الأمن دون السياسة..

لا عجلة في تفاهمات سورية- تركية متوقعة

تعبيرية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان والسوري بشار الأسد (تعديل عنب بلدي)

ع ع ع

عنب بلدي – ديانا رحيمة

تناقلت وسائل إعلام عربية وتركية تسريبات عن تقارب بين حكومة النظام السوري والحكومة التركية، على ضوء المستجدات الأخيرة في الساحة الدولية، انطلاقًا من “الغزو” الروسي لأوكرانيا وسياسة تركيا في تصفير المشكلات قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2023.

وفي 4 من نيسان الحالي، تحدثت صحيفة “حرييت” التركية، عن مناقشات تركية حكومية تجري في الفترة الحالية للشروع بحوار مع حكومة النظام السوري حول ثلاثة مواضيع مهمة.

وقالت مصادر حكومية لم تسمِّها الصحيفة، إن “هناك تعليقات مفادها أن دور تركيا في الأشهر الأخيرة، خاصة فيما يتعلق بحسم حرب أوكرانيا، وتركيز روسيا في هذه المنطقة، قد يكون وقتًا مناسبًا لحل المشكلة السورية”.

كما نقلت صحيفة “المدن” اللبنانية، عن مصدر في حزب “العدالة والتنمية” الحاكم في تركيا (لم تسمِّه)، حديثه عن لقاء “استخباراتي” جمع تركيا بالنظام السوري في العاصمة الروسية موسكو، على حد قوله.

وأضاف المصدر، بحسب تقرير الصحيفة المنشور في 14 من نيسان الحالي، أن اللقاء تناول ملفات أمنية واستخباراتية فقط، وكان الهدف منه “الالتزام بالتفاهمات” المبرمة بين موسكو وأنقرة في سوريا، موضحًا أن سبب انعقاد اللقاء في موسكو يعود إلى “مخاوف الكرملين من امتداد تداعيات أوكرانيا إلى سوريا”، دون ذكر تفاصيل إضافية حول هوية حاضري اللقاء.

وكانت الوكالة الروسية “سبوتنيك” قالت، في 16 من كانون الأول 2021، إن الرائد حيدرة جواد، وهو ضابط في قوات النظام السوري، كان مشاركًا في اجتماع بين الجانبين اتفقا فيه على بنود عدة “تصب في مصلحة البلدين”، منها الحفاظ على وحدة الأراضي السورية وعدم المساس بها، وبسط السيادة على كامل الأراضي السورية.

كما تحدث جواد عن إمكانية التعاون الاستخباراتي مع تركيا لـ”طرد عملاء أمريكا (قسد) من شرق الفرات في المرحلة المقبلة، وإعادة المنطقة إلى ربوع الوطن”.

لكن المصدر التركي نفى ذلك، مبينًا أن الاجتماع لم يتطرق لمواضيع على هذا المستوى، وإنما مواضيع تخص الأمن.

أنقرة ليست مستعجلة

الباحث في العلاقات الدولية محمود علوش قال في حديث إلى عنب بلدي، إن اللقاء بين النظام والحكومة التركية في حال حدوثه لا يعني تحولًا في موقف أنقرة من النظام السوري بالضرورة، إذ سبق لأنقرة والنظام أن عقدا اجتماعات على مستوى الاستخبارات لبحث مسائل أمنية، ومثل هذه الاجتماعات لا تعني تحولًا في موقف أنقرة تجاه النظام، حيث لا تبدو أنقرة في عجلة من أمرها بخصوص إعادة العلاقات مع “دمشق”.

ويرى علوش أن انشغال روسيا في صراع أوكرانيا قد يُشكّل فرصة لتركيا لفرض شروطها في أي حوار سياسي محتمل مع النظام، لكن الظروف الحالية لا تزال غير مناسبة لرفع مستوى المحادثات من أمني إلى سياسي. الشروط التي تسرّبها أنقرة للصحافة تتطلّب في نهاية المطاف تسوية سياسية للحرب، ولا تزال أنقرة بعيدة عن مثل هذه التسوية.

كما أكد الخبير في الشأن الروسي الدكتور نصر اليوسف، في حديث إلى عنب بلدي، أن اللقاءات الأمنية لم تنقطع بين النظام وتركيا أبدًا، ولم ينكرها لا النظام ولا الأتراك.

وتستمر اللقاءات الأمنية بين الدول المعادية على الرغم من توتر العلاقات بينهما كعلاقة موسكو بواشنطن، ومع ذلك يستمر التنسيق الأمني لتبادل الخبرات والمعلومات لوجود أمور وهواجس مشتركة كـ”شعرة معاوية”، وإذا حصل تحسن في المستقبل بالعلاقات بين البلدين فسيكون ذلك بحجة الأمن.

ويعتقد الدكتور نصر اليوسف أن موسكو هي المكان الأمثل لعقد اجتماعات من هذا النوع بين أنقرة ودمشق، ومن مصلحة روسيا أن يبقى الوضع مستتبًا في المنطقة لاحتمالية أن تقوم تركيا بدور في زعزعة الاستقرار أو الإبقاء عليه في الملف السوري، وخاصة في المناطق الشمالية والشرقية في سوريا.

وبحسب اليوسف، فلا تستطيع روسيا أو تركيا أن تؤثرا على الشرق السوري بشكل كبير، بينما تقع مفاتيح المنطقة الشمالية الغربية بيد تركيا، ولذلك تريد روسيا أن تركّز كل انتباهها على الملف الأوكراني حاليًا، وهي ليست بحاجة إلى عوامل منغصة في سوريا، وخاصة في المناطق التي تقع بشكل أو بآخر تحت سيطرة الأتراك.

إعادة تعويم واستعادة السيطرة على الأرض

من مصلحة النظام أن ينسج علاقات طبيعية مع تركيا بسبب وجودها على أراضيه عسكريًا، ولأنها دولة محورية في القضية السورية، ولكونها من الدول التي لها دور مهم في سوريا وما زالت لا تعترف بشرعية النظام، بحسب ما أوضحه الباحث المختص بالشأن التركي الدكتور سعيد الحاج، في حديث إلى عنب بلدي.

ولذلك قد يرى النظام أن التعامل الطبيعي بينه وبين تركيا قد يكون مقدمة لمطالبته إياها بسحب قواتها من سوريا.

ولهذا السبب تحديدًا لا يبدو أن تركيا ترى أن هناك مصلحة جوهرية لها بالاعتراف بالنظام كحكومة شرعية لسوريا، لأن ذلك قد يكون تمهيدًا مرة أخرى لمطالبته إياها بسحب قواتها، وهي ليست جاهزة لذلك حتى اللحظة، فضلًا عن موضوع اللاجئين ومواضيع أخرى كثيرة.

وبالتالي يرى الحاج أن تركيا ما زالت حريصة على إبقاء هذه العلاقة بالمستوى الأمني وبالحد الأدنى.

وربما قد يتطرق التواصل أحيانًا لبعض الأبعاد العسكرية في الميدان، ولكن ذلك لا يظهر أن هنالك أي توجه تركي حتى اللحظة لإقامة علاقات رسمية وسياسية طبيعية والاعتراف بشرعية النظام.

وبالتالي إذا نشأ أي تحرك أو تغير في المشهد السوري فسيكون نسبيًا لمصلحة تركيا وليس ضغطًا عليها، وهذا يشجع أو يدعم فكرة أن هذه اللقاءات ستستمر لفترة على أقل تقدير في البعد الأمني وليس على البعد السياسي.

ويرى الحاج أن المنطقة ككل تشهد انزياحات أو إعادة تموضع على أقل تقدير، ومن ضمنها انفتاح بعض الأطراف العربية مع النظام في الوقت الذي تنسج فيه علاقات جيدة مع تركيا، ولكن التفاعلات أقل تأثيرًا على الموقف التركي.

وبحسب الحاج، يمكن أن تتأثر أنقرة بأي تغيّر جذري في مشروع يتعلق بـ قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في شمال شرقي سوريا، ولكن موقفها لن يتغيّر بسبب تغيّر المواقف العربية تجاه النظام السوري.

ما منفعة تركيا

قالت المصادر التي تحدثت لصحيفة “حرييت” في وقت سابق، إنه إذا تمت العملية بشكل صحيح، فيمكن أن تكون لمصلحة تركيا، كما يمكن أن تكون فرصة لإعادة العلاقات مع النظام السوري ولضمان عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، وفي هذا الصدد، تقول تركيا إن هنالك ثلاثة أشياء لا غنى عنها في جميع الاتصالات، بحسب الصحيفة، هي:

– الحفاظ على البنية الأحادية.

– الحفاظ على وحدة الوطن.

– ضمان أمن اللاجئين العائدين.

وتستضيف تركيا قرابة ثلاثة ملايين و700 ألف لاجئ سوري، بحسب إحصاءات المديرية العامة للهجرة التركية.

وتستهدف القوات العسكرية التركية مواقع لـ”قسد” التي تعتبرها امتدادًا لحزب “العمال الكردستاني” (PKK)، وبدورها ترد “قسد” باستهداف مناطق نفوذ “الجيش الوطني” المدعوم من تركيا شمالي حلب.

وتصنّف تركيا “قسد” على قوائم الإرهاب لديها، وشنّ الجيش التركي إلى جانب قوات “الجيش الوطني” عمليتين عسكريتين ضدها، هما “غصن الزيتون” عام 2018 في منطقة عفرين شمال غربي حلب، و”نبع السلام” شرق الفرات في تشرين الأول 2019.

يرى الباحث محمود علوش أن مسألتي “قسد” واللاجئين تضغطان بشدة على سياسة تركيا في سوريا، والتي غيّرت من أولويات أنقرة في السنوات الأخيرة، وباتت تركّز بشكل أكبر على كيفية مواجهة التحديات المتعلقة بهاتين المشكلتين مع ميل إلى الإقرار الضمني بأن الأسد انتصر في الحرب.

أين تقف موسكو؟

من جانبه، استبعد الدبلوماسي السابق والمستشار لدى الخارجية الروسية، رامي الشاعر، في حديث إلى عنب بلدي، أن يكون اللقاء الاستخباراتي التركي- السوري حدث مؤخرًا في موسكو.

وقال الشاعر، إن روسيا تبذل جهودًا مستمرة لحدوث تقارب في الاتصالات بين تركيا والنظام في دمشق على جميع الأصعدة وليس فقط على صعيد الملفات الأمنية والاستخباراتية.

ويرى أن روسيا تعي أهمية تطبيع العلاقات السورية- التركية، لما له من أهمية كبيرة بالنسبة لسوريا، وخاصة بما يخص إعادة بناء البنية التحتية لسوريا وإنعاش الاقتصاد السوري من جديد، كجارة تبعد عنها 900 كيلومتر.

وتوجد لدى تركيا إمكانيات كبيرة لمساعدة النظام في جميع المجالات، ومنها مجال إعادة البناء بالإضافة إلى قضايا أخرى أهمها مشكلة اللاجئين والمهجرين وأمن الحدود والمحافظة على وحدة الأراضي السورية، والتوصل إلى توافق سوري- سوري بين المعارضة والنظام، وهي تقوم بدور أساسي وفعال في مجموعة “أستانة”، إلى جانب كل من روسيا وإيران.

الإمارات ورقة مهمة

تعتبر زيارة رئيس النظام السوري، بشار الأسد، للإمارات، في 18 من آذار الماضي، خطوة مهمة لتقبله على الساحة الدولية.

وجاءت هذه الزيارة في وقت تحسنت فيه العلاقات بين كل من الإمارات وتركيا، ويمكن لتركيا تحويل هذه العملية إلى عملية إيجابية، إذا أخذت بعين الاعتبار الفترة الجديدة للعلاقات مع الإمارات، وإذا نجح ذلك، فسيعود نصف اللاجئين على الأقل في تركيا، بحسب ما قالته المصادر الحكومية لصحيفة “حرييت”.

وشهدت العلاقات التركية- الإماراتية توترات عديدة سابقًا، بسبب عدة ملفات شائكة بينهما، كوقوف تركيا عسكريًا إلى جانب قطر بعد الأزمة الخليجية عام 2017، والحصار الدبلوماسي والاقتصادي الذي فرضته كل من الإمارات والسعودية والبحرين ومصر عليها.

وناهضت تركيا السياسة الإماراتية في كل من ليبيا وسوريا، التي تتعارض مع عملياتها العسكرية في شمال غربي وشرقي سوريا، واتهمتها بإنشاء حملة تستهدف الليرة التركية.

لكنّ البلدين عادا اليوم إلى علاقات طبيعية، وتبادل مسؤولوهما الزيارات، في إطار توجه تركيا لـ”تصفير المشكلات” مع دول جمعتها بها صراعات خلال السنوات السابقة.

النظام يرحب؟

في شباط الماضي، أبدى وزير الخارجية السوري، فيصل المقداد، استعدادًا لتطبيع العلاقات مع الحكومة التركية لكن وفق شروط.

جاء ذلك خلال مؤتمر صحفي في فعاليات منتدى “فالداي” بموسكو، شارك فيه المقداد، وقال، “سوريا وتركيا جيران، ويربطنا تاريخ طويل و500 سنة احتلال، تكفي حتى نفهم بعضنا”.

وأضاف أن هنالك عدة أشياء يجب أن تتحقق لتعود العلاقات السورية- التركية، وهي سحب تركيا قواتها من الأراضي السورية، والكفّ عن دعم “الإرهابيين” وحرمان السكان السوريين من الموارد المائية، وبناء علاقات مع سوريا على أساس الاحترام المتبادل، حسب تعبيره.

وتابع، “أعتقد أنه إذا التزمنا بهذه النقاط، فيمكن أن تتحسن علاقاتنا”.

لكن هذا الترحيب لا يبدو أنه يتعدى جس نبض إعلامي، إذ يرى تحليل لموقع “VPO Analytics” الروسي، أن توقع أنقرة للمصالحة مع دمشق يمكن أن يصبح حقيقة واقعة في حالة تقليص الوجود الروسي في سوريا، وتحجيم نفوذ إيران هناك، وإذا رفضت الولايات المتحدة دعم “قسد” في الشمال الشرقي.

وخلص التحليل إلى أن كل الشروط المطلوبة حاليًا من قبل الدولتين لعودة العلاقات هي غير قابلة للتحقق، وحتى على المدى الطويل، من غير المرجح أن تبدأ حكومة النظام حوارًا جادًا مع أنقرة دون إنهاء الوجود التركي على أراضيها، ويبدو أن تغييرًا جذريًا فقط في المشهد السياسي الداخلي التركي بعد انتخابات حزيران 2023 سيسمح بالحديث عن شروط مسبقة جادة لهذا النوع من الحوار.



English version of the article

الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة