مخيمات عشوائية تهدد آثار إدلب.. “الإنقاذ” تبحث الحلول

امرأة مهجرة تشعل النار بالقرب من موقع أثري في منطقة سرجبلة الأثرية في ريف إدلب الشمالي- 22 كانون الثاني 2022 (عنب بلدي / إياد عبد الجواد)

ع ع ع

عنب بلدي – ريف إدلب

تجلس عيده الحسن (45 عامًا) بجانب حائط أثري مرتفع يعود للعصر الروماني وبجانبها أطفالها، تشعل النار بغية إعداد طعام الغداء بالتزامن مع انخفاض درجة الحرارة، توفي زوجها منذ سبع سنوات ولم يبقَ لها معيل.

شيّدت عيده الحسن خيمتها منذ ثلاثة أشهر، ضمن منطقة أثرية تدعى سرجبلة في منطقة دير حسان، بريف إدلب الشمالي.

قالت عيدة الحسن لعنب بلدي، إنها اختارت مكانها هذا للسكن، لأن الأرض مجانية لا تضطر إلى دفع إيجارها، كما حصل معها في السابق خلال سكنها في أرض زراعية على أطراف مدينة الدانا.

كانت السيدة الأربعينية تستأجر سكنها من صاحب الأرض، ونظرًا إلى عدم قدرتها على دفع الإيجار، أخرجها مالك الأرض في كانون الأول 2021، فصارت تواجه تحدي إيجاد الملجأ الآمن لها ولأطفالها.

تخشى عيدة، التي تعتمد على المساعدات الإنسانية الشهرية بشكل أساسي لتأمين احتياجات عائلاتها، الأفاعي والعقارب صيفًا في مكان سكنها الحالي، فضلًا عن خوفها من سقوط الحجارة من الجدران الأثرية المرتفعة، جراء عدم ترميمها والاعتناء بها.

الخيمة التي تسكن داخلها عيدة وأطفالها، تملؤها هي الأخرى الثقوب، التي تسهل دخول الأفاعي والحشرات، ومياه الأمطار خلال موسم الشتاء الحالي.

إدلب.. متحف في الهواء الطلق

تعد محافظة إدلب من أغنى المحافظات السورية بالآثار الموغلة بالقدم، فهي تملك ثلث آثار سوريا، التي تعود إلى حقب مختلفة، وحضارات عاشت فيها منذ الألف الخامس قبل الميلاد، وتتبع للفترات الآرامية، واليونانية، والرومانية، والآشورية، والبيزنطية، والإسلامية المختلفة، وبعضها مدرج على لائحة التراث العالمي.

تحدثت عنب بلدي خلال تحقيق سابق حمل عنوان “آثار إدلب.. حضارات على قوائم النسيان” مع مدير متحف “إدلب”، أيمن النابو، عن أهمية الآثار التي تضمها محافظة إدلب، وما حلّ بها من تخريب.

وبيّن النابو حينها، أن إدلب تحتضن ما يزيد على ألف موقع أثري، منها 760 موقعًا أثريًا مسجلًا بقرارات وزارية سابقة، كما تضم 40 قرية أثرية، تشكّل خمس “باركات” مسجلة على لائحة التراث العالمي، وتعود هذه المواقع الأثرية إلى حقب زمنية مختلفة من عصور ما قبل التاريخ، مرورًا بفترة الشرق القديم، والفترة الكلاسيكية، وحتى الفترة الإسلامية المتأخرة.

وأضاف النابو أنه وخلال سنوات النزاع الماضية، تعرضت المناطق الأثرية ومواقع الإرث الإنساني لانتهاكات عديدة، يتمثل أولها بقصف الطيران الحربي والبراميل المتفجرة الذي لم تنجُ منه حتى المتاحف، كمتحف “معرة النعمان”، ومتحف “إدلب”، ومواقع المدن المنسية.

ويضاف إلى ذلك الزحف العمراني الحديث على المواقع الأثرية، لا سيما بعد موجة النزوح الكبيرة التي شهدتها المنطقة، ولجوء كثير من العائلات إلى المواقع الأثرية، للاحتماء بها أو لاتخاذها سكنًا، وهو ما أسفر عن إضافة كتل سكنية تشوّه الواقع الأثري الموجود في المحافظة، فضلًا عن تكسير حجارة المواقع الأثرية العائدة للفترة الكلاسيكية، أو المدن المنسية، لاستخدامها في الأبنية الحديثة، أو للاستفادة من بيعها والاتجار بها، وهو ما يمكن اعتباره ضررًا جسيمًا جدًا قد يؤدي في حال استمراره إلى اختفاء مواقع أثرية بأكملها عن الوجود.

الحلول.. “خطط مستقبلية”

تسعى الجهات المختصة التابعة لحكومة “الإنقاذ” العاملة في المنطقة لإيجاد الحلول المناسبة لساكني تلك المخيمات في الأماكن الأثرية، وفق ما قاله مدير دائرة العلاقات العامة في وزارة التنمية والشؤون الإنسانية في “الإنقاذ”، محمد عبد السلام غزال، لعنب بلدي.

تعتبر هذه الخيام مساكن مؤقتة ضمن مخيمات عشوائية، بسبب القصف المستمر، وفق ما أوضحه غزال، مؤكدًا أن هناك خططًا مستقبلية لمعالجة المشكلة، إذ تسعى وزارة التنمية والشؤون الإنسانية لتنظيمها “من خلال نقلها إلى مخيمات منظمة ومخدّمة، وقمنا بنقل العديد منها ضمن أولويات محددة”.

ويحمي قانون الآثار السوري الصادر بالمرسوم التشريعي رقم “222” المواقع الأثرية في البلد، إذ ينص على أن “جميع الآثار الثابتة والمنقولة والمناطق الأثرية الموجودة في الجمهورية العربية السورية تُعدّ من أملاك الدولة العامة، ويُستثنى من ذلك الآثار الثابتة التي يثبت أصحابها ملكيتهم لها، أو الآثار المنقولة التي سُجلت من قبل مالكيها لدى السلطات الأثرية كأملاك خاصة، والآثار المنقولة التي لا ترى السلطات الأثرية لها أهمية”.

كما نص القانون على أنه لا يجوز للبلديات أن تمنح رخصة البناء والترميم في الأماكن القريبة من المواقع الأثرية، والأبنية التاريخية، إلا بعد الحصول على موافقة السلطات الأثرية، لتضمن إقامة المباني الحديثة على النسق الذي تراه ملائمًا للطابع الأثري.

كما قيّد المشرّع الوزارات والإدارات واللجان المختصة عند وضعها مشروعات تخطيط المدن والقرى، وتنظيمها، أو إزالة الشيوع، بضرورة الحصول على موافقة السلطات، ما يدل على الحرص الشديد على حماية الآثار والمواقع الأثرية من التعديات، حتى لو كانت من جهة عامة.

وطالت انتهاكات عديدة آثار إدلب خلال سنوات النزاع السوري، إذ تعرضت للقصف بمختلف أنواع الأسلحة من قبل قوات النظام السوري والطيران الروسي، الذي اتبع سياسة الأرض المحروقة في كثير من المناطق التي تحويها.

وبالإضافة إلى المعارك، تلعب المخيمات العشوائية التي تُشيّد في عدة مناطق بإدلب، دورًا سلبيًا في تخريب بعض أماكن الآثار، التي وجدها نازحون مكانًا يمكنهم الاستقرار فيه، بدلًا من دفع مبالغ تفوق قدرتهم المالية كإيجار لأرض ذات ملكية فردية.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة