ع ع ع

حسن إبراهيم | مأمون البستاني | لجين مراد

شهدت العملية التعليمية، خلال سنوات الثورة السورية منذ عام 2011، ظروفًا معقدة، تداخلت فيها العوامل الاقتصادية مع الأمنية والسياسية، وتركت آثارًا مدمرة على هذا القطاع، فكان المعلمون ضحايا كحال الطلاب.

وفي الوقت الذي لم تنقطع فيه الدراسة بمناطق تحت سيطرة النظام، كانت العملية التعليمية في شمال غربي سوريا تتعرض لهزّات استهدفت رأس الهرم في العملية، وهو الكادر التدريسي، إذ وجد كثير من المعلمين أنفسهم مضطرين لترك مهمتهم وشغفهم بالمهنة، وانخرطوا في أنشطة أخرى لتأمين كفاف يومهم وعائلاتهم.

جهات يُفترض أنها تتولى إدارة الحياة العامة في المنطقة تقاذفت المسؤولية، وغاب من يتبنى ضمان استمرار التعليم، وتأمين معاشات الكادر التدريسي، ومع ذلك فإن الكثير من المعلمين ضحوا لأجل المهمة الجليلة، وخدموا برواتب متقطعة، أو دونها.

تطرح عنب بلدي في هذا الملف مع مجموعة من الاختصاصيين والمعنيين، ظروف وواقع المعلمين في شمال غربي سوريا، وتسلّط الضوء على مصادر المعاشات، والجهات الممولة، وأسباب عدم انتظام الدعم لقطاع التعليم في المنطقة.

المأساة لم تتوقف بعد

خلال رحلة المسيرة التعليمية الطويلة في إدلب، يتخبط المعلم بين إيمانه بضرورة مواصلة العملية التعليمية من جهة، والدعم المتقطع الذي يتحكّم بوضعه المعيشي ولقمة عيشه من جهة أخرى.

ومنذ انقطاع منحة منظمة “كيمونكس” أواخر عام 2019، ارتهن عيش آلاف المعلمين لرواتب متقطعة، بينما وجد آخرون أنفسهم مضطرين للعمل التطوعي حتى العام الدراسي الحالي، واقتصرت أجورهم على سلال غذائية بالكاد تسد الرمق، إن وجدت.

“أعطي دروسًا في الصباح، وأعمل حارسًا في الليل”، قال شعبان العلي (40 عامًا)، شاكيًا مخاوفه من التهديدات التي تطارد العملية التعليمية في إدلب، وحاجته إلى دخل يطعم من خلاله أطفاله الستة.

أضاف شعبان، وهو معلم لغة فرنسية في ريف إدلب، لعنب بلدي، “أعمل منذ أكثر من ثلاث سنوات تطوعًا، لم أتقاضَ خلالها أي مقابل مادي، كآلاف المعلمين الذين أُجبروا على العمل بمهن متنوعة إلى جانب التعليم، للحصول على قوت يومهم دون التخلي عن إيمانهم بالعلم وأهميته”.

وأرجع المدرّس شعبان تدهور العملية التعليمية لسوء أوضاع الكادر التعليمي، موضحًا أن المعلمين أساس التعليم، وما يتعرضون له من ضغوطات يعطّل سير العملية التعليمية كاملة.

منحة “كيمونكس”:

منحة مقدمة من الاتحاد الأوروبي لدعم قطاع التعليم في مناطق شمال غربي سوريا

قدمت المنحة رواتب شهرية لـ56% من المعلمين في المنطقة، لكن المنظمة أعلنت توقف المنحة في أيلول 2018

حسين هاشم (51 عامًا)، معلم لغة عربية في ريف إدلب، قال لعنب بلدي في تسجيل صوتي عبر “واتساب”، “العلم الرسالة الأسمى التي أمضيت معظم سنوات عمري محاولًا نقلها للطلاب، واليوم رغم اللذة التي أجدها خلال إعطاء الدروس، صار غياب الرواتب شقاء لي ولمعظم المعلمين”.

معلمة وطلاب داخل صف في إحدى مدارس مدينة إدلب – 21 من نيسان 2021 (عنب بلدي)

ويرفض هاشم خيار التخلي عن مهنته انصياعًا للظروف، معتبرًا مستقبل الأطفال في إدلب مسؤولية الجميع، والتخلي عنهم يعني المشاركة بتدمير العملية التعليمية.

“أُسأل بكثرة كيف أستطيع إطعام عائلتي وأنا أعمل متطوعًا منذ أكثر من ثلاث سنوات، والحقيقة أنني أعمل مع عائلتي بتكسير الجوز، لكنه عمل يرهق زوجتي وأبنائي”.

وبرأي مدرّس اللغة العربية، فإن هناك خططًا لتعطيل العملية التعليمية، معتبرًا الضغوطات التي يواجهها المعلمون دليلًا على ذلك.

تتقاذف جهات عدة مسؤولية سير العملية التعليمية، في ظل غياب جهة رسمية مخولة بإدارة دفة العملية التي ترسم مصير ومستقبل آلاف الطلاب في الشمال السوري.

وفي المقابل، تتكرر مأساة المعلمين بشكل سنوي، ما أسفر عن إغلاق العديد من المدارس، ودفع عشرات المعلمين للتخلي عن مهنتهم خلال السنوات الأربع الماضية.

ولجأ العديد من المعلمين لمهن وحرف مرهقة لـ”تأمين لقمة العيش”، والحفاظ على كرامتهم.

وأسفر غياب الدعم عن إغلاق العديد من المدارس والروضات، إلى جانب عشرات المدارس التي ما زالت مهددة بالإغلاق، إذ أجرى المعلمون العديد من الإضرابات خلال السنوات الماضية، مؤكّدين أن غياب الدعم يدفع قطاع التعليم إلى “الهاوية”، ويهدد بإغلاق عشرات المدارس.

ودفع غياب الدعم العديد من المدرّسين الذين يعملون أعمالًا إضافية إلى جانب التعليم، والأهالي، إلى تقديم تبرعات لضمان استمرار سير العملية التعليمية، وحماية آلاف الأطفال من خطر الجهل.

وخلال عام 2021، نظّم المعلمون في مختلف مناطق إدلب وريف حلب الغربي وقفات احتجاجية تحت شعار “معلم بلا حقوق.. وطن بلا تعليم”، للمطالبة بإعطائهم حقوقهم، وتسليط الضوء على قضية التعليم التي ما زالت مغيّبة.

من يدير التعليم في إدلب

تصدّرت حكومة “الإنقاذ” المظلة السياسية لـ”تحرير الشام” المشهد في محافظة إدلب، منذ تشكيلها مطلع تشرين الثاني 2017.

وسيطرت على مفاصل الحياة خدميًا وإداريًا، عبر سلسلة من المكاتب الاقتصادية والزراعية والتعليمية، وأقامت مشاريع خدمية داخل المدينة، وتسلّمت كامل الدوائر والمؤسسات، منها التعليم، والمياه، والتموين، والخدمات، والكهرباء، والعقارات، والإعلام، والآثار، والمعابر، والاتصالات، وغيرها.

ورغم وجود مديريات ومؤسسات ونقابات تدّعي الاستقلالية، وعدم تبعيتها لأي جهة، نفى مدير التعليم الأساسي في “الإنقاذ”، ماهر الحمدو، لعنب بلدي، في مراسلة إلكترونية عبر تطبيق “واتساب”، وجود أي مؤسسة تعليمية في مناطق سيطرة “الإنقاذ” لا تتبع لوزارة التربية.

وتستعرض وزارة التربية والتعليم في “الإنقاذ” أعمالها، عبر نشر تسجيلات مصوّرة لما حققته خلال فترات متتابعة، ما يقابَل بانتقادات واسعة من بعض المعلمين الذين يعتبرون الأمر لا يعدو كونه أعمالًا روتينية، يجري تصويرها على أنها “إنجازات”.

بينما يرى بعض المعلمين الذين تحدثت إليهم عنب بلدي، أن من المعيب ذكر أعمال كهذه تحت إطار الإنجازات والارتقاء بالتعليم، فهي مجرد إشراف وتفقد وتكريم، دون الاكتراث لواقع المعلمين، الذين هم “حجر الأساس في العملية التعليمية”.

ونشرت الوزارة تسجيلًا مصوّرًا، في 4 من نيسان الحالي، استعرضت عبره إنجازها عدة أعمال خلال أسبوع، وصفتها بـ”المميزة لترقى بالواقع التعليمي على الأصعدة كافة”.

ولاقى التسجيل انتقادات، إذ احتوى على تكريم منظمات عاملة في الشمال، والإشراف على البطولة المدرسية لكرة القدم التي أقامتها مدرسة “جيل المستقبل” في بلدة حزانو بريف إدلب الشمالي، كما تضمّن الانتهاء من تسجيل الطلبة المتقدمين لامتحانات الشهادتين الثانوية والإعدادية.

ويوثّق التسجيل ذاته حضور وزير تربية “الإنقاذ” مباراة نهائية لكرة القدم في بطولة “ربيع المستقبل للمدارس”، وتصديق الشهادات للحاصلين عليها في وقت سابق، أو من خارج مناطق سيطرة “الإنقاذ”، وبدء الاختبارات الفصلية في معاهد المجمعات التعليمية، إلى جانب الاطلاع على سير التعليم في الثانوية المهنية، وافتتاح معرض “الروبوت الآلي”، وإصدار برنامج امتحانات الشهادتين الثانوية والإعدادية.

وعود تجانب الواقع

في مطلع العام الحالي، شهدت مدينة إدلب وريفها إضرابًا للمعلمين، في سبيل نقل معاناتهم المتواصلة منذ سنوات، وتسليط الضوء على وضع التعليم في المنطقة، بينما لم تقم الأطراف التي تدّعي مسؤوليتها عن المعلمين بتحرك واضح لإنقاذ التعليم وتلبية مطالب المعلمين.

المعلم وعضو لجنة تنسيق الإضراب هيكل محمد العيسى، قال لعنب بلدي، إن مطالب المعلمين كانت تأمين راتب دائم يحفظ كرامة المعلم، وإصلاح العملية التربوية في المنطقة.

ورغم أن وزارة التربية والتعليم التابعة لحكومة “الإنقاذ” وعدت بحلول إسعافية للعملية التعليمية، وبدء تنفيذ خطة اعتبارًا من منتصف شباط الماضي، لتشمل معظم الكادر المتطوع، اقتصرت “الحلول” على منحة قدرها 1300 ليرة تركية، قُدمت مرة واحدة لنحو 5000 معلم متطوع.

قُدمت المنحة من قبل منظمة “أمة”، بالتنسيق مع وزارة التربية في حكومة “الإنقاذ”، مع وعود بتكرارها وتأمين سلال غذائية للمعلمين، وفق ما قاله العيسى.

وعزا العيسى تراجع المعلمين عن إضرابهم إلى عجز وزارة التربية التابعة لـ”الإنقاذ” عن دعم المدرّسين دون تمويل من “تجار الحرب”، الذين يديرون الحكومة، وفق رأيه، ما أجبر الحكومة على الضغط على المعلمين لإنهاء الإضراب.

وفي استطلاع رأي أجرته عنب بلدي عبر موقعها الرسمي، اعتبر 74% من المشاركين في التصويت البالغ عددهم 86 شخصًا، أن قلة الدعم هي السبب وراء التخبط في دعم معلمي إدلب، في حين عزا 26% السبب لسوء إدارة الدعم.

طلاب في ساحة إحدى مدارس مدينة إدلب – 21 من نيسان 2021 (عنب بلدي)

أربع مديريات.. جهود مبعثرة

لسنوات، أثبتت المديريات التعليمية الأربع عجزها عن تأمين الدعم المادي للمدرّسين، إلى جانب ضعفها الواضح بتأمين الحد الأدنى من مستلزمات العملية التعليمية، من كتب ورواتب ومعدات لوجستية وترميم للمدارس.

وتدّعي المديريات الأربع أن عملها مستقل عن حكومة “الإنقاذ”، بينما أكّدت الحكومة لعنب بلدي أنها تشرف على عمل المديريات بشكل كامل.

تظهر “مديرية تربية إدلب الحرة” في واجهة إدارة التعليم، لكونها تضم أكبر عدد من المعلمين، وهي المسؤولة عن تسجيل المعلمين بشكل رسمي، وتنسيق الدعم المقدم للمدارس والمعلمين.

كما أُنشئت خلال السنوات الماضية مديرية تربية حلب، ومديرية تربية اللاذقية، و”مديرية تربية حماة الحرة”، لتغطية مناطق سيطرة حكومة “الإنقاذ” التي تشمل محافظة إدلب وريفها، وريف حلب الغربي، وجزءًا من ريف حماة الشمالي، وجزءًا من ريف اللاذقية.

وتعمل المديريات الأربع مستقلة عن بعضها، وتضمّ كل مديرية عددًا من المعلمين المسجلين رسميًا بها، لتكون المسؤولة عن تنظيم الدعم المقدم لهم.

المعلم وعضو لجنة تنسيق الإضراب هيكل محمد العيسى، أرجع تشتّت قطاع التعليم إلى تعدد الجهات المسؤولة عنه، ووجود جهات منفصلة تعمل دون تنسيق بينها.

مدير “تربية إدلب الحرة”، محمود باشا، برر سوء الواقع المعيشي للمعلمين بقلة الدعم الذي أجبر معظم المعلمين على العمل دون مقابل مادي.

وأوضح باشا لعنب بلدي، أن منحة منظمة ” كيمونكس” عادت قبل نحو أربعة أشهر لتغطي حاجة 4000 معلم مسجلين لدى التربية، إلى جانب حوالي 3000 آلاف معلم آخرين تتكفل منظمات محلية برواتبهم، بينما ما زال نحو 6000 معلم مسجلين لدى المديرية يعملون بشكل تطوعي.

من جهته، قال مدير “تربية حماة الحرة”، مروان الحمادي، لعنب بلدي، إن المديرية التي أُسست عام 2014، تهدف إلى التواصل مع الجهات المعنية بالشأن التعليمي من منظمات وغيرها، لتأمين رواتب أو منح شهرية للمعلمين البالغ عددهم 190 معلمًا، في المدارس التابعة لها، حيث يعمل 160 منهم بشكل تطوعي.

وبحسب إحصائية حصلت عليها عنب بلدي من “مديرية تربية اللاذقية الحرة”، بلغ إجمالي عدد المعلمين المسجلين رسميًا لدى التربية 600 معلم، بينهم 32 معلمًا متطوعًا.

وإلى جانب المديريات الأربع، ظهرت في مطلع عام 2021 “نقابة المعلمين السوريين”، لكنّها ما زالت غير مفعّلة.

وأبدى معظم المعلمين الذين تحدثت إليهم عنب بلدي، عدم اكتراثهم بوجود النقابة، مشككين بجدواها، باعتبارها “مجرد شكليات” لن تغيّر واقعهم.

ويرى المعلم شعبان العلي، أن الحل الوحيد لتغيير واقع المعلمين، تقديم المديرية رواتب ثابتة لهم.

وعود لا تسد الرمق

تحت عنوان “بناء الحضارة يبدأ ببناء الإنسان”، تعهد رئيس مجلس الوزراء في حكومة “الإنقاذ”، علي كده، بتطوير الموارد البشرية وإخضاع المواطن لدورات تخصصية ومهنية، لكن ذلك لم يمنع معلمي إدلب من الإضراب والاحتجاجات، إذ شهدت المدينة، في شباط الماضي، وقفة احتجاجية لمعلمين بعنوان “إضراب الكرامة”، طالبوا خلالها بمنح رواتب مجزية ودائمة، تضمن لهم حياة كريمة.

وطالب المعلمون الجهات المسؤولة عن العملية التعليمية والجهات الداعمة، بإيجاد الحلول لإعادة جزء من حقوق المعلمين، وتحسين أوضاعهم المادية، ومنحهم رواتب تلبي أبسط احتياجاتهم.

عقب هذه الاحتجاجات، أصدرت وزارة التربية والتعليم التابعة لحكومة “الإنقاذ” بيانًا، وعدت فيه بإيجاد حلول إسعافية للعملية التعليمية، وبدء تنفيذ خطة ستشمل معظم الكادر المتطوع، وتستمر حتى انتهاء العام الدراسي الحالي.

وأطلقت الوزارة وعودًا بإعادة ترتيب الأوراق الداخلية لوزارة التربية ومديرياتها ومجمعاتها، بشكل يخدم الطلبة والمعلمين والعملية التعليمية، مطالبة في الوقت نفسه المعلمين بالعودة إلى عملهم ومتابعته، مع وعود ببذل الوزارة جهودًا للارتقاء بالعملية التعليمية.

مدير التعليم، ماهر الحمدو، أوضح أن جهود “الإنقاذ” بدعم المعلمين المتطوعين تتعلق بتقديم منح مالية وسلال إغاثية، إضافة إلى تنسيق مع المنظمات لتأمين الدعم.

وحول وجود تنسيق مع جهات أخرى حيال عملية الدعم، أوضح الحمدو أن “التربية والتعليم” تتكاتف مع بقية الوزارات لتأمين الدعم للمعلمين، والتنسيق مع المنظمات، وجرى فرز “مشرف منظمات” من وزارة التنمية للتواصل مع المنظمات في سبيل ذلك.

مدير التعليم لم يقدم إجابة عن مقدار الأجور التي يتقاضاها المعلمون، وما إذا كانت متقطعة أم دائمة، لكنه أكد تبعية جميع المؤسسات التعليمية في مناطق سيطرة “الإنقاذ” لوزارة التربية والتعليم في الحكومة، وبالنسبة للمؤسسات التعليمية الخاصة فتحصل على الترخيص من الوزارة.

 وزارة ونقابة ومديرية..

جهات مقصّرة في تأمين الدعم للمعلمين في إدلب

يواصل آلاف المعلمين والمعلمات في مناطق حكومة “الإنقاذ” بإدلب شمال غربي سوريا، العمل بشكل تطوعي منذ أكثر من عام، آملين بعودة الدعم لقطاع التعليم بعد انقطاعه بشكل شبه كامل منذ 2019.

وأجبرت الظروف الاقتصادية المتردية في إدلب عددًا كبيرًا من المعلمين الأكاديميين على الانتقال للعمل في اختصاصات أخرى، كالعمل مع المنظمات الإغاثية التي تدفع رواتب مرتفعة، مقارنة بأي عمل آخر في المنطقة.

توجد في إدلب جهات عدة مهمتها تنظيم القطاع التعليمي، وهي مديرية التربية والتعليم في محافظة إدلب، ووزارة التربية والتعليم في حكومة “الإنقاذ”، ونقابة المعلمين السوريين، ورغم وجود هذه الهيئات، فإنها فشلت في تأمين الدعم للمعلمين.

مدير مدرسة في مدينة أريحا وسط محافظة إدلب، طلب عدم الكشف عن اسمه واسم المدرسة، لعدم حصوله على إذن بالتصريح لوسائل الإعلام من مديرية التربية، قال لعنب بلدي، إن المديرية منذ تأسيسها وحتى اليوم لا تقدم دعمًا ماديًا للمعلمين، وإنما تقوم بالإشراف وتوجيه المنظمات لتقديم الدعم إلى المدارس.

وأضاف أن جميع الإداريين والعاملين في مديرية التربية ووزارة التربية، يحصلون على راتب ثابت.

وذكر المدير أن هناك جهات تقدم دعمًا جزئيًا للمعلمين، كمنظمة “مناهل” أو ” كيمونكس”، إذ يتم دعم معلمي الحلقة الأولى (من الصف الأول إلى الصف الرابع) لمدة ستة أشهر فقط في العام الدراسي.

أما في الحلقة الثانية (من الصف الخامس إلى الصف التاسع) وفي المدارس الثانوية، فيتم دعم المعلمين عن طريق منظمات خاصة، منها “مداد” التي توقّع عقودًا مع مدارس محددة لعام واحد أو أكثر.

وأشار المدير إلى أن المعلمين والعاملين في بقية المدارس، يعملون بشكل تطوعي منذ أكثر من ثلاث سنوات، ويحصل بعضهم على رواتب رمزية غير ثابتة عن طريق دعم مقدم من تجار أو من الأهالي.

مدير المدرسة بيّن أن المعلمين الذين يتلقون دعمًا، يتقاضون 150 دولارًا أمريكيًا لمدة ستة أشهر فقط، بما يعادل 75 دولارًا شهريًا على مدار السنة، في حين حصل المعلمون المتطوعون على منحة مالية بقيمة 1300 ليرة تركية (ما يقارب 90 دولارًا) عن فصل دراسي كامل.

وأوضح أن العملية التربوية في إدلب تشهد حاليًا صرف أموال طائلة من قبل المنظمات على مشاريع الدعم النفسي في المدارس، داعيًا تلك المنظمات لتخصيص جزء من هذه الأموال لدعم المعلمين ماديًا وليس نفسيًا فقط.

كما لفت مدير المدرسة إلى أنه يمكن تخصيص جزء من الواردات الكبيرة جدًا لـ”الهيئة العامة للزكاة” لدعم التعليم، موضحًا أن الهيئة تقوم بجباية أموال طائلة من قرية ما على سبيل المثال، إلا أنها تقدم الدعم لعدد قليل من الأسر في تلك القرية، ولو خصصت “الهيئة العامة للزكاة” نصف ما تجمعه من أموال الزكاة من كل قرية، لكان كافيًا لدعم المعلمين فيها.

أين نقابة المعلمين من تأمين الدعم

في مطلع عام 2021، وبعد التخبط الذي طرأ عقب توقف الدعم للمعلمين في إدلب، حلّت نقابتا المعلمين العاملتان في إدلب نفسيهما، وبدأ العمل على دمجهما في نقابة واحدة لتوحيد الجهود بما يخدم مصلحة المعلمين.

وبعد حلّ كل من “نقابة المعلمين الأحرار” التابعة لـ”الائتلاف السوري المعارض”، والموجودة منذ عام 2014، و”نقابة المعلمين” التابعة لـ”الإنقاذ”، التي أُسست عام 2018، أُجريت انتخابات لتشكيل نقابة معلمين جديدة، في 14 من شباط 2021، باسم “نقابة المعلمين السوريين”.

عضو الهيئة التأسيسية للنقابة الجديدة صبحي حاج صادق، قال لعنب بلدي، إن “النقابة ستنطلق الأسبوع المقبل، وستضع نصب أعينها الدفاع عن المعلمين وصون حقوقهم، وتهدف إلى عودة المعلم إلى مكانته الاجتماعية ماديًا ومعنويًا، ودعمه من جميع النواحي”.

وعزا حاج صادق تأخير تفعيل النقابة لأكثر من عام بعد دمج النقابتين السابقتين، إلى التغيير في الوزارات وتأخير تشكيل وزارة التربية، إضافة إلى إعادة مناقشة النظام الداخلي بشكل أوسع، وتشكيل لجان جديدة (إشراف، طعون…)، وإجراء انتخابات بدءًا من الوحدات النقابية وصولًا إلى انتخابات الأفرع.

كما أن ظروف الحياة القاسية، وعدم قدرة عدد من الأعضاء على التحرك والانتقال، تؤدي في بعض الأحيان لتأجيل اجتماعات لمدة أسبوع أو 15 يومًا، بحسب ما قاله حاج صادق.

وأكّد أن “إعلان إطلاق النقابة في مراحله الأخيرة، إذ تم إجراء انتخاب وحدات نقابية مؤخرًا، وننتظر أسماء الناجحين”، وتوقع أن يتم ذلك خلال الأسبوع المقبل.

كيف شُكّلت النقابة

في شباط 2021، بدأت انتخابات لتشكيل النقابة الجديدة، وقال حينها مشرف “مجمع إدلب التربوي”، عبد الله العبسي، لعنب بلدي، إنه بعد تشكيل اللجنة التأسيسية وتعديل بعض البنود في النظام الداخلي، شُكّلت لجنة تحضيرية للانتخابات، واُنتخبت اللجنة العليا لها.

وذكر حينها أن أعضاء الوحدات النقابية اُنتخبوا بإشراف اللجان الانتخابية في المدارس، كما شُكّلت وحدة نقابية في كل مدرسة.

 المشكلة كمية ونوعية

الأكاديمي والباحث في التربية الدكتور ريمون المعلولي، قال لعنب بلدي، إن الكوادر التعليمية في مناطق شمال غربي سوريا تعاني من مشكلة مزدوجة كمية ونوعية.

وأوضح أن المشكلة الكمية تتمثّل بنقص عدد المعلمين المتخصصين، مقابل العدد الكبير من الطلاب، فيما تتعلق المشكلة الأخرى بنوعية المعلمين، إذ يوجد هناك معلمون أكاديميون وعددهم قليل، في حين أن عدد المعلمين المتطوعين الذي لا يملكون مؤهلًا تربويًا أكثر بكثير.

وأشار المعلولي إلى ضرورة إجراء حملات ضغط مستمرة على الجهات المسؤولة عن القطاع التعليمي، لتبني مشروع إعادة تأهيل المعلمين، سواء المتخصصون أم المتطوعون.

كما يمكن لهذه الجهات، بحسب المعلولي، المشاركة والتنسيق مع منظمات المجتمع المدني لتأمين الدعم للمعلمين، إضافة إلى طلب المساعدات من المنظمات الدولية وإعادة توجيه هذه المساعدات من أجل وضعها في هذا الإطار الضروري جدًا.

وأكد المعلولي أن العملية التعليمية في مناطق شمال غربي سوريا، تحتاج إلى مؤسسة مركزية تشرف على إعادة تأهيل المعلمين ورفع مستوياتهم التدريسية، وكذلك على تأمين الدعم والتمويل، لافتًا أن الجهات المسؤولة عن العملية التعليمية في المنطقة، يمكنها الحصول على دعم من الجهات المانحة، من خلال تحديد الغرض من الدعم المطلوب.

معلم في إحدى مدارس مدينة إدلب – 21 من نيسان 2021 (عنب بلدي)

لا حلول جذرية للدعم

المتخصص في إدارة الجودة والحوكمة الدكتور زيدون الزعبي، قال لعنب بلدي، إن قضية التربية والتعليم مسألة حساسة جدًا، فالتعليم مكان لـ”الأدلجة”، على عكس قطاع الصحة الحيادي مثلًا، إذ لا توجد هناك صحة موالية أو صحة معارضة.

“بينما يمكن أن يكون الكتاب إسلاميًا، بعثيًا، علمانيًا، أو ليبراليًا، والتعليم الذي يبني الأجيال، محط نظر جميع القوى الحاكمة، لأن التعليم يعني الهوية والانتماء والولاء، لذلك الخوف من التعليم موجود عند كل تلك القوى”، بحسب الزعبي.

وذكر الزعبي أن الكوادر التدريسية في قطاع التعليم متوفرة أكثر من القطاعات الأخرى، موضحًا أن من لديه شهادة ثانوية، يمكنه تدريس الصف الأول والثاني، ويمكن مثلًا لمن درس دون أن يتخرج من كلية الهندسة أن يدرّس في الإعدادي وحتى الثانوي، مشيرًا إلى أن قطاع التعليم يمكن اختراقه نسبيًا بسهولة من ناحية المعارف، وبالتالي الهيمنة عليه تكون أسهل بالنسبة للفصائل من بقية القطاعات.

وافترض الزعبي أنه إذا أرادت حكومة “الإنقاذ” الهيمنة على قطاع التعليم، فسيكون الأمر أسهل عليها من الهيمنة على القطاعات الأخرى، وذلك لأنه “أكثر إغراء لها بسبب (الأدلجة) وأسهل عليها للاختراق أيضًا”.

الدكتور الزعبي أشار إلى عدم الاهتمام بقطاع التعليم، لا سيما في ظل حاجته إلى تخصيص أموال طائلة لتغطية نفقات مئات المدارس، وعشرات آلاف المدرّسين ومئات آلاف الطلاب.

وضرب الزعبي مثالًا على عدم الاهتمام من قبل المنظمات بدعم التعليم في إدلب التي تسيطر عليها حكومة “الإنقاذ”، إذ إن تلك المنظمات تسأل نفسها عن الفائدة من دعم يعزز “الإسلام الراديكالي”.

وبحسب الزعبي، فإن قطاع الصحة في مناطق شمال غربي سوريا، كان منذ البداية مدعومًا من قبل أربع أو خمس منظمات كانت تدير القطاع، بينما كان من الصعب إدارة وضبط قطاع التعليم مع وجود عدد كبير من المؤسسات التعليمية (نحو 70 مؤسسة).

وأكد الزعبي غياب حلول جذرية لمشكلة قطاع التعليم في شمال غربي سوريا، مشددًا على أنه “ما لم يحدث تفاوض بين قوى الأمر الواقع والحكومة التركية والجهات الداعمة، فلا حل لهذه المشكلة، وستستمر الحالة الكارثية”.

 

English version of the article

مقالات متعلقة