ع ع ع

حسام المحمود | جنى العيسى | حسن إبراهيم

باحتفالات نصر منتظَر، أحيا السوريون خارج مناطق سيطرة النظام، وداخل بعضها، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، الذكرى الـ11 لنداء الحرية الذي سُمع على طول البلاد وعرضها.

هذه “الحرية” شذّت عن تعاليم شعارات حزب “البعث”، وخرجت عن سياقها اللفظي والنظري إلى العملي، قابلها النظام السوري بدبابات في الشوارع، وطائرات في السماء، ومعتقلين في غيابات السجون، وملايين المهجرين داخل وخارج الحدود.

ومع تقدّم واسع في بداية الثورة للمعارضة السورية المسلحة التي تشكّلت لغاية لم تحققها، انكمش نفوذ النظام وتأثيره على الجغرافيا من جهة، وأمام المجتمع الدولي من جهة أخرى، حتى أتى التدخل الروسي عام 2015 وقلب الآية كليًا، مستفيدًا من وهن المعارضة التي تكاثرت سياسيًا وعسكريًا، ما ألقى بظلاله على واقع الثورة، فحضرت الاحتفالات، في 15 من آذار الحالي، وغاب النصر.

تناقش عنب بلدي في هذا الملف مع مجموعة من الخبراء السياسيين والعسكريين والمفكرين والمثقفين، العوامل التي أنهكت الثورة وأضعفتها بالمفهوم المادي، وتشرح معهم أيضًا ما تحتاج إليه الثورة السورية اليوم، وما خسرته طوال السنوات الماضية، مع إلقاء الضوء على عوامل القوة والمكاسب المتبقية للثورة.

ثورة واحدة.. أقطاب سياسة

تُعرّف السياسة بالمعنى الخاص على أنها فن إدارة الشأن العام، أو فن إدارة علاقات السلطة بالمجتمع، ما يعني أن العمل السياسي فرديًا كان أم جماعيًا “كالثورة السورية”، عمل يحتاج إلى إدارة سياسية وتأطير نظري، ينطلق من عمومية الفعل السياسي، ويخصصه ضمن قيم سياسية، ليُعاد طرح تلك القيم على العموم ضمن برامج عمل، بهدف مأسستها وتحويلها إلى مبادئ أو قوانين تؤطر العمل السياسي وتحكم معاييره.

وبحسب ما يراه الكاتب والصحفي ماهر مسعود، في مقالة بعنوان “ثورة بلا سياسة”، فالثورة السورية قد تكون أهم فعل سياسي قام به السوريون خلال نصف القرن الماضي، لكن بالمقابل، فإن أكثر ما افتقدته الثورة هو السياسة.

مظاهرة في مدينة إدلب بذكرى الثورة السورية ال 11 – 15 آذار 2022 (عنب بلدي / أنس الخولي)

ورغم تعدد المنابر والأجسام السياسية التي نادت بمطالب الثورة منذ عام 2011، لم تكن قادرة على التغيير الذي نادى به السوريون (الشعب يريد إسقاط النظام).

ونتيجة للتخبطات التي عانتها أو افتعلتها المعارضة السياسية للنظام، وعدم تحقيقها ما يتطلع له من خرج ثائرًا ضد الاستبداد، أصبحت الثقة من قبل الشعب بها وبأي تغيير قد يأتي على يدها “شبه معدومة”.

وكالجانب العسكري، مرت الثورة السورية خلال 11 عامًا بعدة مراحل على صعيد المعارضة السياسية التي تجمعت لتنشئ أول حراك سياسي بعد انطلاق الاحتجاجات السلمية بثلاثة أشهر (في 30 من حزيران 2011)، فأعلنت حينها عدة أحزاب سياسية وشخصيات معارضة تأسيس ما سمي بـ”هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي”، لتكون تحالفًا سياسيًا يجمع “معارضة الداخل”.

وبعد اجتماعات ومحادثات حضرها بعض أعضاء “هيئة التنسيق”، أعلنت مجموعة من الشخصيات المعارضة من مدينة اسطنبول، في 2 من تشرين الثاني 2011، تأسيس “المجلس الوطني السوري” كأول جسم سياسي “ممثل للثورة السورية” داخليًا وخارجيًا، برئاسة المعارض السوري برهان غليون، دون أن تنضم للمجلس المُشكّل “هيئة التنسيق”.

وفي عام 2012، شهد “المجلس” عدة انسحابات لأحزاب وأشخاص منه، وتشكيل أحزاب منسلخة عنه، لأسباب عدة، منها خلافات داخلية بين الأحزاب، وانتقادات طالته بسبب “عجزه وتقاعسه عن العمل”.

ومرورًا بالعديد من الأجسام والمسارات السياسية، من “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية”، ومنصتي “القاهرة” و”موسكو”، و”الهيئة العليا للمفاوضات السورية”، ومسارات “جنيف”، “أستانة”، “سوتشي”، وانتهاء بـ”اللجنة الدستورية”، تكررت المطالب وبرزت الحاجة إلى توحيد المعارضة، إذ لم تفلح كل تلك المسارات بإحراز تقدم ملموس يحقق جزءًا من مطالب الثورة.

السياسة والانتفاضة

تحتاج الثورة إلى قيادة سياسية توحد الرؤية لتطبيق أهدافها ضمن استراتيجية واضحة، وهذا ما لم تملكه الثورة السورية، إذ سعت القيادات السياسية التي ولدت تزامنًا معها إلى خلق منابر متعددة، بحسب ما أوضحه الدكتور في جامعة “السوربون” الفرنسية، والرئيس السابق لـ”المجلس الوطني السوري”، المفكر برهان غليون.

وتنتمي الثورة السورية إلى نمط الثورات الخضراء، ثورة شعبية عفوية وسلمية معًا، ولم تمتلك حزبًا ثوريًا محترفًا، ولا دعوة عقائدية عالمية تؤمّن لها دعمًا دوليًا من القوى الموالية لها، بحسب غليون، الذي أكد في حديث إلى عنب بلدي، أن الثورة لم تكن لديها أدوات سياسية، بل كانت الانتفاضة العامة والشاملة هي أداتها وجوهرها معًا، معتبرًا أن تقاطع المصالح الإقليمية والدولية العديدة مع النظام القائم عمل على تحويل الثورة إلى حرب طويلة المدى، على حساب الثورة وشعبها.

كما يرى المفكر والأكاديمي السوري الدكتور لؤي صافي، أن ثمة حاجة قصوى لتوحيد الصوت السوري المطالب بالتغيير في الداخل والخارج، إذ أدى الشعور بالفجوة الواضحة بين النخب السياسية والشارع السوري، إلى عدم الاكتراث بقيادات المعارضة.

ارتهان.. فخسارة الأدوات

يرى الدكتور لؤي صافي، أن للثورة أدوات سياسية خسرت بعضها لأسباب عديدة، والباقي لا يستفاد منه دون شروط.

وأوضح صافي، في حديثه إلى عنب بلدي، أن الثورة خسرت التلاحم الداخلي الذي ولّده الشعور بوحدة الهم والغاية، كما خسرت الاحترام الدولي الذي فرضته تضحيات السوريين وإصرارهم على رفض الاستبداد واستعدادهم لدفع ثمن الحرية والكرامة.

وأرجع المفكر أسباب خسارة الثورة هذه الأدوات التي كانت تملكها سابقًا، إلى تنازع القادة العسكريين ومماحكات السياسيين، التي أسهمت بتغيير الصورة وصولًا إلى جمود الملف السياسي، وارتهان ما بقي من مؤسسات الثورة والمعارضة للدول الداعمة.

وللاستفادة من الأدوات السياسية الحالية لدى المعارضة في سبيل حفظ استمرارية الثورة، يجب توحيد القدرات وهيكلة البنية المؤسسية وتطوير مشروع وطني محدد، وفق ما يراه صافي، منتقدًا في الوقت نفسه “الإصرار العجيب” على انتظار التحركات الدولية، وتجاهل أهمية التواصل مع القوى الشعبية وربط المؤسسات المدنية والسياسية في بنية متماسكة.

وبعد خسارة الثورة أهم أدواتها التي كان يعوّل عليها لتحقيق مطالبها، تثير تحركات المعارضة السورية اليوم التساؤلات حول مدى امتلاكها أوراق ضغط تحرّك بها الملف السوري، في ظل غياب الإجراءات الفعلية المنسوبة لها وتراجع سيطرتها العسكرية على الأرض.

الدكتور لؤي صافي، يعتبر امتلاك الأرض مهمًا، لكن الأهم امتلاك الرؤية والخطة والبنية، موضحًا أن الأرض يمكن أن يسلبها عدو لفترة من الوقت، لكنه لن يستطيع الاحتفاظ بها إذا امتلك أصحاب تلك الأرض الرؤية الواضحة لتحرير أرضهم.

وأكد أن المعارضة السياسية لا تملك أدوات ضغط لتحريك الملف السوري، بعد تدويل القضية السورية، مرجعًا ذلك إلى ضعف علاقتها بقواعدها الشعبية.

وأوضح صافي أن لاستعادة المعارضة السياسية المبادرة شروطًا ضرورية، كاستعادة العلاقة مع السوريين في الداخل والشتات، وتطوير خطة وبنية مناسبة للتعاطي مع التحدي.

لا معارضة دون التحام بالناس

يرى الدكتور برهان غليون، أنه مع الحالة التي وصلت إليها القضية السورية كملف على مائدة المفاوضات والمساومات الدولية، لم تعد هناك معارضة، أو مقاومة، أو حركة شعبية، أو وطنية.

وبرر رؤيته، بأن المعارضة أو الحركة الوطنية لا تقدّم ملفًا أو شكوى أمام الدوائر الدبلوماسية والسياسية الدولية، وإنما تعمل على الأرض مع الشعب لتحقيق أهدافه، وبمقدار قوة ومصداقية ونجاعة هذا العمل، تتحول القضية من ملف أو شكوى لا يلتفت إليها أحد، إلى تحدٍّ للقوى التي تريد وأدها أو التهرب من مسؤولياتها تجاهها.

وأكد غليون أن المعارضة السورية لا تملك أي وسيلة للتأثير إلا بمقدار ما تعمل على الأرض وتلتحم مع الناس وتنظم مقاوماتهم ونشاطاتهم المختلفة، موضحًا أن “التسول على أعتاب الدبلوماسية الدولية لا ينتج معارضة ولا يقدم قضية”.

وفد المعارضة يلتقي المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسن_ تشرين الثاني 2019 (الأمم المتحدة)

“السلطة غنيمة”.. لن تتوحد المعارضة

أوضح الدكتور لؤي صافي أن تعدد المنابر السياسية التي قالت إنها تتحدث باسم الثورة السياسية، أساء كثيرًا للثورة، إذ أدى تعطّش بعض السوريين لبدء العمل السياسي قبل استكمال عملية الانتقال السياسي، وتنافسهم على “سلطة” سياسية لا تزال هشة قبل نجاح الثورة، إلى أضرار عانتها الثورة، فـ”تنازع أصحاب الدار، يجعل التحكم بها من الخارج سهلًا”.

ويرى صافي أن أبرز معوقات توحيد المعارضة تتجلى بالثقافة السياسية السورية التي لا تربط العمل السياسي بالمسؤولية الأخلاقية والوطنية للفرد، وترى الوصول إلى السلطة غنيمة، إلى جانب غياب الجهود الضرورية لبناء الثقة والالتزام بالمبادئ والقواعد الضرورية للعمل العام والعمل المشترك.

كما أكد الدكتور برهان غليون أن توحيد المعارضة ممكن بالعمل فقط، والانتقال من “شخصنة” القضايا إلى تجريدها عن العواطف الشخصية، موضحًا أن ما يفسر انقسام المعارضة السياسية اليوم هو “عجزها عن تجاوز الخلافات التي هي بنسبة 90% منها شخصية وليست سياسية”.

هل يمكن إنعاش المعارضة السورية؟

لم يتفق الدكتور برهان غليون مع مصطلح “إنعاش المعارضة”، موضحًا أن السؤال الأصح هو كيف يمكن بناء معارضة، وعزا ذلك إلى عدم إمكانية إنعاش معارضة هزيلة أو هرمة أو غائبة أو تحولت إلى “جثة متعفنة” في بعض “ما يسمى مؤسساتها”.

وأضاف أن المعارضة تُبنى بالممارسة ومن خلالها، مشيرًا إلى الحاجة لصحوة وجدانية ووقفة تأمل وتفكير ومراجعة جدية، وشعور أفضل بالمسؤولية.

وتحتاج المعارضة السياسية السورية، وفق ما يراه الدكتور لؤي صافي، إلى بناء المؤسسات المدنية ورص صفوف الشارع، للانتقال من حالة انتظار الحل إلى توليده والقيام بمبادرات وطنية للوصول إليه.

وشدّد على الحاجة إلى بناء الوعي السياسي، ليشعر كل سوري بأن واجبه ممارسة ضغوط على قياداته السياسية والعسكرية، بغرض تقديم المصلحة العامة على الخاصة بدلًا من الجلوس في مقاعد المتفرجين، بحسب تعبيره.

ومن الضروري أن يجد من يتولى المسؤولية السياسية من يسائله يوميًا عن إنجازاته ومساهماته لجعلها أساسًا لاستمراره في دوره القيادي، وهذا ما لا يحصل في السياسة السورية منذ زمن طويل، وفقًا للدكتور لؤي صافي.

هل فقدت الثورة بوصلتها العسكرية

بعد أشهر من خروج المظاهرات السلمية المطالبة بإسقاط نظام بشار الأسد، ظهرت مجموعات محلية حملت السلاح الخفيف، لحماية التظاهرات ضمن المناطق الثائرة التي قابلتها قوات النظام وأجهزة الأمن و”الشبيحة”، بالرصاص الحي والاعتقالات واجتياح المدن والمناطق الثائرة.

ومع تبلور الصورة العسكرية عبر فصائل مسلحة أخذت طابعًا أكثر تنظيمًا، توسعت رقعة العمل العسكري، وأفلتت مناطق كثيرة من قبضة النظام الذي استخدم القوة “المفرطة” لتطويعها، حتى صار العمل المسلح عماد مواجهة النظام حينها.

ومع دخول حلفاء النظام (روسيا وإيران وحزب الله)، أخذت سيطرة المعارضة بالتراجع على الأرض، فتقلصت المساحات التي سيطرت عليها، وخبت نار “العمل العسكري الثوري” منذ مطلع عام 2020، باستثناء محاولات “خجولة” للرد على القصف.

وتعرضت الفصائل لانتقادات واتهامات بالعمالة، والانشغال بالمصالح الشخصية، ما سبّب استياء الأهالي الذين ناشدوا بفتح معارك ضد قوات النظام السوري، واستعادة أراضي المهجرين وأملاكهم.

مقاتلون في “الجيش الوطني” في أثناء تدريبات عسكرية بريف حلب الشرقي _18 من شباط 2022 (عزم/ تويتر)

هل الثورة بندقية؟

ارتبطت كلمة ثائر وثورة بالعمل المسلح في سوريا، وبقيت عالقة ومرتبطة في أذهان السوريين بالبندقية، لكن المحلل العسكري العقيد فايز الأسمر، يرى في حديث إلى عنب بلدي أن الثورة لا تتلخص بالعمل العسكري، فالثورات غالبًا ما تبدأ سلمية وما يدفعها إلى العمل المسلح تعنّت الأنظمة الاستبدادية القمعية وتمسكها بالحكم.

ويتفق المحلل العسكري الرائد السوري طارق حاج بكري إلى حد بعيد مع الأسمر، إذ يرى أن الثورة بالأساس ليست عسكرية، فالثورات فكر وليست عسكرة.

وفي حديث إلى عنب بلدي، أوضح حاج بكري أن الثورة تشمل كل مناحي الحياة، وأهمها تغيير الأفكار، فهي ثورة اجتماعية، ثقافية، اقتصادية، وثورة تحرر، والأداة العسكرية أداة للتغيير ولتحقيق أهداف الثورة، كما أن الهدف ليس العسكرة، بل الوصول بسوريا إلى دولة تلبي مطالب الشعب.

رحى المعارك لا تدور

بعد اتفاق “موسكو” في آذار 2020، الذي نصّ على وقف إطلاق النار في إدلب على طول خط التماس بين النظام وحلفائه من جهة، والمعارضة المسلحة من جهة أخرى، اقتصر العمل العسكري على ردود فعل “خجولة”، كقنص عناصر أو استهداف أماكن تمركز لقوات النظام في مناطق ضمن مرمى فصائل المعارضة، مقابل قصف شبه يومي يشنه النظام وحلفاؤه، مخلّفًا أضرارًا بشرية ومادية.

العقيد فايز الأسمر يعتبر أن السلاح “مرتهن للغير” والبرهان موجود على أرض الواقع، فالميادين والجبهات خرساء منذ سنوات، إلا من قذائف وصواريخ النظام وضربات الطيران الروسي.

وبرأي الأسمر، فالفصائل لا تتحرك بسبب الارتهان وانشغال القيادات بمصالحهم الشخصية، وتحصيل الأموال والتجارة.

وتتعرض بعض فصائل المعارضة لاتهامات بالانشغال عن العمل العسكري، واختراع مناصب فخرية ومناسبات ذات طابع اقتصادي أو خدمي، كما تُتهم بتهريب المواد والبشر عبر المعابر، وبعضها أُدين بهذه التهم، بينما يرجع الرائد حاج بكري حالة الركود العسكري إلى فقدان القرار، معتبرًا أن الركود الحالي ليس بإرادة داخلية.

تعدد رايات.. تضارب مصالح

تعددت الرايات والفصائل العسكرية كما تعددت الأسماء، رغم تصويب مختلف البندقيات باتجاه النظام وحلفائه، ورغم وجود جسمين عسكريين في مناطق شمال غربي سوريا الخارجة عن قبضة النظام، أبرزها “الجيش الوطني” الذي ضم العديد من الفصائل التي قاتلت منذ بداية الثورة، وأُعلن تشكيله في تشرين الأول 2019، و”هيئة تحرير الشام” التي بدأت عملها العسكري منذ 2011 بعدة مسميات مختلفة، لتُعرف باسمها الحالي منذ 28 من كانون الثاني 2017.

وأثار تعدد الرايات تساؤلات حول معوقات توحيد الصف، التي يرى العقيد الأسمر أنها تكمن في الفصائلية و”الأنا”، والعصابات المستشرية ضمن الفصائل والتي يرتبط انتهاء مصالحها وارتزاقها بوصول الجيش إلى المؤسساتية والانضباطية، وفق رأيه.

بينما أكد الرائد حاج بكري أن تعدد الرايات جاء نتيجة لصراع الدول وحربها فيما بينها على أراضٍ سورية وبأيادٍ سورية، وتوحيد هذه الرايات مرتبط بالقرارات الدولية ومواقف الدول، سواء الولايات المتحدة أو روسيا أو تركيا.

كما يرتبط بالقرار الدولي بإزاحة النظام، وهذه الفصائل لا يمكن أن تتحرر قبل إزاحة النظام، ما سيمهد حينها لتوحيد الفصائل العسكرية وتشكيل جيش وطني حقيقي بديل عن هيكلية النظام العسكرية، وذي تأثير على المستوى السوري بشكل كامل.

الحديث عن افتقار ساحة الثورة لفتح معارك ضد النظام، فتح الباب أمام الأدوات العسكرية التي خسرتها الثورة اليوم، والتي يوضح المحلل حاج بكري أن تلك الأدوات من معدات وعتاد لا تزال موجودة، وأصبحت أفضل وأقدر على فتح المعارك وتحقيق النصر، لكنها محجّمة وممنوعة من العمل.

الركود مستمر

حالة الركود العسكري عززت مخاوف السوريين وقلقهم حول الوضع الذي ستؤول أو تتجه إليه البلاد، بالتوازي مع حرب جديدة بدأتها روسيا ضد أوكرانيا مؤخرًا، وأخذت معها كثيرًا من الاهتمام الدولي نحو باب معاناة فُتح للتو، دون أن يوصد الباب الأول في سوريا أصلًا، لكن تطويق الملف السوري، وتحجيم مخاطره الإقليمية أو الدولية، أنزله درجة أو أكثر عن سلّم الأولوية الدولية.

ويرى حاج بكري أن الظروف تسير إلى الإبقاء على الوضع الحالي، مع احتمالية توزيع مناطق نفوذ في سوريا، وهو أمر مرتبط بالتغيرات الدولية في المنطقة القريبة، والأبعد، فالحرب في أوكرانيا سيكون لها تأثير كبير في الشأن السوري.

وأضاف المحلل العسكري أن الوضع في سوريا تحوّل إلى صراع دول، وليس ثورة ضد نظام جائر فقط، فهناك من يدعم النظام، وهناك من يدعم فصائل المعارضة، لكنهم يحافظون على الوضع الراهن، لتحقيق مكاسب سياسية وربما اقتصادية وربما جيو- استراتيجية في منطقة شرقي المتوسط، التي تعتبر بقعة مهمة من الناحية الاستراتيجية عالميًا.

ماذا تحتاج الثورة اليوم عسكريًا؟

إنشاء مؤسسة أكاديمية عسكرية مختصة بقيادة حازمة تنتفي فيها المحسوبيات و”الشللية”، وتمزق فيها الأعلام والرايات الفصائلية تحت علم الثورة، إلى جانب إقامة محاكم عسكرية لمن يجرؤ على المساس بمصالح الثورة وأهدافها، هذا أبرز ما تحتاج إليه الثورة اليوم برأي العقيد فايز الأسمر.

ومؤخرًا، أُدينت عدة فصائل وقيادات بارتكاب انتهاكات، دون أن تجري محاسبة مرتكبي هذه الانتهاكات، كما لم تستطع الجهات القضائية والأمنية “تحقيق العدالة”.

الرائد طارق حاج بكري شدّد على أن الثورة تحتاج إلى توحيد مواقفها الخارجية على الصعيد السياسي المنطلق من الدعم الداخلي لشخصيات ذات نفوذ وقوة، قادرة على إثبات نفسها على الصعيد الدولي، وبالتالي تحقيق الاعتراف بالثورة، ما يعني مكاسب سياسية قادرة على الوصول إلى مراكز القرار على مستوى العالم.

كما أن الأدوات، بحسب حاج بكري، تشمل توحيد السياسة والسياسيين، مبينًا أن المعارضة لوحدها غير قادرة على التصرف بمعزل عن سياسيين ثوريين ينتمون إلى الداخل، وبالتالي توحيد السياسيين الثوريين مع المعارضين للنظام السوري، وهذا أول ما يجب العمل عليه، إلى جانب خلق حالة ضغط شعبي يطالب بتوحيد الفصائل العسكرية والمواقف السياسية، والبحث عن قوة قادرة على فرض الوجود السياسي الثوري على المستوى الدولي والإقليمي، وهو ما تحتاج إليه الثورة حاليًا.

عنصران في “جهاز الأمن العام” في أثناء مظاهرة لأحياء الذكرى 11 للثورة السورية في دير حسان بريف إدلب _16 من آذار 2022 (المراسل العسكري/ تلجرام)

“الفن السياسي”.. للواقع والمستقبل

إذا كان الفن نشاطًا إنسانيًا إبداعيًا يجسّد ما كان، أو ما هو كائن، أو ما ينبغي أن يكون، فإن ظهور حالة نشاط فني وثقافي ترافق مع الثورة ليعبر عنها وعن قضاياها جاء استجابة طبيعية ليشكّل مسارًا تكميليًا للنضال السياسي والعسكري.

ورغم أن الفن يعبّر إلى حد بعيد عن نهضة الدول وحالتها الحضارية، فهو في الوقت نفسه وسيلة حضارة ما قبل النهضة، وحتى في حالات الفوضى، ليكون شاهدًا على الحدث وكاتبًا للتاريخ بغير الأرقام والإحصائيات، ومن هنا برز ما يسمى بـ”الفن السياسي”.

واتفق المحللان العسكريان اللذان قابلتهما عنب بلدي على أن وجود السلاح الذي استُخدم لصدّ النظام وحلفائه لا ينفي الحاجة إلى الإرادة والعزيمة، والرغبة في التغيير، والروح القتالية، طالما أن جزءًا لا بأس به من أي معركة هو حرب نفسية أيضًا.

وكانت مختلف المناطق الخارجة عن سيطرة النظام شهدت احتفالات وفعاليات ثورية تذكّر الرأي العام العربي والدولي بالسيرة الأولى للثورة السورية قبل 11 عامًا كاملة.

المحلل حاج بكري أكّد أن الأداة الأنجع والأكثر فعالية في أي ثورة لا تزال موجودة، وهي الإرادة والروح المتّقدة.

وخلال الصراعات عادة، يركّز طرف ما على محاولة طرف إضعاف إرادة الآخر، ما يعني بالضرورة إضعاف مقاومته، وهذا ما لم يحدث على الأقل حتى الآن في الثورة السورية، التي تؤكد استمراريتها بسبل شتى، وفق حاج بكري.

ووفق دراسة بحثية صادرة عن “المجلة العربية للنشر العلمي”، في تشرين الثاني 2019، ففي الوقت الذي تكثر فيه الأزمات السياسية والإنسانية، يحاول بعض الفنانين المشاركة في الأحداث للتعبير عن صوت وآراء المهمشين، والدفاع عن حقوق الإنسان في وجه الدكتاتورية والاستبداد ومظاهر الظلم المجتمعية، أو للتعبير عن وجهات نظر معيّنة تجاه بعض القضايا المهمة.

الثورة تحملها الصدور

بلال البرغوث شاب سوري له العديد من المؤلفات الأدبية التي تدور في فلك الثورة السورية، وتتخذ من أحداثها ووقائعها إطارًا زمنيًا لسردها، يرى أن هوية جديدة لسوريا ظهرت مع بداية الثورة، فإلى جانب المبادئ والقيم الراسخة التي نادى بها المتظاهرون، برزت حالة ابتكار ثقافي بـ”العتابا والميجانا”، واللافتات والجداريات والرسوم الكاريكاتيرية.

وأشار بلال، في حديث إلى عنب بلدي، إلى أن القصيدة دخلت على خط الحدث أيضًا، دون أن يكون ذلك كافيًا، والسبب تشظي الحالة التنظيمية بطبيعة الحال، فكل من استطاع العبور بأفكاره ولوحاته وموسيقاه، فبجهده الشخصي البحت.

ولا يمكن مقارنة الحالة الثقافية في بيئة الثورة بالحالة الثقافية في مناطق سيطرة النظام السوري، باعتبار أن النظام لم يقدم هوية ثقافية أو فكرية حقيقية لسوريا منذ وصوله إلى السلطة، وكل ما يقدم في الإعلام وعبر قنوات الفن ورجال الدين هو رواية النظام فقط، برأي بلال.

خلقت الثورة حالة ثقافية نشطة نوعًا ما، تجلّت بالوصول إلى منابر عالمية، وتكريمات دولية، ووصول صور تؤكد وتؤرخ لحظات ثابتة من مأساة السوريين إلى مختلف دول العالم، عبر معارض استقت مادتها من الحصار والقصف لتعرض الحالة على الرأي العام العالمي، دون إغفال دور الموسيقا والأغنية، وهو دور لا يختلف قيمة وتأثيرًا عن كل ما سبقها.

ويستقي بلال قصصه من حياة أشخاص عرفهم في الواقع، مرورًا بالنزوح والحصار والتهجير واللجوء والحياة في المنفى، كما يلفت إلى مشاركة الأدب في التأريخ، وأرشفة الحدث والمرحلة التي لا تزال المنطقة تعيشها بما فيها من خفايا لا يمكن بطبيعة الحال الكشف عنها، طالما أن هناك أنظمة دكتاتورية لا تزال قابعة على جماجم الناس.

“لا بد أن يكون لهذه المرحلة مؤرخوها الذين يكتبون بنبض الشارع، لا بإملاءات الدكتاتوريات”.

المأساة حالة باقية بالنسبة للسوريين، إن لم تكن في واقعهم ففي ذاكرتهم ربما، طالما أن جراح الذاكرة صعبة الشفاء، والتأريخ والتوثيق هنا، برأي بلال، ليس لأخذ العبرة، لكن لحق الضحايا بأن يظل صوتهم باقيًا بعدهم.

مظاهرة في مدينة الباب بذكرى الثورة السورية ال 11 – 15 آذار 2022 (عنب بلدي)

أداة تحريض لا رفاهية

استجابة لمطالب التغيير وإسقاط ما هو متهالك وهش، وغيرها من الأفكار الثورية، يلجأ الفنانون لأدواتهم، بعد إخراج الفن من سياقه الترفيهي إلى التحريضي، لتنشيط مخيلة الجمهور وخلق التساؤلات، والإضاءة على جوانب وتفاصيل يعيشها الفرد دون أن ينتبه إلى وجودها.

وهنا يتحول الفن إلى ضرورة وسلاح، لا ترف ورفاهية، باعتباره سلاحًا من نوع آخر يسهم في عملية الغرس الثقافي، ما يفسر سعي الأنظمة الشمولية لترويضه وتوجيه مساره.

عزيز الأسمر رسّام سوري يقيم في إدلب، اتخذ من حطام المباني التي دمّرها قصف النظام والروس أرضية للوحاته التي تحاكي واقع القضايا الإنسانية في العالم ككل، فرسم تضامنًا مع أوكرانيا، ولمناهضة العنصرية، ولرحيل مارادونا، ورسم للقدس، وللثورة وهمومها، ورحيل أبرز وجوه مظاهراتها، عبد الباسط الساروت.

قال الأسمر، في حديث إلى عنب بلدي، إن الجانب الثقافي والفكري في الثورة بحاجة إلى مزيد من الاهتمام والتطوير وتبني الكفاءات وتأمين ما يدعم إبداعها، وهو ما يعتبره سلاحًا فعالًا في تقويض افتراءات النظام وتكذيب مزاعمه وإظهار أن الثورة السورية ثورة فكرية وإنسانية.

“الفن مرآة تعكس آلام الناس وأحلامهم، وحين يتحول إلى مساحيق تجميل لوجه النظام يسقط أخلاقيًا وتاريخيًا”.

وبالمقارنة مع الحالة الثقافية في مناطق سيطرة النظام، يشدّد عزيز على أن فارق العدد والإمكانات وتسليط الضوء بين الحالتين شاسع، ففنانو الثورة نتاج ظلم وتهجير، و”النخب الثورية” من الشعب الطيب وغير منفصلين عن أحلامه وآلامه، على خلاف “النخب المرفهة” التي تبني بينها وبين محيطها جدارًا عازلًا.

وحول دور الفن في نقل صورة ما يجري، أوضح الأسمر أن الفنون لغة عالمية يفهمها المتلقي في أي بقعة من العالم، ويظهر أثرها في الوجدان، فالكثير من الأناشيد التي تغنت بالحرية في سوريا يرددها تواقون للتحرر من الظلم في بلدان أخرى، والرسومات التي تتناول عذابات الإنسان وأمانيه تصل إلى الناس بصرف النظر عن العرق واللون والجنسية.

“بالرسم قلنا إننا لسنا إرهابيين، وثورتنا تملك ثقافة وأخلاقًا وحسًا إنسانيًا، الرسومات توثيق صادق لتاريخ جعل أنقاض منازل السوريين رسومًا توضيحية في أوراق دفاتره”.

رسام “الجرافيتي” السوري عزيز الأسمر

ويدعو الأسمر إلى مواصلة الفنون والحركة الثقافية إيصال رسائلها بصرف النظر عن التحديات.

الفن يشكّك بمعايير السياسة

تشير الدراسة البحثية الصادرة عن “المجلة العربية للنشر العلمي”، إلى قدرة الفن (والأدب جزء منه)، على خلق تأثير على المجتمعات، عبر تحدي الأفكار الرائجة، وإثارة أخرى جديدة، والتشكيك بالمعايير السياسية والاجتماعية المعمول بها، ما يجعل هذا الفن أداة من أدوات التغيير المنشود.

عبد السلام الشبلي، شاب سوري له مجموعتان شعريتان وكتاب نثري، ومجموعة قصصية باسم “رصاصة أخيرة في حلم مزعج”، نالت جائزة “سعاد الصباح” للإبداع الفكري والأدبي عن فئة القصة القصيرة مؤخرًا، أوضح في حديث إلى عنب بلدي تمسكه بالكتابة تحت ظل الثورة، مقدار تمسكه بالكتابة نفسها.

وأكد عبد السلام أن الكتابة خارج إطار الثورة وحقوق السوريين فكرة لا يحبذها، مشيرًا في الوقت نفسه إلى حضور الثورة في كل ما كتب حتى اليوم، سواء بشكل مباشر، كما فعل في مجموعته الشعرية الأولى “أنوثة وطن”، أو بشكل تعبيري، كما كتب بمجموعته الشعرية “لا نص يجب أن يكتمل” أو روايته “هوامش الحب والحرب”، وحتى مجموعته القصصية “رصاصة أخيرة في حلم مزعج”.

وبهذه الطريقة تتجلى وظيفة الأدب الحقيقية، فيكون صوتًا للمظلومين غير القادرين على إيصال صوتهم، برأي عبد السلام، الذي يشدّد على أن الصوت والدم والدمار واللجوء والاغتراب، كل ذلك أوصل رسالة السوريين، لكن أين رجع الصدى؟

مقالات متعلقة