طقسه المتوارث يؤثر في سلوك المجتمع

رمضان يعالج خلافات عائلية في إدلب

امرأتان تتصافحان في أحد أسواق مدينة إدلب - 13 كانون الثاني 2018 (عنب بلدي)

ع ع ع

عنب بلدي – إدلب

توجّه حسام السيد، مع دخول رمضان هذا العام، إلى منزل أخيه الذي يقيم في منطقة بعيدة نسبيًا عن مسكنه، بمدينة إدلب (شمال غربي سوريا)، بنية المصالحة العائلية، إثر خلاف نتجت عنه قطيعة بين الأخوين استمرت ثمانية أشهر.

“لا يمكننا استقبال شهر رمضان قبل أن نتصالح ونتسامح ونطوي صفحات الخلاف أنا وإخوتي، فهكذا اعتدنا منذ الصغر، وعلى هذه العادات تربينا، النفوس تلين والكل يسامح، ونستقبل الشهر الفضيل بقلوب صافية”، قال الشاب الذي يبلغ من العمر 29 عامًا.

وتصف مجموعة من سكان مدينة إدلب شهر رمضان، بناء على استطلاع أجرته عنب بلدي، بأنه فرصة لإزالة الخلافات العالقة بين أفراد المجتمع، وهو ما يوضحه حسام السيد، المهجر من ريف حماة الجنوبي، “بداية رمضان من كل عام نشكّل مجموعات من الأصدقاء والأقارب الذين هُجّروا معنا للعمل على حل الخلافات بين الأصدقاء والأقارب التي زادت نسبتها نتيجة تعقيد الأوضاع المعيشية والتهجير”.

وتعلو روح الألفة والترابط بين العائلات في مدينة إدلب خلال شهر الصيام، فتظهر فيه تلقائيًا أو بصفة منظّمة سمات الاحتفال الديني مدموجًا مع تجليات التراث والعادات، بوصفها موضوعًا يلتف حوله الناس في أشكال مهرجانية أحيانًا.

إفطارات وحل خلافات

تحرص العائلات السورية في شهر رمضان على تبادل دعوات الإفطار، وتعزيز صلات الأرحام، وحل المشكلات العالقة فيما بينها.

ومائدة الإفطار هي وجهة أفراد عائلة بهيج أحمد (58 عامًا)، لحل أي خلاف طرأ على علاقتهم، ويدعم هذا الوصف العادات الموروثة حول الإفطار وضرورة الاجتماع العائلي.

قال بهيج، وهو أحد سكان مدينة إدلب، إنه لا بد أن يدعو جميع إخوته على الإفطار في رمضان، ويلبي دعواتهم أيضًا، مهما كان بينهم من خلافات، “لمّة العائلة في مثل هذه الظروف لا يجب أن تنقطع”.

وعلى الرغم من أن التحامل الاجتماعي يمكن أن يعدّ من بين الأسباب الطويلة الأجل المسببة للخلافات العائلية، فإن العادات والأعراف الاجتماعية تملك قوة السعي إلى تحقيق حل تلك الخلافات.

وبحسب ما قاله الباحث الاجتماعي ياسر أبو الخير، المقيم في مدينة إدلب، لعنب بلدي، فإن العادات الاجتماعية والتقاليد تنبثق من حاجات الناس الطبيعية الحيوية، ولا تزال أغلبية العائلات في الشمال السوري تحافظ على علاقتها بهذا العادات في المناسبات الاجتماعية والدينية.

تعد العادات المكوّنات الأساسية لثقافة المجتمع في مدينة إدلب، لذلك يستطيع الأفراد تكييف مشكلاتهم ضمن هذه المنظومة لمعالجتها، وخلال أيام رمضان، تبرز قوة الأعراف الاجتماعية.

وتتحكم في ممارسة العادات الاجتماعية بمدينة إدلب عدة عوامل، بحسب ما أوضحه الباحث الاجتماعي، فهناك متغيرات فكرية ومادية واضحة نتيجة احتواء المنطقة على مجموعات بشرية من مناطق سورية متباينة نتيجة النزوح.

كما أن المتغيرات المادية والبيئية، والمستوى الثقافي، وبنية العائلة نفسها، تدخل في مدى الدور الذي تقوم به الأعراف الاجتماعية بالمناسبات الدينية في حل المشكلات بين الأفراد، فالعائلات التي لا تملك رجلًا في سن البلوغ يعولها ويحميها ويقف بصفها وقت الأزمات، عددها كبير.

وحل الخلافات العائلية في رمضان، بحسب الباحث ياسر أبو الخير، هو من الطقوس المبنية على معتقدات دينية بالدرجة الأولى، نتيجة السلوكيات المتكررة التي اتفق عليها المجتمع، بتحويل أيام شهر رمضان إلى أيام بركة.

الزيارات العائلية قد تكون أمرًا روتينيًا في رمضان من كل عام بالنسبة لبعض الناس، إلا أنها فرصة لا يفوّتها الذين هُجّروا من مدنهم، وتفرقت عوائلهم، فعادات الشهر وطقوسه الاجتماعية تزيل شعورهم بالوحدة في بيئات غريبة عن مناطقهم الأصلية، وتساعدهم في مواجهة التحديات اليومية التي يعيشونها.



English version of the article

الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة