مسنّات إدلب.. حائرات بين الفقد والنزوح وغياب الرعاية

سيدتان تجلسان في أحد مخيمات ريف حلب - 2018 (AFP)

ع ع ع

إدلب – هاديا المنصور

تحت خيمة بالية لا تقي حر صيف ولا برد شتاء، تعيش المسنّة “أم محمد” (60 عامًا) مع ابنتها الأرملة بلا حول ولا قوة، بلا عمل أو مساعدات ضمن ظروف صعبة لا يلتفت فيها أحد لمساعدتهن، أو التخفيف من أوجاعهن في مخيم “حربنوش” شمالي إدلب.

“أم محمد” نازحة من ريف حلب الغربي، يعتصر قلبها لرؤية أبناء ابنتها الأيتام الثلاثة من حولها، وهي لا تستطيع أن تقدم لهم شيئًا سوى جزء من حكايات الجدّات المليئة بالشوق والحنين لأيام خلت، بحسب ما قالته لعنب بلدي.

“الحياة صعبة ولا تطاق هنا، الفقر وصل إلى حد لا يمكن تحمّله، كيف لامرأتين ضعيفتين أن تتدبرا أمورهما هنا في هذا المخيم المنسي بلا سند أو معيل”، تساءلت “أم محمد”.

وأضافت أن أحوالهم المعيشية “مأساوية”، والفقر المدقع يعمّ المخيم الذي تكثر فيه الأرامل وذوو الإعاقة والفقراء، وقلما يتمكنون من تأمين احتياجاتهم الأساسية، وحتى دواء الضغط والسكري لم تعد تحصل عليه بعد توقف الدعم الطبي المجاني عن المخيم.

اجتمعت آلام الأمراض والعوز والنزوح بحياة المسنّات في إدلب، الفئة الأكثر ضعفًا وتأثرًا بالفقدان، بعد مضي 11 عامًا على الحرب التي تركت فيهن أوجاعًا لا يمكن مواساتها إلا بانتهاء الحرب، وعودتهن إلى بلداتهن التي هُجّرن منها.

لم تستطع الستينية خديجة الأيوبي أن تخفي دموعها حين بدأت تتحدث عن حالها التي وصفتها بالمزرية في مخيمات “دير حسان” الحدودية.

وقالت لعنب بلدي، “نعيش هنا على هامش الحياة، ننتظر الموت الذي صار أفضل بكثير من الحياة التي نعيشها، ربما يريحنا الموت من حياة بلا أمل، بلا رعاية بلا اهتمام، نصارع الفقر والمرض بأنفسنا هنا في هذه المخيمات الباردة، المنفى الذي وضعتنا به هذه الحرب دون رحمة”.

فقدت خديجة اثنين من أبنائها في الحرب، وتوفي زوجها بمرض عضال، وتعيش بمفردها في خيمة داخل مخيمات “دير حسان”، وقلما تجد من يساعدها في تأمين متطلبات حياتها، بعد أن فقدت أحباءها الذين لطالما حسبت أنها ستجدهم في كبرها وتقدمها في السن.

وأضافت، “في سوريا فقط يدفن الآباء أبناءهم، ويعيش الأهل متحسرين على شباب أبنائهم الذين ودعوا الحياة قبل أن يعيشوها”.

تحاول المسنّة متكئة على عصاها جمع ما يمكنها من أكياس نايلون وأعواد ونفايات من المكبّ القريب من المخيم كل يوم، علها تلوذ بدفئها مساء حين يتسلل البرد إلى جسدها الضعيف، ولا تجد مدفأتها سوى ما تجمعه لبعث شيء من الحرارة داخل الخيمة المظلمة.

تفتقد المسنّات في إدلب وشمال غربي سوريا الرعاية النفسية والاجتماعية والصحية، خصوصًا مع تفشي جائحة فيروس “كورونا المستجد” (كوفيد- 19) التي حصدت أرواح الكثيرات منهن، وقلما توجد دور لرعاية المسنّات في المنطقة، وسط معاناة السواد الأعظم منهن من أمراض مزمنة وصعوبة في تأمين الأدوية.

من جهة أخرى، تجد المسنّة حياة عبد العزيز (65 عامًا) في اجتماعها مع مسنّات مخيم “أطمة” كل يوم، متنفسًا لحزنها وشعورها بالوحدة وضغوطاتها النفسية، ونسيانًا لواقعها الصعب في مخيمات النزوح.

تعيش حياة مع حفيدها اليتيم بلا سند أو معيل، وتحاول الإنفاق على الطفل الذي قُتل والداه في القصف الذي طال بلدتهم الفطيرة، من خلال العمل بغزل المنسوجات الصوفية اليدوية، ومما تحصل عليه من مساعدات إغاثية.

قالت حياة، “ربما أتت الحرب علينا نحن المسنّات بآثار مضاعفة واستثنائية نتيجة ضعفنا وفقرنا، ولكننا نواسي بعضنا بعضًا من خلال التضامن الاجتماعي هنا في المخيم، نحاول أن نزرع الأمل ونكون عونًا لبعضنا ولو ببعض الاهتمام والكلمة الطيبة”.

لا تتوفر إحصائيات رسمية جديدة عن عدد المسنّين في سوريا، إلا أن أحدث التقديرات تشير إلى أن العدد تجاوز 1.7 مليون مسنّ، بنسبة تُقدّر بنحو 7.2% من تعداد السكان، ومن المتوقع أن يصل العدد إلى 5.7 مليون نسمة في عام 2050، بنسبة 13% من إجمالي عدد السوريين.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة