“كسر عظم”.. هذه ليست سوريا

ع ع ع

نبيل محمد

عصابات التهريب، فساد الحواجز العسكرية، تجارة الأعضاء البشرية، المخدرات، الإيدز، شبكات الدعارة، زواج الأديان المختلفة، فساد المحاكم والمستشفيات والجامعات، بطالة الشباب، جرائم الشرف، وقضايا شائكة أخرى، “اضربها في الخلاط” سيخرج منها كوكتيل اسمه مسلسل “كسر عظم”، المسلسل السوري وربما العربي الأكثر شهرة وإثار للجدل في رمضان 2022. مسلسل تمتلئ فضاءات التواصل الاجتماعي بصور وتصريحات ممثليه، ومن اعتذروا عن عدم تأدية أدوار به، وكذلك بأصوات المعترضين عليه، وهم كثر، من المنجم مايك فغالي إلى خالد العبود، وإلى السيناريست فؤاد حميرة الذي اتهم كادر العمل بسرقة المسلسل من أحد نصوصه.

سيبدو بلا شك أي نقد يتناول العمل ذا الشهرة الكبيرة، استهدافًا للنجاح، وضربًا بمحتوى يخالف السائد في الدراما السورية، ويتناول مواضيع اليوم في سوريا التي تعصف بها واقعيًا كل المشكلات التي ناقشها المسلسل دراميًا. لكن أول ما يؤخذ على العمل هو عدم استثنائيته أو حتى اختلافه. إن “كسر عظم” نمطي بامتياز، ولعلّ شخوصه تتفوق في نمطيتها على بقية شخوص الأعمال الرمضانية في العام الحالي.

لا يمكن أن تتخيل شخصية لمسؤول فاسد نمطية بمستوى شخصية “الحكم” التي أداها فايز قزق، إنها شخصية الشرير الكامل المطلق، الذي إن بالغ خبراء المكياج وصمموا له أنيابًا تظهر من فمه، فلن يكون ذلك مخالفًا للرؤية الدرامية للشخصية. يقتل ويعلن ضرورة القتل في مسيرة النجاح، يسرق ويقرّ بأن المال المسروق أساس التفوّق، يظلم أبناءه وزوجاته والعاملين لديه، وغير العاملين لديه، يسكر ويضرب ويثير الفوضى، إنه شرير بطريقة التدخين وشرب “الويسكي”، بالنظرة والصوت والجلوس والقيام، لا تحتمل شخصيته أن يتصرّف أي تصرف غير إجرامي، لعلّه يعضّ يده وهو نائم حتى يدميها بلا شك.

بالمقابل، ستجد الضحية الكاملة المتمثلة بشخصية “يارا”، التي أدتها ولاء عزام، حيث لا يكاد يخلو مشهد تظهر فيه، من وقوعها ضحية حدث ما. بنت الليل أيضًا، ستجد مبالغات في شخصيتها كانت كوميدية بمستوى مباشرتها وضحالتها، باللباس والعلكة والحركات وردود الفعل، حتى إنها تعتبر ميا خليفة زميلتها.

محاولات التشبّه بالأعمال العالمية، وهي محاولات تتكرر في أغلبية الأعمال السورية خلال السنوات الأخيرة، تظهر مبتورة ناقصة، ملغى عنها المبرر الدرامي لمصلحة صناعة التشويق. قتل الأبطال من الحلقات الأولى ليس سمة في الدراما السورية عامّة، وعليه يبدو انتحار “ريان” الذي أدى دوره سامر إسماعيل، غير مقنع بتاتًا، خاصة أنه نفّذه بعد إثبات قدرته على المقاومة، بعد نجاح ليس بعد فشل. لقد ظهرت علائم قدرته على الانتصار على أبيه. ضعف “ريان” غير كامل، إنه يلقى الدعم من ضابط “نظيف وأخلاقي” برتبة لواء. كان الانتحار مفاجئًا بالفعل، إنما ليس من باب صدمة روائية محكمة، إنما من باب افتقاد المبرر.

لم يحظَ العمل بتدقيق منهجي خلال عمليات تصويره أو إنتاجه. لقد وردت أخطاء موصوفة في صلب السيناريو، بعضها من مستوى مبتدئين، كأخطاء في تكرار المعلومة ذاتها بين مشهد وآخر، أو ظهور ظل أحد المصورين بسبب خطأ بتوجيه الإضاءة، وصولًا إلى أخطاء أكبر كمعرفة بعض الأبطال لما لا يمكن معرفته منطقيًا عن أبطال آخرين، والفروق العمرية المتبدّلة بين الأختين خلال الطفولة (في الفلاش باك) وفي المرحلة الحالية، وصولًا إلى أخطاء لا يمكن وصفها سوى بالجهل الكامل، كأن يطلب السمسار نسبة لتحويل المال من سوريا إلى الخارج قبل معرفة المبلغ، تلك النسبة كانت 25% عن ثمانية ملايين دولار، وهي نسبة ضخمة غير منطقية نهائيًا، ولعل مبلغًا كهذا يمكن لمكاتب التحويل العاملة في السوق السوداء داخل وخارج سوريا تمريره بنسبة أقل بأضعاف.

يستمد المسلسل قوّته المزعومة من ظهوره كاسرًا محظورات السياسة، وكاشفًا للحقائق المكتومة في المجتمع السوري، وهو أيضًا تصوّر منقوص جدًا. إن قضايا الفساد سلعة رائجة حدَ الملل في الدراما السورية، هذا إذا لم نقل إن المسلسل متصالح بوضوح مع أدبيات النظام السوري. ستجد ثلاثة شبان (موالٍ ورمادي ومعارض) يعيشون متحابّين في بيت واحد، ببُنَى هشّة للشخصيات، وتعابير مباشرة ساذجة، وستجد خطابًا سياسيًا بلغة بريئة، يستهدف تركيا وتاريخها العثماني في احتلال البلاد ونهب خيراتها.

يمر في العمل ضباط فاسدون، يقابل كل واحد منهم ضابط شريف أو أكثر. من بين أولئك الضباط الشرفاء “الرائد مروان” الذي أدى شخصيته خالد القيش، والذي يتحدّث عن أهمية تطبيق “روح القانون”. هذا الضابط نفسه سيخبره مديره بأن “زملاءه في الإنتربول” سيكملون القضية التي بدأ بكشف تفاصيلها. كم بدت هذه الجملة وظيفية، فقبل فترة قريبة أعادت المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (إنتربول) دمج سوريا في نظام تبادل المعلومات التابع لها، بعد أن نبذتها منذ 2012. هنا يجب القول إن تلك العودة بدت لمحللين سياسيين وحقوقيين جزءًا من جهود “الإنتربول” لضبط عمليات تهريب المخدرات في العالم، كون سوريا دولة مركزية في تلك العمليات، كأكبر مصدّر لـ”الكبتاجون” في العالم.

الفارق الهوياتي بين الشرفاء والفاسدين في المسلسل، هو في صور “سيادتو” التي تقع خلف ظهور الشرفاء فقط، أما المجرمون فلا بشّار خلفهم. إن من يرتكبون الجريمة في تلك البلاد التي يتحدّث عنها المسلسل لا يقتدون بقائدها، لذا فإن هذه ليست سوريا.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة