هل تحل “قاعدة حميميم” ضيفة على حرب موسكو وكييف المحتملة؟

طائرة سوخوي في قاعدة حميميم (سبوتنيك)

ع ع ع

عنب بلدي – حسام المحمود

تصدرت التكهنات التي تتحدث عن احتمالية وقوع حرب بين روسيا وأوكرانيا نشرات الأخبار في الأيام الأخيرة، لاعتبارات عدّة، أبرزها تصارع قوى عظمى في الصراع المحتمل، هي روسيا من جهة، والولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية ممثلة بحلف “شمال الأطلسي” (الناتو) من جهة أخرى.

وطالما أن لكل حرب لاعبين مؤثرين وغير مؤثرين، فإن دورًا محتملًا لقاعدة حميميم العسكرية بدأ بالتشكل مع زيارة وزير الدفاع الرسي، سيرغي شويغو، إلى سوريا، في 15 من شباط الحالي، لتفقد سير مناروات البحرية الروسية في البحر المتوسط، بعد وصول صواريخ “كينجال” (الخنجر) فرط الصوتية، وقاذفات (تو _ 22 م)، إلى القاعدة المقامة في اللاذقية، غربي سوريا، قاطعة بذلك مسافة ألف و500 كيلو مكترًا من قواعدها إلى “حميميم”.

زيارة شويغو جاءت في وقت حشدت فيه موسكو نحو 130 ألف جندي من قواتها المقاتلة على الحدود الأوكرانية، رغم نفيها المتواصل لذهابها إلى الحرب مع كييف.

وذكرت وزارة الدفاع الروسية أن شويغو تفقد أيضًا التدريبات البحرية في ميناء طرطوس السوري، في الجزء الشرقي من البحر المتوسط، واستمع إلى تقرير عن سير التدريبات على “دحر سفن العدو المفترض”.

قاعدة حميميم رأس حربة؟

تعتبر قاعدة حميميم الجوية مركزًا رئيسيًا ومركز انطلاق للتدخل العسكري الروسي في سير العمليات القتالية في سوريا منذ بدء التدخل الروسي لصالح النظام السوري عام 2015، حتى وقعت موسكو عام 2017، عقد إيجار طويل الأمد، ولمدة 49 عامًا للقاعدة.

وبالتزامن مع زيارة شويغو الأخيرة إلى سوريا، ولقائه رئيس النظام السوري، بشار الأسد، نقلت صحيفة “الوطن” المحلية، عن مصادر وصفتها بـ”واسعة الإطلاع”، أن زيارة وزير الدفاع الروسي تتصل بشكل عميق بالتصعيد المتزايد على الجبهة الأوكرانية وربطها بالجبهة السورية.

وعن المصادر نفسها، نقلت الصحيفة أن قاعدة حميميم لم تعد “مجرد قاعدة لمحاربة الإرهاب”، وأن دورها تجاوز حدود الجغرافيا السورية، لتكون رأس حربة عسكريًا في حوض المتوسط والاشتباك الدولي الروسي الغربي.

وتحدثت الصحيفة عن أن شويغو وضع الأسد بصورة المناورات العسكرية التي ستجريها القوات الروسية انطلاقًا من السواحل السورية، وتوقيتها المرتبط بـ”التسخين” على الجبهة الأوكرانية.

وتواصل روسيا منذ عام 2016 التعامل مع القاعدة بما ينسجم وإمكانية استخدمها مستقبلًا لأغراض تتعدى العمل العسكري في سوريا، إذ أضافت عام 2016 منحدرًا تبلغ مساحته 250 مترًا مربعًا، إضافة إلى صف ملاجئ للطائرات المحصنة في الزاوية الشمالية الغربية للمنشأة، بين عامي 2018، و2019، لحمايتها من هجمات الطائرات المسيرة التي يمكن أن تنطلق من مناطق سيطرة فصائل المعارضة السورية.

كما أظهرت صور الأقمار الصناعية التي حصل عليها موقع “ذا وور زون”، المختص في التحليلات العسكرية، استمرار العمل لتوسيع أحد مدرجي قاعدة حميميم الرئيسيين بحوالي ألف قدم (305 أمتار)، بما يسمح بدعم المزيد من عمليات النشر المنتظمة للطائرات الأكبر والأكثر حمولة، شاملة الرافعات الجوية الثقيلة، وحتى القاذفات المحتملة، وفق تحقيق نشره الموقع في 5 من شباط الحالي.

بغرض التهديد

المحلل العسكري السوري طارق حاج بكري، تحدث إلى عنب بلدي، حول الدور الذي تنيطه روسيا بقاعدة حميميم، باعتبارها الحضور البحري الوحيد للروس في مياه البحر المتوسط.

وأوضح حاج بكري أن القاعدة العسكرية من الناحية الاستراتيجية، لا تستطيع لعب دور كبير في الصراعات العسكرية بالنسبة للروس.

فرغم توسعة المطار، لكنه لا يزال غير كبير، ولا يستطيع استيعاب عدد كبير من القاذفات، ما يحد من دوره بالنظر إلى أن ما يفصله عن أوكرانيا هو تركيا والبحر الأسود، ما يعني أن مجال المناورة بالنسبة للطائرات التي يمكن أن تنطلق من حميميم صغير جدًا ما لم تسمح أنقرة بعبور الطيران الروسي الحربي أجواءها واستخدمها في الحرب مع أوكرانيا، وهو ما استبعده المحلل العسكري.

وتعتمد موسكو على حميميم لتهديد أعدائها، أو من تصنفهم في خانة غير الأصدقاء، فيمكن استخدام “حميميم” كعنصر تهديد لحساسية موقعها، باعتبارها قريبة من إسرائيل والقواعد الأمريكية في تركيا وأوروبا، وهي أقرب للقواعد الأمريكية في الشرق الأوسط، من قربها إلى أوكرانيا، ما يجعها أداة تهديد وفق رأي الحاج بكري.

وردًا على دور النظام، وما إذا كان يمتلك رفاهية رفض تسخير القاعدة لأغراض روسية، يرى المحلل العسكري أن موسكو وبمجرد بسط يدها على القاعدة الجوية والساحل السوري ككل، أخرجت “حميميم” من سلطة النظام، حتى أن استخدامها من قبل النظام، لا يجري دون موافقة روسية باعتبار أن النظام “ميت سريريًا” ويحيى بالقوة العسكرية الإيرانية والروسية.

ورغم وجود قاعدة روسية شمال شرقي سوريا، فإن قاعدة “حميميم” الوحيدة الصالحة للاستعمال الروسي في صراعات دولية، كونها تحوي قاذفات يمكن أن يصل مداها إلى عشرة آلاف كيلو متر، لكن عدد هذه القاذفات صغير، وغير مجدٍ في أي حرب تكون روسيا طرفًا فيها، وفق المحلل العسكري، الذي لفت إلى أن قيمة قاعدة “حميميم” بنظر الروس، هي تهديد قاعدة “إنجرليك” في تركيا، وهي قاعدة جوية تضم حلفاء “الناتو”.

وكان وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، انتقد في اتصال مع نظيره الأمريكي، أنتوني بلينكن، في 12 من شباط الحالي، ما اعتبرها “المزاعم” التي ترد على لسان كبار المسؤولين الغربيين عن تخطيط موسكو لغزو أوكرانيا.

وفي الوقت نفسه، شدد بلينكن على أن أي عدوان روسي على أوكرانيا سيقابل برد حازم وواسع النطاق وموحد عبر “الناتو”.

لا أغراض حربية

استبعد الصحفي والخبير في الشأن الروسي رائد جبر، استعمال الروس لقاعدة “حميميم” لأغراض قتالية في حرب مستقبلية مع أوكرانيا، دون فصل الملفين عن بعضهما، باعتبار أن موسكو تحاول خلط الملفات المعقدة لتوجيه رسائل، دون أن يعني ذلك استخدام القاعدة عسكريًا.

وقال جبر، في حديثه إلى عنب بلدي، إن الحديث عن توسيع دور قاعدة “حميميم”، ومنحها أبعد من نشاطها العسكري المحلي ليس جديدًا، وبدأ منذ فترة طويلة ترافقت بتوسيع القاعدة، لكن الجديد محاولة ربط الملف الأوكراني بالوضع في سوريا، عبر نشر صواريخ فرط صوتية في القاعدة، وهي صواريخ لم تنشر في مكان إلا داخل روسيا، إلى جانب التدريبات التي جرت في المتوسط خلال الأيام القليلة الماضية، ولقاء شويغو بالأسد.

كما لفت الخبير إلى تزامن التدريبات في المتوسط بحزمة تدريبات أجرتها موسكو في كل البحار الملاصقة لحدودها، وحتى بحار دولية أيضًا.

وبدأت خلال الأيام القليلة الماضية، أكثر من 30 سفينة من الأسطول الروسي في البحر الأسود، تدريبات بالقرب من شبه جزيرة القرم، كجزء من تدريبات بحرية أوسع.

وفسّر جبر كثافة التدريبات الروسية كرسالة مفادها أن الحضور العسكري الروسي في المناطق البعيدة حاضر وجاهز، وأي نوع من الاستهانة بالتعامل مع موسكو ستقابل برد جدّي، فإذا كان “الناتو” يتمدد شرقًا على حدود روسيا الغربية، فروسيا موجودة على الحدود الجنوبية لـ”الناتو”، قرب تركيا.

وتسعى موسكو عبر علاقتها مع أنقرة لإحداث شرخ في “الناتو” من الداخل عبر بيع منظومة “S- 400” لتركيا، وهو أمر أغضب واشنطن، وعنصر مهم في الربط بين هذه الملفات المعقدة.

“حميميم” أرض روسية

وحول مدى حاجة الروس لـ”حميميم” ضمن عمل عسكري خارج سوريا، أكد جبر عدم حاجة موسكو لأي قدرات عسكرية بعيدة المدى، فقدراتها على حدودها وفي بيلاروسيا ومناطق بحرية كفيلة بتوجيه ضرية قوية لأوكرانيا دون الحاجة لـ”حميميم”، لكن الاتفاق الذي يربطها بالنظام السوري يجعل من “حميميم” أرضًا روسية، ومن حق موسكو استعمالها بكل ما يناسبها، دون أن يستطيع النظام السوري التدخل بما يجري داخلها، إذ أنها تعامل كسفارات الدول.

وفي 16 من شباط الحالي، أعلنت وزارة الدفاع الرسية سحب بعض قواتها المتمركزة في بيلاروسيا، إلى شبه جزيرة القرم، بعد الانتهاء من تدريبات عسكرية، ما فُهم كبوادر تهدئة بين الجانبين الروسي والأوكراني، سرعان ما تلاشت حين أعلنت السفارة الأمريكية في موسكو، في 17 من الشهر نفسه، طرد موسكو لنائب السفير الأمريكي، بارت غورمان.

الموقف الروسي جاء جزءًا من رد موسكو على رسالة واشنطن بشأن ملف الضمانات الأمنية المتعلقة بتحركات “الناتو” قرب حدودها، وهو ما تعتبره تجاهلًا لـ”لخطوط الحمراء” والمصالح الأمنية الأساسية، إلى جانب حق روسيا السيادي في حماية أراضيها.

الرئيس الأمريكي، جو بايدن، أطلق مساء الجمعة 18 من شباط، تصريحات عبّر خلالها عن قناعته (حتى ذلك الوقت)، بأن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، اتخذ قرار الحرب.

وأوضح بايدن أن الهجوم الروسي على أوكرانيا سيكون الأسبوع المقبل أو قبل ذلك، وسيستهدف العاصمة الأوكرانية، كييف، ما يعيد حالة التصعيد إلى نقطة البداية.

 



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة