“طفولة نهد”.. نبوءة نزار بمشوار الشعر الطويل

ع ع ع

من الممكن اعتبار ديوان “طفولة نهد” للشاعر السوري نزار قباني ديوان بداية ثانية، كونه أتى بعد انقطاع أربع سنوات، شكّلت الفاصل بينه وبين الديوان الأول “قالت لي السمراء”، الصادر عام 1944.

وبعد “طفولة نهد”، مضى قباني بسلاسة في عالم الشعر العربي من حيث الإنتاجية، فأصدر عام 1949، ديوان “سامبا”، ثم ديوان “أنت لي” عام 1950.

وفي الديوان يقول نزار قباني عن نفسه مقدار ما يقوله عن المواضيع التي انتقاها وعبّر عنها، فأوصل للقارئ نبوءته المبكرة بمشواره الشعري الطويل.

وفي قصيدة حملت اسم “سؤال”، وهي القصيدة الـ12 من 37 قصيدة شكّلت مجمل الديوان، يقول قباني ردًا على تساؤلات وجودية تطرحها حبيبته في النص، “نموت؟ أما أسف أن نموت؟ وما يبست بعد أوراقنا”.

وفي البيت التالي تطغى الكينونة الشعرية المشبعة بعنفوان الشباب لدى الشاعر، فيتابع “يقولون من نحن؟ نحن الذين حرام إذا مات أمثالنا”.

تتنوع في “طفولة نهد” المواضيع تنوع القوافي، فلا يوحي العنوان بالفحوى، ولا تبوح الفحوى بقوافيها الفاترة، مقارنة بما جاء في الديوان الأول من حالة تمرد غير مروّضة للشاعر الفتى، فاللغة هنا أكثر استقرارًا وهدوءًا، وأقل استعجالًا باعتبار أن القادم سيحمل ما لم يحلمه هذا الديوان بعد، وأن هناك متسعًا من الحبر والورق والمشاعر لدى الشاعر الدمشقي.

ومن أبرز ما يميز الديوان، أن قصيدتين منه شكّلتا بداية تعاون فني وموسيقي بين الشاعر والفنان العراقي كاظم الساهر، هذا التعاون المستمر حتى بعد 24 عامًا من وفاة نزار قباني.

وغنى كاظم الساهر قصيدة “طائشة الضفائر”، التي يأتي في مطلعها “تقولين الهوى شيء جميل، ألم تقرأ قديمًا شعر قيس”.

وبعد ابتعاد طويل، عاد الفنان العراقي ليغني قصيدة “على الدرب” منذ سنوات قليلة مضت، ويقول مطلعها “زر مرة ما أصبحك”.

صدر الديوان عام 1948، وجاء على امتداد 51 صفحة، بما يشبه إلى حد بعيد معظم دواوين الشاعر التي اعتمدت خفة عدد الأوراق، وثقل ما تحمله من مشاعر يصعب وقد يستعصي شرحها دون تطويع منقطع النظير للغة، بما يساعد في فهم القارئ أحيانًا ما يشعر به دون أن يجد له تفسيرًا أو موقعًا من الإعراب.

نزار قباني شاعر ودبلوماسي سوري، ولد عام 1923، في حي مئذنة الشحم العريق بالعاصمة السورية دمشق، ويقول أبناؤه تعليقًا على ولادته في 21 من آذار ورحيله في 30 من نيسان 1998، “ولد في الربيع ورحل في الربيع، الربيع كان قدره كما كان الشعر”.

تأثر نزار بالبيئة الثقافية التي نشأ في ظلها، فهو حفيد “أبو خليل القباني”، أحد رواد المسرح السوري، وهو أيضًا صاحب إرث أدبي ضخم مقاوم لعامل الزمن بفضل اللغة والأغنية التي نشرها في الوطن العربي على لسان كبار المطربين.

36 ديوانًا من الشعر، و12 كتابًا في النثر، منها كتاب “من أوراقي المجهولة”، الذي يروي السيرة الذاتية للشاعر بقلمه نفسه، إلى جانب مسرحية بعنوان “جمهورية جنونستان”، وتاريخ طويل في عداء السلطة، ومواكبة القضايا العربية السياسية والإنسانية، والكثير من العواطف التي كان منبعها ومصبها في شعر قباني المرأة.

وبعد هذه المسيرة الحافلة، يمكن القول إن نبوءة نزار صدقت حين قال في ثانية قصائد ديوانه “طفولة نهد”، التي حملت اسم “أزرار”، “إني أضأت وكم خلق أتوا ومضوا، كأنهم في حساب الأرض ما خلقوا”.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة