لعنة العقوبات على “الأوليغارشيين” الروس تضرب المؤسسات اليهودية

كبير حاخامات روسيا بيريل لازار يضيء شمعة بينما يقف الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بالقرب منه خلال احتفال مخصص للذكرى الـ70 لتحرير معسكر الاعتقال النازي أوشفيتز في المتحف اليهودي ومركز التسامح في موسكو-روسيا- 27 من كانون الثاني 2015 (EPA)

ع ع ع

أحدثت العقوبات الغربية المفروضة على القلة الحاكمة في روسيا (الأوليغارشيون)،شرخًا في عالم الأعمال الخيرية اليهودية، التي تعتمد بشكل كبير على المانحين الأثرياء مثل موشيه كانتور، الذي تقدر “فوربس” صافي ثروته بـ4.6 مليار دولار.

وانضم كانتور إلى عدد من رجال الأعمال الروس اليهود الأثرياء، ميخائيل فريدمان، وبيتر أفين، وجيرمان خان، الذين استقالوا فجأة، في آذار الماضي، من مجموعة “جينيسيس” التي تمول مشاريع لتعزيز المجتمعات اليهودية في جميع أنحاء العالم.

قطع الملياردير موشيه كانتور علاقاته الطويلة مع جامعة “تل أبيب”، لينضم إلى قائمة متزايدة من “الأوليغارشيين” اليهود الروس الذين قلّصوا أنشطتهم الخيرية بعد تعرضهم لعقوبات دولية بسبب علاقاتهم مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وأجبرت العقوبات عددًا من المنظمات البارزة على إنهاء الشراكات فجأة مع المتبرعين، جراء غزو روسيا لأوكرانيا الذي بدأ في 24 من شباط الماضي.

شغل كانتور (قطب الأسمدة الروسي)، الذي يحمل أيضًا الجنسية البريطانية، منصب الرئيس لفترة طويلة للكونجرس اليهودي الأوروبي، وبرز كمقاتل صريح ضد معاداة السامية، أسس وقاد عددًا من القضايا اليهودية المهمة الأخرى، بما في ذلك “المنتدى العالمي للهولوكوست”، وخدم في مجلس النصب التذكاري الوطني للمحرقة في إسرائيل “ياد فاشيم”، وساعد في افتتاح مركز “كانتور” لدراسة يهود أوروبا المعاصرين في جامعة “تل أبيب”.

بعد أن فرضت المملكة المتحدة عقوبات على كانتور أوائل الشهر الحالي، استقال فجأة من الكونجرس اليهودي الأوروبي بعد 15 عامًا أمضاها على رأسه، وحذفت جامعة “تل أبيب” هذا الأسبوع اسم كانتور من مركز الدراسات اليهودية، قبل أيام فقط من إصدار تقريرها السنوي حول معاداة السامية في العالم.

وقال بيان صدر من خلال المتحدثة باسمه، إن كانتور طلب تعليق العلاقات مع عدد من المنظمات بمبادرة منه، وإنه تراجع طواعية وبأثر فوري عن المشاركة النشطة في المؤتمر اليهودي الأوروبي، ومؤسسة “المنتدى العالمي للهولوكوست”، ومركز “كانتور” من أجل عدم صرف الانتباه عن العمل المهم لهذه المنظمة.

إقرأ أيضًا: الأوليغارشيون الروس.. بعوض نما على مستنقع الاتحاد السوفييتي

قالت شركة “ياد فاشيم” الشهر الماضي، إنها علّقت تبرعًا بعشرات الملايين من الدولارات من رومان أبراموفيتش، مالك نادي تشيلسي لكرة القدم، بعد أن فرضت عليه المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات، وفقًا لوكالة الأنباء “أسوشيتد برس“.

أوضحت مجموعة “جينيسيس الخيرية” بعد أن استقال منها فجأة “الأوليغارشيون” الثلاثة، فريدمان، وأفين، وجيرمان خان، في رسالة بريد إلكتروني أُرسلت إلى مؤيديها، أن الرجال غادروا “من أجل ضمان قدرة المجموعة على البقاء وفية لمهمتها”، ولم تذكر العقوبات.

تموّل المجموعة مشاريع لتقوية المجتمعات اليهودية والقضايا حول العالم، شارك الرجال الثلاثة أيضًا في تأسيس جائزة “جينيسيس”، وهي جائزة سنوية أُنشئت بمنحة قدرها 100 مليون دولار، تعترف بشخص ما لإنجازاته المهنية والتزامه بالقيم اليهودية.

ومن بين الفائزين السابقين بجائزة المليون دولار، الممثل مايكل دوجلاس، والمخرج ستيفن سبيلبرج، وعمدة مدينة نيويورك السابق مايكل بلومبرج، والحائز على جائزة هذا العام هو الرئيس التنفيذي لشركة “فايزر” لصناعة الأدوية، ألبرت بورلا، الذي من المتوقع أن يأتي إلى القدس في حزيران المقبل لحضور حفل توزيع الجوائز.

وادعى “الأوليغارشيون” أن العقوبات غير عادلة، حتى إن بعضهم، مثل فريدمان، تحدثوا ضد “الغزو” الروسي لأوكرانيا، بينما حاول مالك نادي تشيلسي، أبراموفيتش، وضع نفسه كصانع سلام محتمل بين الدول المتحاربة.

إسرائيل.. الملاذ الآمن

كان أبراموفيتش من بين سبعة مليارديرات روس أُضيفوا إلى قائمة العقوبات البريطانية في آذار الماضي، لمحاولة عزل الرئيس فلاديمير بوتين، ردًا على “الغزو” الروسي لأوكرانيا، في حين نفى أبراموفيتش، الذي يحمل الجنسيتين الإسرائيلية والبرتغالية، أن تكون له علاقة وثيقة مع بوتين.

في أيار عام 2018، وبعد أزمة تأشيرة “المستثمر” التي رفضت بريطانيا تجديدها له، اتجه أبراموفيتش، الروسي اليهودي، إلى إسرائيل للحصول على جنسيتها، وأفادت تقارير إعلامية إسرائيلية حينها، بأنه حصل على بطاقة هوية في إسرائيل بموجب قانون العودة، الذي يسمح لليهود بالحصول على المواطنة.

وكشف تحقيق أجرته “بي بي سي عربي”، في أيلول عام 2020، أن أبراموفيتش يسيطر على شركات تبرعت بـ100 مليون دولار لـ”إلعاد”، وهي جمعية استيطانية تعمل في القدس الشرقية المحتلة.

وأبلغ متحدث باسم أبراموفيتش القناة حينها، بأنه “ملتزم” و”سخي” في دعم إسرائيل والمجتمع المدني اليهودي، وتبرع خلال السنوات الـ20 الماضية بأكثر من 500 مليون دولار لدعم الرعاية الصحية والعلوم والتعليم والجاليات اليهودية في إسرائيل وحول العالم.

موقف إسرائيل من العقوبات

يتمتع العديد من “الأوليغارشيين” اليهود بعلاقات وثيقة مع إسرائيل، ويقضون الوقت فيها، ويحملون الجنسية الإسرائيلية أيضًا، وقد أدى ذلك إلى خلق وضع حساس للبلاد، التي أُنشئت كملاذ آمن لليهود، لكنها بالمقابل تمتلك علاقات وثيقة مع الغرب، وخاصة الولايات المتحدة.

في مقابلة مع “القناة 12” الإسرائيلية، في 11 من آذار الماضي، قالت نائبة وزير الخارجية الأمريكي للشؤون السياسية، فيكتوريا نولاند، إن واشنطن طلبت من إسرائيل الانضمام إلى العقوبات المالية، وعقوبات التصدير ضد روسيا.

وخلال زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي، يائير لابيد، إلى سلوفاكيا، المتاخمة لأوكرانيا، أكّد أن إسرائيل “لن تكون طريقًا لتجاوز العقوبات المفروضة على روسيا من قبل الولايات المتحدة ودول غربية أخرى”.

ولم يذكر لابيد بشكل مباشر ما إذا كانت إسرائيل تدرس عقوباتها، لكنه قال إن وزارة الخارجية “تنسق الموضوع مع شركاء بما في ذلك بنك إسرائيل، ووزارة المالية، ووزارة الاقتصاد، وهيئة المطارات، ووزارة الطاقة، وجهات أخرى”.

استعطاف على الأطلال

قال الرئيس المؤقت للمؤتمر اليهودي الأوروبي، أرييل موزيكانت، إن المنظمة صُدمت من العقوبات المفروضة على كانتور، الذي قال إنه “كرس حياته لمحاربة معاداة السامية، وإحياء ذكرى المحرقة، وأمن المجتمعات اليهودية في أوروبا”.

وأعرب موزيكانت عن حزنه وقلقه من معاقبته دون أي جدارة قائمة على الأدلة، حسب تعبيره، وأكد أن كانتور له مساهمة لا مثيل لها في مكافحة معاداة السامية، وازدهار الحياة اليهودية في أوروبا لأكثر من 15 عامًا، وأن ذلك سيسبب “أضرارًا جسيمة لكثير من الناس والمنظمات”.

خلقت متاعب الأوليغارشية “تحديًا هائلًا للمنظمات غير الربحية التي تعتمد على حسن نيتها”، وفقًا لفاعلة خير يهودية أمريكية، جينيفر لازلو مزراحي.

وشبهت مزراحي الأزمة بالفترة التي أعقبت سقوط الممول بيرني مادوف، الذي بدد ثروات العديد من الجمعيات الخيرية اليهودية في مخطط ضخم في أواخر العقد الأول من القرن الـ21، اضطرت حينها العديد من المجموعات الخيرية، التي سلبت فجأة من مصادر التمويل، إلى إغلاق أو توحيد أو تسريح العمال.

نظرًا إلى الأصول المثيرة للجدل للعديد من الثروات على مدى عقود، بالعودة إلى الصناعيين مثل هنري فورد، أو أندرو كارنيجي، تعتقد مزراحي أن من المهم التأكد من توزيع الأموال الخيرية بشكل فعال، وقالت إنه من الأهمية بمكان أن يلعب متلقو البرامج الخيرية دورًا في قراراتهم.

لكن أنشل بفيفر، كاتب عمود في صحيفة “هآرتس” اليومية، كتب مؤخرًا أن الأوليغارشية “تلوثت المؤسسات بأموالها القذرة”، وقال إن الحرب في أوكرانيا هي “إيقاظ فظ لاتساع وعمق تأثير طبقة الأوليغارشية على المناخ التنظيمي للعالم اليهودي”.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة