في ذكرى كارثة “تشيرنوبل”.. كيف ألقى “الغزو” الروسي بظلاله على المنشأة النووية

ع ع ع

“إن انصهار قلب المفاعل النووي في تشيرنوبل منذ 20 عامًا، وربما أكثر من إطلاقي لعملية البيريسترويكا (إعادة الهيكلة)، السبب الحقيقي وراء انهيار الاتحاد السوفييتي بعد وقوع تلك الكارثة بخمسة أعوام، لقد كانت كارثة تشيرنوبل بمنزلة نقطة تحول تاريخية، فقد كان هناك عصر ما قبل الكارثة، وتبع ذلك حقبة مختلفة تمامًا”.

كتب هذه الكلمات الزعيم السوفييتي الأخير، ميخائيل جورباتشوف، في عام 2006، في الذكرى السنوية الـ20 لحادثة مفاعل تشرنوبل النووي، التي تعتبر أسوأ كارثة نووية في التاريخ، إذ أطلق الانفجار في المفاعل إشعاعًا يزيد بمقدار 400 مرة على القنبلة الذرية التي ألقيت على مدينة هيروشيما اليابانية.

وشهدت المنشأة النووية منذ بدء “الغزو” الروسي لأوكرانيا عدة أحداث، آخرها الإعلان عن زيارة مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافاييل غروسي، في 24 من نيسان الحالي، على رأس فريق من الخبراء، على أن يصل إلى المحطة اليوم، الثلاثاء 26 من نيسان، في الذكرى السنوية للكارثة النووية.

وتهدف الزيارة بحسب الإعلان إلى تسليم “معدات حيوية” بينها أجهزة لقياس الإشعاع وسترات واقية، وإجراء “فحوص أشعة وأمور أخرى”، وقال غروسي، “بناء على قياساتنا العلمية وتقييماتنا الفنية، سنكون قادرين على فهم الوضع الإشعاعي هناك بشكل أفضل”.

ومنذ بدء “الغزو” الروسي للبلاد، سيطرت القوات الروسية المحمولة جوًا من اليوم الأول وبشكل كامل على منطقة محطة “تشيرنوبل” الذرية بشمالي أوكرانيا، وفق ما أعلنه المتحدث باسم الدفاع الروسية، إيغور كوناشينكوف، للصحفيين، في 25 من شباط الماضي.

وأصدر غروسي، بعد السيطرة على المحطة، بيانًا قال فيه إن الوكالة تتابع الوضع في أوكرانيا “بعين القلق”، وتناشد لممارسة أقصى درجات ضبط النفس لتجنب أي عمل قد يعرّض المنشآت النووية في البلاد للخطر، كما أكدت أوكرانيا للوكالة أنه لم يتم الإبلاغ عن أي إصابات ولا دمار في الموقع النووي.

وبعد خمسة أيام على بدء “الغزو”، أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الجيش بوضع القوات النووية الاستراتيجية في حال تأهب خاصة، كما أمر وزير الدفاع الروسي ورئيس الأركان العامة للجيش بوضع “قوات الردع النووي” في “نظام خاص للخدمة القتالية”، وسط مخاوف دولية من حدوث كارثة إنسانية جراء القتال القائم في أوكرانيا.

وفي 4 من آذار الماضي، أعلنت وكالة تفتيش المواقع النووية الأوكرانية، أن القوات الروسية سيطرت على أراضي محطة “زابوريجيا” النووية الواقعة في جنوبي البلاد، والتي تُعد أكبر محطة للطاقة النووية في أوكرانيا، وذلك بعد تعرض الموقع لقصف مدفعي، وقتال بين القوات الروسية والأوكرانية.

وشبّه وزير الخارجية الأوكراني، دميترو كوليبا، العواقب المحتملة لانفجار المحطة التي تضم ستة مفاعلات نووية، بانهيار “تشيرنوبل”، وأضاف أنه “إذا انفجرت المحطة، فستكون أكبر بعشر مرات من تشيرنوبل”، بينما أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أن الحريق الناتج عن القصف الروسي لم يؤثر على المعدات “الأساسية”، وأن الجهة المنظمة في أوكرانيا لم تذكر أي تغيير في مستويات الإشعاع المحيطة.

وفي 6 من آذار الماضي، أفادت تقارير أن الموظفين التقنيين والحراس في “تشيرنوبل”، لم يتمكنوا بعد من التناوب مع غيرهم منذ 23 من شباط الماضي، ودعا غروسي القوات الروسية التي تسيطر على الموقع حينها إلى السماح فورًا للموظفين الموجودين في المحطة بالتناوب مع غيرهم حرصًا على الأمان والأمن، وأبلغت “هيئة الرقابة الأوكرانية” الوكالة أن التواصل مع محطة “تشيرنوبل” يقتصر على رسائل البريد الإلكتروني.

كما أشار غروسي إلى أن الإرسال عن بُعد للبيانات من أنظمة مراقبة الضمانات المثبتة في المحطة النووية انقطع، وسبقه انقطاع التيار الكهربائي عن المحطة، لكنه عاد بفضل مولدات الطوارئ التي تم تشغيلها، بحسب ما نقلته وكالة “فرانس برس“، في 9 من آذار الماضي.

وفي 31 من الشهر نفسه، انسحبت القوات الروسية من “تشيرنوبل”، بحسب وكالة الطاقة النووية الأوكرانية، وقالت الوكالة في بيان، إن “القوات الروسية اقتادت معها عناصر الحرس الوطني الأوكراني الذين أسرتهم، لدى مغادرتها المحطة”.

ماذا جرى في “تشيرنوبل”

بدأ التمرين الروتيني لاختبار ما إذا كان نظام تبريد المياه في حالات الطوارئ سيعمل في أثناء فقدان الطاقة، في 26 من نيسان 1986، بعد منتصف الليل، وفي غضون ثوانٍ، تسبب تفاعل غير متحكم به في تراكم الضغط في المفاعل رقم أربعة على شكل بخار، وهو ما فجّر سقف المفاعل، مُطلقًا أعمدة من الإشعاع وقطعًا من الحطام المشع المشتعل.

وبعد الانفجار بثوانٍ، أدى انفجار ثانٍ إلى اندلاع حريق في سطح المفاعل رقم ثلاثة، ما أدى إلى حدوث خرق في المفاعل، مع عدم عمل أنظمة الأمان الأوتوماتيكية بسبب إغلاقها قبل بدء الاختبار.

وهرع رجال الإطفاء إلى مكان الحادث، وبدؤوا بمكافحة الحريق دون معدات لحمايتهم من الإشعاع، وهو  ما أدى إلى مقتل 28 منهم بسبب التعرض الحاد للإشعاع.

ولم يتم إغلاق المفاعل رقم ثلاثة إلا في الخامسة من صباح اليوم التالي، وبعد حوالي 24 ساعة، أُغلق المفاعلان رقم واحد واثنين أيضًا، في حين بدأت الحكومة السوفييتية وقتها في اليوم التالي بإجلاء نحو 50 ألفًا من سكان البلدة المجاورة للمحطة.

واستغرقت القيادة السوفييتية حتى 28 من نيسان، لإبلاغ المجتمع الدولي بحدوث الكارثة، بعد مطالبة السويد بتفسير عندما سجل مشغلو محطة للطاقة النووية في العاصمة ستوكهولم مستويات إشعاع عالية بشكل غير عادي بالقرب من محطتهم.

الحطام بعد انفجار المحطة النووية- (Igor Kostin/Getty Images)

كم عدد الضحايا

أعلنت الحكومة الأوكرانية في عام 1995، أن 125 ألف شخص لقوا حتفهم من آثار إشعاع “تشيرنوبل”، بينما قدّر تقرير صدر عام 2005 عن منتدى “تشيرنوبل” التابع للأمم المتحدة، مقتل أقل من 50 شخصًا في الأشهر التي أعقبت الحادث، مع احتمال أن يموت ما يصل إلى تسعة آلاف شخص بسبب الوفيات بالسرطان المرتبطة بالتعرض للإشعاع من “تشيرنوبل”.

واعتبارًا من عام 2005، ووفقًا “لاتحاد العلماء المهتمين“، نُسبت حوالي ستة آلاف حالة إصابة من سرطان الغدة الدرقية، و15 حالة وفاة بسرطان الغدة الدرقية إلى “تشيرنوبل”، فيما لم يصدر عن الحكومة السوفييتية أي تقرير عن الآثار الصحية لكارثة “تشيرنوبل”، باستثناء 30 شخصًا أكدت الحكومة مقتلهم من الانفجارات والتعرض الحاد للإشعاع.

وفي عام 2019، تم الانتهاء من وضع غلاف وقائي جديد على الغلاف القديم لاحتواء المواد المشعة، وسُلّم إلى حكومة أوكرانيا، وقد تحقق ذلك بعد تبرعات بقيمة 2.2 مليار يورو من أكثر من 45 دولة.

وقالت الأمم المتحدة، إن هذا الإنجاز هو أحد أكبر المشاريع التي تم تحقيقها على الإطلاق من حيث التعاون الدولي في مجال السلامة النووية.

وأنتجت شركتا “HBO” الأمريكية و”Sky” البريطانية مسلسلًا من خمس حلقات يحاكي أحداث كارثة “تشيرنوبل”، لاقى إعجاب المشاهدين ورواجًا منذ انطلاقه في بداية أيار 2019.

غلاف وقائي في المكان الذي وقع فيه انفجار “تشيرنوبل” (UN)



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة