“التباس الأحاسيس”.. تصحيح لسيرة ذاتية كتبها الآخرون

ع ع ع

في الذكرى الـ60 لميلاده والـ30 لحصوله على الأستاذية، أتى إليه تلامذته وزملاؤه بالنسخة الأولى من كتاب شكر صادر بحقه، عن فقهاء اللغة، ويضم نحو 200 صفحة تروي سيرة حياته.

هكذا يبدأ الكاتب النمساوي ستيفان زفايغ رواية “التباس الأحاسيس”، التي جاءت مدفوعة بتصحيح النسخة الأولى من السيرة الذاتية الواردة في كتاب الشكر، والتي لم يكتبها بنفسه، إذ يفاجَأ الكاتب بأن ما دار في تلك الصفحات تعبير عنه عبر الوثائق، أو ما أمكن جمعه من وثائق للتعريف به.

يشبه الكاتب كتابة السيرة الذاتية لشخص بيد غيره، بأول مرة سمع بها صوته عبر “الفونوجراف”، فلم يتعرف عليه، “إنه بالتأكيد صوتي، لكنه ليس إلا الصوت الذي يسمعه الآخرون، وليس الذي أستشعره وكأنه قادم عبر دمي، وكامن في حنية داخلية من كياني”.

في “التباس الأحاسيس” يعفي الكاتب جمهوره من قراءة النسخة المغلوطة من السيرة الذاتية، ليقدّم بنفسه نسخته الحقيقية، هذه النسخة لا تعبر عن ستيفان زفايغ نفسه، لكنها سيرة لبطل هذه الرواية، إذ صدرت السيرة الذاتية الحقيقية لزفايغ بعد رحيله في كتاب حمل اسم “عالم الأمس”.

تدور الرواية في 142 صفحة، بما لا يفاجئ جمهور زفايغ الذي ألف أوراق مختلف أعماله، التي تتراوح بين أقل من 100، وأقل من 150 بمعظمها، مع التركيز على الزمن الذي تشرّحه هذه الصفحات وإهمال ما يجري خارجه.

وتمعن الرواية بالغوص في التفاصيل الدقيقة لبداية الرحلة العلمية لهذا الرجل الذي بلغ الـ60 للتو، ونال الأستاذية قبل 30 عامًا، إذ أمضى فترة من الوقت يعيش ضياعه الخاص في أوروبا، قبل أن يزوره والده بمقر إقامته في برلين، ويضعه نقطة على حرف حياته التي يهدرها بمجانيّة على ما هو مادي ولحظي وحسّي.

“هناك كلمات معيّنة لا تتلبس حقيقة عميقة إلا مرة واحدة، عندما يُتلفظ بها أمام أربع عيون، وعندما تنبثق بعفوية من قلاقل الأحاسيس غير المنتظرة”.

يصر زفايغ كالعادة على تجاوز السرد والقص، لتقديم العبرة، وليس ذلك النوع من العبر التي يمكن للقارئ التوصل أو عدم التوصل إليها بعد طيه الرواية أو الكتاب معلنًا نهاية القراءة، بل الحكمة الملخصة والمختزلة عبر أقوال مأثورة ستترك وقعها في النفس، وقد تتحول لاقتباسات محببة يمكن العودة إليها لاستعادة شيء من روح النص، أو المشاعر التي رافقت قراءته.

“التباس الأحاسيس” برحلتها العلمية وتجسيدها اليومي لحياة شاب قريب كل القرب من معلمه، وذي شغف بالمعرفة ورغبة بالتعلم، تعكس أيضًا جانبًا تعليميًا وتثقيفيًا يبدو بوضوح بمجرد النظر لحواشي الكتاب، التي تروي تفاصيل كثيرة يبرر زفايغ استخدامها وظهورها في روايته، وهي معلومات دينية وثقافية وتاريخية، ومتنوعة.

اللغة في النص قريبة من لغة زفايغ في مجمل أعماله، غنية وتغني المخزون والذخيرة اللغوية للقارئ، ليس بالمفردة والصياغة فحسب، بل وبالصورة والفكرة وآلية البناء القصصي، وتقنيات الخطف خلفًا حين يشاء النص، والعودة للزمن الحاضر حين تقتضي الضرورة.

ولد ستيفان زفايغ عام 1881، ورحل عام 1942، وهو أحد أبرز كتّاب أوروبا في زمانه، وحاصل على الجنسية البريطانية.

وفي عام 2016، صدر فيلم “Stefan Zweig: Farewell to Europe”، أو “ستيفان زفايغ وداعًا لأوروبا” بالعربية، ليروي سيرة زفايغ بين ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، حين كانت أوروبا على أعتاب حرب سيراق على شرفها الكثير من الدماء.

عاش زفايغ سنواته الأخيرة متنقلًا بين دول أمريكا الجنوبية، وأحب البرازيل، ومنحها من وقته وشكره في رسالة انتحاره، اعتراضًا على انهيار السلم العالمي بعد دخول النازيين ألمانيا.

ترك الكاتب النمساوي خلفه إرثًا أدبيًا غنيًا يصل إلى عشرات الكتب والمؤلفات والروايات، ومن أبرزها “آموك”، و”الخوف”، و”24 ساعة من حياة امرأة”، و”السر الحارق”، و”حذارِ من الشفقة”، و”رسالة إلى مجهولة”.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة