عمولات ورشى لحجز "موعد"

جوازات السفر.. البوابة الإلكترونية مغلقة وجيوب السماسرة مفتوحة

ع ع ع

عنب بلدي – لجين مراد

بين الأمل بلمّ الشمل واليأس من طول الانتظار، يعيش مئات السوريين في مواجهة بوابة جوازات إلكترونية لا تعمل، وسماسرة يبيعون أمل اللقاء بمبالغ “خيالية”.

أعلنت وزارة الداخلية في حكومة النظام السوري، في 17 من تشرين الثاني 2021، عن إنشاء نافذة جديدة عبر موقعها الرسمي، تتيح إمكانية حجز دور إلكتروني بتاريخ محدد للحصول على جواز السفر للمقيمين في محافظتي دمشق وريفها.

وفي 24 من الشهر نفسه، عممت الوزارة خدمة حجز الدور الإلكتروني على عموم المحافظات الواقعة تحت سيطرة النظام.

وبعد نحو ثلاثة أشهر من بدء عمل البوابة، اشتكى معظم السوريين من “استحالة” حجز الموعد، واعتبرها الكثير منهم “بوابة للسرقة”، وقال آخرون إنها عقبة يضعها النظام السوري لإيقاف الهجرة المتزايدة.

بينما تواصل حكومة النظام السوري تبرير “أزمة” استخراج جوازات السفر، إذ قال مدير “إدارة الهجرة والجوازات”، خالد حديد، إن “الطاقة الإنتاجية” تحدّ من قدرة المديرية على منح الجواز الفوري، ما يجبرها على إعطاء “الأولوية” في استخراجه للمقيمين خارج البلاد، والحالات الإنسانية، والطلاب والموظف الموفد.

وأرجع حديد “الأزمة” لتأخر ورود المواد الخام الأساسية الداخلة في تصنيع جوازات السفر، بسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة على النظام السوري من جهة، وجائحة فيروس “كورونا المستجد” (كوفيد- 19) من جهة أخرى، وفق ما قاله خلال لقاء له مع “التلفزيون السوري” الرسمي، في 23 من شباط الحالي.

بين أمل اللقاء واليأس من طول الانتظار

“عشر سنوات لم ألتقِ بها أخي، وحين رأيت بصيص أمل وجدت نفسي أمام انتظار آخر للحصول على جواز السفر”، وصفت “ريم” (35 عامًا) لعنب بلدي، عجزها عن الحصول على موعد عبر البوابة الإلكترونية.

وتابعت “ريم” (اسم مستعار لأسباب أمنية)، استطعت بيع طوق من الذهب لاستخراج جواز السفر ولقاء أخي في تركيا، لكن الأمر لم يعد مرتبطًا بتأمين ثمن الجواز فحسب، إذ صرت أمام موقعٍ إلكتروني عديم الجدوى.

من جهتها، قالت نور (49 عامًا)، تحفظت على ذكر اسمها الكامل لأسباب أمنية، “قررت السفر مع زوجي وابنتي إلى أربيل للقاء ولدي بعد خمس سنوات من لجوئهما إلى ألمانيا، لكن جميع محاولات الحصول على جواز سفر باءت بالفشل”.

“لسنوات ظللت أحلم أن تجتمع عائلتي تحت سقف واحد، لكنني اليوم أشعر بالإحباط، وأن أحلامي جميعها كانت ضحية قانون فاشل حرمني لقاء أبنائي”، تحدثت نور عن أثر قانون الحجز الإلكتروني على عائلتها.

ورغم أن الصفحات المحلية على مواقع التواصل الاجتماعي امتلأت بإعلانات وتسجيلات مصورة تشرح طريقة الحصول على موعد، ما زال موقع الحجز الإلكتروني يستقبل السوريين بعبارة “لا مواعيد متوفرة” في حال استطاعوا الوصول إلى خطوة حجز الموعد.

ويبرر مدير إدارة المعلوماتية والاتصالات في وزارة الداخلية، عبد الرحمن عبد الرحمن، عدم إمكانية التسجيل في الوقت الحالي عبر المنصة الإلكترونية، بالتزامها بالطاقة الاستيعابية والإنتاجية لفروع الهجرة والجوازات في عموم المحافظات.

والمنصة برنامج مؤتمت فيه بعض الثغرات، يعتمد على تحديد عدد معيّن من طلبات الدور، تصل إلى 2400 طلب يوميًا، وفق عبد الرحمن.

وأوضح عبد الرحمن أنه خلال الثواني الأولى من فتح المنصة، تتلقى أكثر من عشرة آلاف طلب للحصول على دور من أجل استخراج الجواز، وهو ما يؤدي إلى أخطاء تجعل المنصة لا تعمل، على حد قوله.

من جهته، وعد مدير “الهجرة والجوازات”، خالد حديد، بحل أزمة إصدار الجوازات عبر زيادة “الطاقة الاستيعابية”، ووصول مواد خام جديدة لتصنيع الجوازات، بدءًا من 15 من آذار المقبل.

“بوابة للسرقة”

اعتبر العديد من السوريين منصة الحجز الإلكتروني “بوابة للسرقة” من قبل النظام السوري، والسماسرة الذين تسابقوا على طلب مبالغ “خيالية”، مقابل حجز الموعد للحصول على جواز السفر.

وقالت “ريم”، إن العديد من إعلانات السماسرة وصلت من خلال أصدقائها وأقاربها، مقابل مبالغ متفاوتة بشكل لا منطقي، وفق تعبيرها.

وأضافت “ريم” أن آخر سمسار تحدثت إليه طلب 400 ألف ليرة مقابل حجز الموعد فقط، معتبرة أن عملية حجز الموعد تحولت إلى “ابتزاز” للمواطنين من قبل عشرات الأشخاص.

وتداولت صفحات محلية على مواقع التواصل الاجتماعي العديد من إعلانات السماسرة، بينما أظهرت التعليقات حالة غضب ورفض للقانون، وسط ارتفاع أعداد الراغبين بالهجرة، أو محاولات الحصول على فرصة للقاء أفراد العائلة في دول اللجوء.

“ليست إلا بوابة للسرقة”، بهذه الكلمات وصف حسن (29 عامًا) بوابة حجز الجوازات الإلكترونية، بعد أشهر من محاولة استخراج جواز سفر لوالدته للقاء إخوته.

وأضاف حسن، فضّل عدم الكشف عن اسمه كاملًا لأسباب أمنية، أنه تعرّض للعديد من محاولات النصب من قبل السماسرة، وظلّ عالقًا بين حزن أمه ورغبتها الملحة بلقاء إخوته، ورفضه التعرّض للسرقة من قبل السماسرة وموظفي الدوائر الحكومية.

وبحسب ما قاله مواطنون تحدثت إليهم عنب بلدي، ترتفع المبالغ المطلوبة من قبل الموظفين والسماسرة بشكل لا منطقي وخلال أقل من شهر.

وطلب أحد المسؤولين عن إصدار جوازات السفر قبل أسابيع، مليونًا ونصف المليون ليرة سورية (نحو 600 دولار)، مقابل الحصول على الجواز خلال يوم واحد، وبعد أسبوع ارتفع المبلغ المطلوب إلى مليوني ليرة، وتقدّر قيمة الارتفاع بنحو مئتي دولار، وفق ما قالته “ريم”.

من جهتها، قالت نور إنها ستضطر إلى دفع نحو مليونين ونصف المليون ليرة سورية (حوالي 995 دولارًا)، للحصول على جواز سفر بعد أن قررت السفر وحدها دون زوجها وابنتها، في ظل عجزهم عن تأمين تكلفة ثلاثة جوازات.

يأتي ذلك تزامنًا مع استمرار تصريحات مسؤولين في النظام بمحاولة تلبية حاجة المواطنين من خلال تحديد تكلفة إصدار جواز سفر فوري، خلال يوم واحد، بـ100 ألف ليرة سورية (نحو 40 دولارًا).

السمسرة، مهنة يقوم فيها أشخاص (السماسرة) بأخذ دور الوساطة بين البائع والمشتري، بغرض التقريب بينهما وإتمام الصفقات التجارية المختلفة بشكل سريع وسهل، مقابل الحصول على عمولة مالية عند انتهاء الصفقة من كلا الطرفين.

وشكّلت صعوبات تسيير المعاملات الحكومية في سوريا، من بينها استخراج جواز السفر، فرصة للعديد من السوريين لامتهان “السمسرة” بين المواطنين وموظفي الدوائر الحكومية.

“الحلم والكابوس”

رغم تدني ترتيب الجواز السوري، وعجز السوريين عن الحصول على تأشيرة سفر إلى معظم دول العالم، ما زال العديد من السوريين داخل سوريا وفي دول اللجوء يرغبون باستخراجه.

وتنقسم دوافع استخراج جوازات السفر للسوريين في مناطق سيطرة النظام إلى قسمين أساسيين، أولهما الحاجة للهجرة هربًا من تدهور الأوضاع الاقتصادية، والثاني محاولة لمّ شمل العائلات التي فرّقها النزاع في سوريا.

“ريم” قالت إن جواز السفر “حلم وكابوس”، موضحة أن أملها بلقاء أخيها حوّل جواز السفر إلى حلم، وانتظار فرصة الحصول عليه جعله “كابوسًا” بالنسبة لها وللعديد من السوريين.

وأضافت “ريم” أن الجواز هو الأمل الوحيد بالنسبة لآلاف السوريين الراغبين بالهجرة، والعائق الأول أيضًا بالنسبة لهم، في ظل صعوبة استخراجه ورفض الدول استقبال حامليه.

محاولة للحد من الهجرة أم مصلحة مادية؟

تعددت آراء السوريين حول أسباب إنشاء بوابة الحجز الإلكتروني، إذ اعتبرها بعضهم أن فيها مصلحة مادية للنظام السوري، بينما قال آخرون إنها محاولة للحد من هجرة السوريين.

وبحسب استطلاع رأي أجرته عنب بلدي عبر “إنستجرام”، اعتبر 88% من المصوّتين أن للنظام السوري مصلحة مادية من إنشاء البوابة، بينما اعتبر 12% منهم أنه محاولة للحد من الهجرة.

من جهتها، اعتبرت نور أن طوابير السوريين أمام مراكز استخراج جوازات السفر بعد سماح مصر والإمارات بدخول السوريين، شكّلت هاجسًا للمسؤولين من حركة هجرة كبيرة لا يمكن السيطرة عليها.

وأوضحت نور أن إنشاء بوابة حجز إلكترونية “لا تعمل” يعتبر الحل الأمثل للحد من عدد السوريين القادرين على الهجرة.

بينما قال حسن، إن معظم القوانين الجديدة التي يفرضها النظام بحجة “تلبية حاجة المواطنين” تخفي وراءها مصالح مادية للنظام، لاستغلال المواطنين داخل وخارج مناطق سيطرته.

ويحتل جواز السفر السوري المرتبة الثالثة بين أسوأ عشرة جوازات في العالم، وفق مؤشر “هينلي لجوازات السفر” للربع الأول من عام 2022، إذ يُسمح لحامليه بدخول 29 دولة فقط دون الحاجة لاستخراج تأشيرة دخول.

كما تستمر أزمة الحصول على جواز السفر داخل سوريا، وفي معظم سفارات النظام السوري حول العالم، ما يدفع العديد من السوريين للاستغناء عن جواز السفر في حال استطاعوا ذلك، بينما يُجبر كثيرون على دفع مبالغ طائلة مقابل استخراج الجواز، أو تجديده.



English version of the article

الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة