“تحرير الشام” تستثمر ذكرى الثورة للحديث عن “إنجازاتها”

عنصران في "جهاز الأمن العام" في أثناء مظاهرة لأحياء ذكرى الثورة في دير حسان بريف إدلب _16 من آذار 2022 (جهاز الأمن العام)

ع ع ع

نشرت “هيئة تحرير الشام” صاحبة النفوذ العسكري في عدة مناطق شمال غربي سوريا، تسجيلًا مصورًا بعنوان “ثائرون أم بائعون؟”، في الذكرى الـ11 لانطلاقة الثورة السورية.

واستعرض التسجيل الذي اطلعت عليه عنب بلدي، مسيرة “الهيئة” صاحبة النفوذ على محافظة إدلب وجزء من ريف حلب الغربي وريف اللاذقية وسهل الغاب، شمال غربي حماة، خلال سنوات الثورة السورية، من نشاط قالت إنه أسهم في “تشكيل نواة حقيقية للثورة”، على حد تعبيرها.

تحدث التسجيل أن الثورة واجهت حملات طعن وتشويه، و”كان ثوارها في عين العاصفة ومطعن سهام الداخل والخارج”، وما طال الثائر من انتقادات كـ” التخاذل وبيع وتسليم المناطق”.

طلبت “الهيئة” في تسجيلها من المشككين الإجابة على السؤال الذي يُطرح كثيرًا، والذي “تنهمك (تحرير الشام) في صياغة الردود وسوق الأدلة على عظم تضحياتها”، وهو ماذا قدمت “الهيئة للثورة، وماذا كنا سنخسر لولا وجودها؟”.

“الهيئة” خارج “مستنقع” المصالحات

تناول التسجيل الحديث عن تجنب “الهيئة” الوقوع فيما وصفته بـ”مستنقع” المصالحات، والتسويات التي أخرجت عدة مناطق من الثورة، وكذلك “العملاء” الذين سلّموا وتركوا أطنان السلاح “غنيمة باردة” للنظام السوري.

وتحدثت “تحرير الشام” عن جهودها في “تأمين الثورة من خطر الاجتثاث” من خلال شن حملات أمنية بحق رؤوس المصالحات و”الضفادع” حسب وصفها، في عموم مناطق نفوذها، وبات الترويج للمصالحة مع النظام السوري جرمًا يستحق أن ينزل بصاحبه أشد العقوبات.

وظهر في التسجيل بعض الصور من فيلم “العملاء.. المصير الخاسر”، الذي نشرته “الهيئة” في 22 من كانون الأول 2021، والذي تناول اعترافات وشهادات لأشخاص (رجال ونساء وحتى دون الـ18 عامًا) قال إنهم تعاملوا مع النظام السوري، وأرسلوا دراسات أمنية حول عدد من الموظفين السابقين في النظام السوري، وأشخاص مدنيين ومعلومات عن حملهم للسلاح.

ودائمًا يعلن “جهاز الأمن العام” العامل في إدلب، والذي ينفي صلته بـ”تحرير الشام” عن عمليات إلقاء قبض على ما يصفهم بـ”خلايا أمنية” تتعامل مع النظام السوري.

“توحيد الصفوف”

تطرق التسجيل إلى الحديث عن حالة التفرقة و”التشرذم العسكري”  والاختلاف على وجود آلية عسكرية موحدة، وغياب رؤية وإيديولوجية مشتركة بين الفصائل، رغم اجتماعها على على هدف “إسقاط الأسد وطرد المحتلين الداعمين له”.

واعتبرت ” الهيئة” أنها عملت على إنهاء حالة التفرقة و”التشرذم” في صفوف الفصائل، وتخلى قادتها عن تزعم التشكيل الجامع الذي كاد أن يتشكل، لولا إحجام البعض وانصياعهم لأوامر الداعمين، حسب وصفها.

وأنشأت “تحرير الشام” غرفة عمليات مشتركة، بلغت مراحل متقدمة من “التنسيق العسكري” بين فصائلها، بعد أن عجزت الوصول للاندماج الكامل مع بقية مكونات “الثورة”، الأمر الذي خلص “الثورة من أن تكون حبيسة التشتت اللامتناهي تتجاذبها توجهات فصائلها ورؤى قادتها”، على حد تعبيرها.

ووصفت “الهيئة” نفسها بأنها أجرت نقلة نوعية لا يدركها إلا من تجرع مرارة التشرد والتشتت، وجرى تشكيل الألوية والكتائب، ووزعتها على مختلف الجبهات، وربطتها بغرفة عمليات مركزية ومدعومة بسرايا الدعم والمؤازرة.

وكانت”تحرير الشام” عملت على بسط نفوذها على المنطقة، لتكون الجسد العسكري الوحيد المسيطر وصاحب النفوذ، وشهدت محافظة إدلب العديد من الخلافات بين “الهيئة” وفصائل أخرى محسوبة على المعارضة السورية و”الجيش الحر”، بدأت عام 2014 بخلاف بين “تحرير الشام” (جبهة النصرة آنذاك)، وعدة فصائل أخرى.

وآخرها حملة شنتها “الهيئة”، في 25 من تشرين الأول 2021، على مقرات لفصائل “جهادية” أجنبية في ريف اللاذقية، يعتبر أكبرها فصيل “جنود الشام” بقيادة “مسلم الشيشاني”، الذي طالبته “الهيئة” سابقًا بمغادرة الأراضي السورية مع مقاتليه الأجانب، لتعلن في 7 من تشرين الثاني 2021، أنها أجرت عملية “تسوية أمنية” لفصيل “أبو فاطمة التركي”، قضت بتسليم أسلحته الفردية لـ”الهيئة”، كما تُتهم “تحرير الشام، بحل وإزاحة ومهاجمة الفصائل التي لا تتماشى مع سياساتها.

كما شهد الشمال السوري سابقًا عدة توترات وخلافات بين فصيل “تحرير الشام” وعدة فصائل مقاتلة في سوريا، كان لها ثقلها وأثرها في المعارك ضد النظام السوري وحلفائه، أبرزها “حركة أحرار الشام” المنضوية تحت راية “الجبهة الوطنية للتحرير”.

وشهدت التوترات حينها عمليات اعتقال عديدة بين الطرفين، لتصل إلى نزاع مسلح واقتتال أدى لمقتل وجرح العديد من عناصر الفصيلين.

واتسعت رقعة الاشتباكات لتشمل مناطق عدة من محافظة إدلب، بما في ذلك داخل معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا، الذي كان يخضع لسيطرة “حركة أحرار الشام” الكاملة، لتسيطر عليه “الهيئة” في تموز 2017.

كما اتهمت “جبهة التحرير”، “الهيئة” بالهجوم على مواقعها في ريف حلب الغربي، والامتناع عن تشكيل غرفة عمليات عسكرية مشتركة لبدء معركة ضد قوات الأسد في محيط إدلب.

وقالت إن “تحرير الشام” أفشلت مفاوضات عديدة كانت تسعى لعقد الصلح، وأصرت على بسط نفوذها والسيطرة على مناطق جديدة، لترد “الهيئة” بالاتهامات نفسها.

تراشق اتهامات

انتقد التسجيل حال الفصائل الخارجة عن مناطق سيطرة “الهيئة”، والسياسة الخاصة لكل فصيل، كالمحاكم والشرطة والقوانين الخاصة، في مناطق شمالي حلب، ما يشكل معاناة يومية للأهالي في تلك المناطق.

خطر التفرقة العسكرية ينعكس على الحياة المدنية للأهالي، بحسب التسجيل، الذي ذكر رفض “الهيئة” قبول الانقسام الداخلي في مناطق سيطرتها.

وتشهد العلاقات بين “تحرير الشام”، و”الجيش الوطني السوري” المدعوم تركيًا، والذي يسيطر على أرياف في محافظة حلب شمالي سوريا، إضافة إلى مدينتي رأس العين شمال غربي الحسكة وتل أبيض شمالي الرقة، تضاربًا في المصالح، واتهامات متبادلات بينهما.

وتتهم “الهيئة” ومعرفات مقربة منها “الجيش الوطني” بالانصياع لتركيا وقراراتها، وارتكاب الانتهاكات بحق المدنيين، وتهريب المواد المخدرة والممنوعات، وفقدان التنسيق فيما بين فصائل “الوطني”، بينما يتهم الأخير “الهيئة” بأنها تضيق على الأهالي، وتعتقل “الأحرار” وأنها كانت وراء خسارة المناطق “المحررة” التي استعادها النظام حتى وصل إلى مدن سراقب وغيرها في 2020، واتهامات بأنها منصاعة لأوامر التحالف وأمريكا.

تنظيم داخلي و”إنجازات”

أعربت “تحرير الشام” عن رفضها للانقسام الداخلي على صعيد الحوكمة والإدارة، وأفسحت الطريق أمام النخب الفكرية والأكاديمية ووجهاء المنطقة لتنظيم حياتهم وإدارة شؤونهم، في أطر حكومية واضحة ومحددة، تمثلت في قيادة حكومة “الإنقاذ” للحياة المدنية في كافة أشكالها، بحسب تسجيل “الهيئة” الذي استعرض “التأثير الإيجابي والإنجازات” على مختلف مناحي الحياة.

واعتبرت “الهيئة” أن تخريج دفعات الأطباء والمهندسين وغيرهم من الطلبة في مختلف الجامعات، بالتوازي مع تعبيد وتنظيم الطرق، وظهور اسم المدينة الصناعية في منطقة باب الهوى كخطوة غير مسبوقة، تهدف إلى تأمين شيء من الاكتفاء الذاتي وتشغيل اليد العاملة والتخلي عن فكرة استيراد كل شيء، هي إنجازات ظهرت تباعًا لعمل “الهيئة” و”الإنقاذ” المنظم.

الإنجازات كثيرة، بحسب التسجيل، على صعيد المحاكم والشرطة وتنظيم المرور والمؤسسات المعنية بتخديم المهجرين، وعديد الأصعدة والمجالات، وتلك الخطوات والإجراءات “المنظمة” التي اتخذتها “تحرير الشام” كانت سببًا مباشرًا في “استمرار زخم الثورة وصمود أهلها، ووجود واقع  ثوري راسخ القيم  والمبادئ يستعصي على الأعداء والمتسلقين”.

أنهت “تحرير الشام” التسجيل بالإشادة بقيادة “الهيئة” التي وصفت نفسها بأنها كرست كل هذه الإنجازات عبر “تجاهل المشتتات والسير بصلابة نحو الهدف ،رغم محاربة الآخرين لها، وشكلت نواة حقيقية وقاعدة صلبة يمكن للثورة أن ترتكز عليها لإدارة كافة المناطق التي سيحررها الأبطال عاجلًا أم أجلًا”.

الواقع مغاير

أصدرت حكومة “الإنقاذ” المظلة السياسية لـ”تحرير الشام”، عدة قرارات إدارية وخدمية في مناطق سيطرتها، بعد أن أحدثت سلسلة من المكاتب الزراعية والتعليمية والاقتصادية، وبدأت بإقامة مشاريع خدمية داخل المدينة.

وتترافق هذه القرارات مع العديد من الانتقادات والاتهامات بغياب أولوية الإنسان في خططها، ومحاولة إثبات شرعيتها بالمشاريع الخدمية، ومطالبات بتحسين الأوضاع المعيشية للأهالي وخصوصًا النازحين.

ويعاني سكان محافظة إدلب وأرياف حلب، شمال غربي سوريا، من ارتفاع أسعار السلع والمواد التي شهدتها الأسواق في المنطقة بشكل غير مسبوق، الأمر الذي يحول دون تأمينهم حاجاتهم من المواد الرئيسة والثانوية، ولا يقتصر الأمر على السلع والمواد الغذائية، إذ وصل الغلاء إلى مادة الخبز الأساسية، التي رصدت عنب بلدي صعوبة تأمين الناس حاجتهم منها، إذ لجأ الناس منذ أشهر إلى خبز التنور الأقل ثمنًا من خبز الأفران.

كما يعيش أغلب النازحين في مخيمات لا تتوفر فيها متطلبات التدفئة، مع قدم الخيام وتلف كثير منها، نتيجة العوامل الجوية المختلفة، ما يزيد المخاوف من إصابة الأطفال وكبار السن بنزلات البرد، وظهور أعراض صدرية وجلدية، كما أن 85% من مخيمات الشمال السوري أقدم من عمرها المتوقع وأكثر عُرضة للتلف، وأقل مقاومة للظروف الجوية.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة