“مرثية النار الأولى”.. الثورة السورية والإيقاع الواحد في شعر عبد الباري

ع ع ع

يصعب انتخاب بيت شعري واقتباسه للحديث عن ديوان “مرثية النار الأولى” للشاعر السوداني محمد عبد الباري، باعتبار أن معظم ما ورد في الديوان من قصائد وأبياتها يصلح ليكون افتتاحية ومقدمة تشويقية للقارئ.

في الديوان يخوض الشاعر الشاب تحديًا إبداعيًا، يحافظ خلاله على إيقاع القصيدة، وبالتالي الإيقاع الكلي للديوان، إذ قلما ينجو الشعراء من النزول عن سلم وحدة مقام القصيدة، فيقع البعض في فخ إطالة إلقائها على حساب طول بقائها في ذاكرة ووجدان المتلقي.

يتكوّن “مرثية النار الأولى” من 27 قصيدة، اتفقت على المستوى الجمالي، واختلفت في موضوعاتها وقيمها والرسائل المنطوية خلفها، فيتناول عبد الباري الثورة السورية، والشام وحمص، بأكثر من قصيدة.

كما يفرد في ديوانه قصيدة للناشط السلمي غياث مطر، الذي قُتل عام 2011 تحت التعذيب في معتقل تابع لـ”المخابرات الجوية، فرع المزّة” بدمشق، وهو أحد أكثر الأفرع الأمنية والمخابراتية سطوة وإرهابًا في سوريا.

وفي القصيدة التي حملت اسم “سبع سنابل إلى غياث مطر”، يقول محمد عبد الباري، “يا مطر الآيات الأولى، من سمّاك غياث؟ ها أنت تقيم نبوءته من مرقدها، ها أنت على اسمك يكتمل التاريخ، وتنتفض الأجداث”.

وإلى جانب الثورة ومفاهيم الرفض التي عبّر عنها الشاعر في عدّة قصائد، يستحضر عبد الباري الكثير من القيم السلبية ليصححها، ويثور عليها، وربما لينصف ضحاياها، فيكتب في مديح البدوي، ويشير إلى الطريد والشريد خلف الحدود.

ويقدّم أيضًا قصيدة باسم “نافذة لقمر أسمر”، وفيها يمتدح سمرة لونه، ويخرج الشعر من عالمه الروحي إلى المادي، مورثًا لمن لا يرون أبعد من اللون، أجوبة تترى عن تساؤلات قد لا تخطر ببالهم حتى، حول الآني، لا السرمدي الذي ينشده الشعر، أو يفترض على الأقل أن ينشده، إن لم يستطع بلوغه.

القصيدة لدى محمد عبد الباري مفخخة بالفلسفة وما وراء الكلمة، وإن كانت اللغة واضحة، لكنها أصيلة جزلة مستقاة من العتيق رغم طابعها الحداثي.

كما يغلب على الديوان غناه بـ”التناص”، وهو مصطلح أدبي ظهر في ستينيات القرن الماضي، للإشارة إلى وجود تشابه أو تقاطع بين نصين، مع انتفاء تهمة “السرقة”، طالما أن النص الجديد يضيف شيئًا إلى النص الأصلي الذي استقى منه فكرة أو صورة أو أكثر أو أقل.

وطالما أن لـ”التناص” أنواعًا، فعبد الباري يمعن في التناص التاريخي والديني، مستلهمًا صورًا ومصطلحات دينية، تغذي القصيدة من جهة، وتعمّق حضورها الروحي والإنساني، فيذكر الشاعر النبي يعقوب، والنبي أيوب، وتفاحة آدم، وجبل الطور، وعجل السامري، وغار حراء، كما يكتب “بريدًا عاجلًا إلى أبي ذر الغفاري”.

وعلى الضفة الأخرى، تحضر المرأة بخفة ورشاقة، وبمعنى أدق تحضر بغيابها، فالشاعر هنا يكتب “شتائية إلى امرأة لن تعود”، ويقول فيها، “أجتاز خارطتي إليكِ كأنما، وطنان لي، فأنا هنا وأنا هناك”.

“مرثية النار الأولى” أول دواوين عبد الباري، صدر عام 2013، على 144 صفحة ورقية، وأكثر من ذلك حتمًا بحضور القصيدة الجمالي، وغناها اللغوي، وشاعرية الصورة، وموسيقا الكلمة.

محمد عبد الباري، شاعر شاب ولد في مدينة المناقل، التابعة لولاية الجزيرة السودانية، عام 1985، واستطاع بالقليل من الدواوين والقصائد إثبات حضوره بين مجددي الشعر العربي.

كما حصد عدة جوائز أدبية، منها جائزة “الأمير عبد الله الفيصل العالمية”، عام 2019، في مجال الشعر العربي الفصيح.

وللشاعر ثلاثة دواوين أخرى هي: “كأنك لم تكن” الصادر عام 2014، و”الأهلّة” صدر عام 2016، و”لم يعد أزرقًا” الذي أبصر النور عام 2020.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة