة إلى زيادة تكاليف الإنتاج، التي ستُحمّل للمستهلكين على شكل ارتفاع في الأسعار، بحسب ما أكده الدكتور فراس شعبو.

وأضاف شعبو أن الأنظمة حين تفقد قدرتها على تحصيل الأموال عبر مواردها، تلجأ إلى تحصيلها من الشعب.

وفي ظل ما يعانيه الناس اليوم من أزمات اقتصادية ومعيشية صعبة، اعتبر شعبو أن آثار ارتفاع الضرائب ستكون كارثية، من الناحية المعيشية، غير مستبعد أن تؤدي إلى المجاعة.

نظام ضريبي “فاقد للعدل”

تبرر وزارة المالية قرارتها الأخيرة في ملف الضرائب، بعملها على تحسين السياسية الضريبية وإصلاحها، والحد من التهرب الضريبي.

وهذه المحاور هي الهدف الذي أُنشئت من أجله مطلع عام 2021 “لجنة مختصة” مؤلفة من 11 عضوًا يترأسها وزير المالية، كنان ياغي، يبدو أنها لم تحقق ما أوجدت لأجله حتى الآن.

وفي تقرير نشرته صحيفة “البعث” الحكومية، في 3 من كانون الثاني الماضي، بعنوان بعد عام على تشكيلها.. هل حققت لجنة تطوير نظامنا الضريبي وتشريعاته أهدافها“، قال خبراء ماليون (لم يُذكر اسمهم)، إن النظام الضريبي في سوريا يفتقد مقومات النظام الضريبي العادل التي من أهمها العدالة، والملاءمة، والوضوح، والاقتصاد في نفقات الجباية.

وأوضح التقرير أن النظام الحالي لا يحقق سوى الهدف الأول من أهداف الضريبة، وهو الهدف المالي على حساب الأهداف الاقتصادية والاجتماعية، إذ تم تغليب الاعتبارات الخاصة بمصلحة الخزينة على غيرها من اعتبارات العدالة والكفاءة.

واعتبر التقرير أن معدلات ضريبة الدخل المرتفعة في سوريا “تساعد، ليس فقط على التهرب الضريبي، وإنما تعد عاملًا كابحًا للاستثمار، ولا تشجع إطلاقًا على استقطاب رؤوس الأموال العربية والأجنبية للعمل”.

وأكّد أن الضرائب والرسوم المفروضة سابقًا والتي تُفرض حاليًا، تشكّل عبئًا كبيرًا على كثير من أصحاب الأعمال المتوسطة والصغيرة والمتناهية الصغر.

الإصلاح الضريبي “بروباغندا إعلامية”

وحول إمكانية تطبيق النظام الإصلاح الضريبي الذي تستمر الحكومة بالحديث عنه، يرى الدكتور فراس شعبو أن هذا لا يندرج إلا ضمن تصنيف “بروباغندا إعلامية”.

وأوضح شعبو أن الحكومة تعاني من عجز تام في تأمين المواد الأساسية المعيشية، كالخبز والمحروقات والكهرباء والنقل والمواصلات، ولا يبدو أنها قادرة على تحسين أي منها، ولا توجد مؤشرات على أنها تسعى لتحسينه أساسًا، وكذلك مسألة الإصلاح الضريبي.



English version of the article

الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة