يحتاجون إلى الاندماج مرّتين..

لاجئون يدفعون ضريبة “الطائفة” ولهجة الساحل

معارضون للنظام يرفعون علم الثورة السورية في مدينة مصياف ذات الأغلبية الاسماعيلية في ريف حماة الشمالي (تنسيقية مصياف/ فيس بوك)

ع ع ع

عنب بلدي- خالد الجرعتلي

خلال رحلته للبحث عن عمل، كحال السوريين الجدد في تركيا، شرع أيهم (21 عامًا) بالبحث عن عمل في مدينة اسطنبول، إلا أن عدم إتقانه للغة البلد دفعه لتضييق نطاق بحثه ليقتصر على المحال والورشات السورية فقط.

أيهم الذي ينحدر من مدينة سلمية بريف حماة الشرقي، واجهته أسئلة من قبل بعض أصحاب العمل، بحسب ما قاله لعنب بلدي.

وأضاف أن أكثر الأسئلة التي تكررت خلال نوع مبسط من المقابلات التي أجراها معه أصحاب الأعمال، هو “هل أنت سُني أم علوي”، ولعل تفسير هذا السؤال مرتبط بلهجته، أو خانة مولده.

وتابع أيهم، الذي ينحدر من عائلة سنية في مدينة سلمية، التي تشتهر بأنها إحدى المناطق التي تضم فئة من الأقليات الدينية (الطائفة الإسماعيلية)، أن حالات إبلاغه بعدم وجود عمل مناسب له، بعد معرفة صاحب العمل أنه ينحدر من سلمية، تكررت خلال فترات زمنية مختلفة.

ومع محاولاته المتكررة لإقناع الكثير من أصحاب العمل بأنه من عائلة سنية، كما قال، عثر أيهم العام الماضي على من يصدّق روايته، إذ اقتنع صاحب محل كبير في منطقة أسنيورت باسطنبول أنه سُني، لكنه صُدم عندما اكتشف أن صاحب العمل الذي ينحدر من محافظة الحسكة شيعي الطائفة، فرفض تشغيله.

يعمل أيهم اليوم في مشغل لصناعة الألبسة، يديره شاب سوري ينحدر من مدينة حلب، وهو ما أراد الإشارة من خلاله إلى أن المجتمع السوري ليس كله بصبغة واحدة، إنما هي حالة عانى منها هو، ويعاني منها آخرون.

ما ذكره أيهم، وسوريون آخرون، ليس دليلًا قطعيًا على ظاهرة يحتاج إثباتها إلى دراسات منفصلة، لكنه حسب الباحث السوسيولوجي الدكتور طلال المصطفى، الذي سألته عنب بلدي عن تفسير حالة الرفض أو التشكك، ناتج عن سياسة اتبعها النظام السوري، الذي “حاول الدفاع عن نفسه بطريقة طائفيّة، قسّمت المجتمع إلى طبقات وفئات على أساس ديني وطائفي”، وهو ما ظهر بعد اندلاع الثورة عام 2011.

وتعاني شريحة من اللاجئين السوريين، من أبناء الأقليات الدينية، في تركيا ممن خرجوا من سوريا هربًا من النظام السوري، من صعوبة في الاندماج بالمجتمع السوري اللاجئ، إضافة إلى صعوبة الاندماج بالمجتمع التركي المُضيف كحال السوريين بشكل عام، بحسب أفراد ممن قابلتهم عنب بلدي ممن ينحدرون من أقليات دينية سورية.

طائفية صنعها النظام

يخشى العديد من أبناء الأقليات الدينية من المقيمين في تركيا أو بلدان اللجوء، بشكل عام، والذين كثيرا ما يُعتقد، خطأ أو صوابًا، أنهم موالون للنظام السوري، الانتقام منهم ولو بشكل لفظي، في تركيا التي تعج بأنصار المعارضة من السنة، ومن بينهم مقاتلو المعارضة وعائلاتهم، بحسب ما يعتقده بعضهم.

“حسين” (31 عامًا)، اسم مستعار لأسباب اجتماعية وأمنية، ينحدر من ريف محافظة اللاذقية، قال إن هذا الشعور بات “موقفًا دفاعيًا لا إراديًا” عند الحديث مع أقرانه من السوريين في الخارج، خصوصًا أن لهجته الساحلية الواضحة تفضحه ولو حاول إخفاءها.

وأرجع “حسين” هذا الخوف إلى الصورة النمطية التي شكّلها النظام السوري والمنتفعون منه من أبناء الطائفة العلوية عن أبناء جلدتهم، وهو ما دفعه للخروج من سوريا عام 2012 قاصدًا الأراضي التركية.

ورغم أن “حسين” لم يقدم نفسه، خلال حديثه لعنب بلدي، على أنه مُنحاز لأحد أطراف النزاع في سوريا، أو أنه صاحب رأي سياسي، اعتبر أن هذا التنميط قائم بحسب الرأي السياسي لا الديني، ففي سوريا سابقًا لم يكن موجودًا، رغم التنوع الطائفي والديني الذي كان وما زال موجودًا فيها.

لكن حديث “حسين” لا يعتبر حكمًا قطعيًا في بلد أظهرت الكثير من الدراسات أن أقلية دينية تحكّمت بمفاصله الأمنية، وسخّرت بقية أفراد المجتمع وكوادره من مختلف الطوائف لتثبيت حكم عائلة بعينها.

وتشير ورقة تحليلية لمركز عمران للدراسات الاستراتيجية“، صدرت في آذار 2020، إلى أن تقوية الانقسام الطائفي في سوريا بدأت في السبعينيات، على خلفية الصراع بين حركة “الإخوان المسلمون” والنظام السوري، والذي وصل إلى ذروته بعد عام 1982، حين زاد اعتماد حافظ الأسد على أقربائه وأبناء طائفته، وبالتالي بروز الطبيعة العلوية للنظام، إذ كان هناك من بين 31 ضابطًا عُيّنوا من قبل حافظ الأسد في قيادة الجيش السوري (في الفترة الممتدة ما بين 1970 إلى 1997 )، ما لا يقل عن 61.3% من العلويين في قيادته، منهم ثمانية ضباط من عشيرة حافظ الأسد وأربعة من عشيرة زوجته.

وتشير الدراسة إلى أن هذه السياسة “ما زالت متبعة حتى بعد مرور خمسة عقود (…) حيث يسيطر العلويون على 100% من أهم 40 منصبًا قياديًا في الجيش السوري، بالإضافة إلى احتفاظ بشار الأسد بقيادة الوحدات النوعية ضمن أبناء القرداحة، أو ممن ينتمون لعشيرته أو لعشيرة أخواله”.

كل معارض هو إرهابي!

منذ عام 2011 تكررت العديد من الحوادث التي أظهرت نوعًا من عدم التقبل للاجئين من أقليات دينية بعينها، الأمر الذي قال الدكتور طلال المصطفى إنه لوحظ في مؤسسات المعارضة السورية، التي تكرر رفضها توظيف عدد من أبناء هذه الفئة، لكن الأمر ينسحب على آخرين من غير الأقليات.

إلا أن المسؤول الأول عن هذه السياسة هو النظام السوري، حسب المصطفى، إذ عمل على ترسيخها في المجتمع السوري، وكانت سياسة ذات تأثير بعيد.

وكمثال على تعمّد النظام صناعة شرخ ببعد طائفي داخل المجتمع، قال المعتقل السابق حميد العبد الله، الذي ينحدر من مدينة سلمية، لعنب بلدي، إنه شهد خلال اعتقاله في مركز “الدفاع الوطني” في سلمية، عمليات تعذيب شباب من أبناء الأكثرية السنية السورية أمام آخرين من أبناء الأقليات.

كما أن ترويج النظام لفكرة أن معارضيه هم من الإرهابيين، أو من المتشددين، رسّخ هذا المفهوم بالنسبة لشريحة كبيرة من أبناء الأقليات.

وفي المُحصلة، بات العديد من أبناء الأقليات الدينية ينظرون إلى معارضي النظام من المقيمين في مناطق شمال غربي سوريا، أو المنحدرين منها، على أنهم أفراد في تنظيم “الدولة” وإرهابيون، بحسب تعليقات لموالين للنظام، رصدتها عنب بلدي عبر مواقع التواصل الاجتماعي خلال فترات زمنية مختلفة.

عداء ديني أم سوء تقدير

حميد العبد الله، هو شاب ينحدر من مدينة سلمية، وهو من الذين هتفوا إلى جانب عبد الباسط الساروت في حي الخالدية بمدينة حمص في إحدى المظاهرات الكبرى التي شهدها الحي، قال لعنب بلدي، إن ما حدث في المظاهرة ينفي عمليًا فرضية موقف العداء الديني لدى جمهور الثورة السورية.

واستذكر حميد رحلته إلى حي الخالدية، مشيرًا إلى أن الهدف منها كان الوقوف بجانب فدوى سليمان، وعبد الباسط الساروت، لإظهار الصورة الحقيقية للمجتمع السوري المعارض الذي حاول النظام جاهدًا تشويه صورته.

لكن الحصار الذي فرضته قوات النظام على حي البياضة، حيث كانت فدوى حينها، حال دون وصولها إلى المظاهرة التي شهدها حي الخالدية في 29 من كانون الأول 2012.

الباحث السوسيولوجي الدكتور طلال المصطفى، وقف عند هذا النوع من التنميط خلال حديثه لعنب بلدي، إذ يعتقد أن الموقف المبني على مشاركة أبناء الأقليات في الثورة السورية طبيعي بعض الشيء، مشيرًا إلى أن من الواجب أيضًا الأخذ بعين الاعتبار، أن ظهور الأقليات في مظاهرات شاركت بها شريحة كبيرة من السوريين بأعداد قليلة هو أمر طبيعي، كونهم مصنّفين كأقليات نسبة لقلة عددهم.

وأشار الباحث إلى أن أبناء الأقليات ممن شاركوا في الحراك الثوري في سوريا، انخرطوا فيه بناء على كونهم سوريين لا أبناء أقليات دينية أو قومية.

عزلة يعززها المجتمع المحلي

مع فشل محاولات “حسين” ابن ريف اللاذقية، خلال السنوات الأولى لوجوده في تركيا، في تكوين علاقات اجتماعية مع أبناء جلدته من السوريين، بحسب تعبيره، حاول الانخراط في المجتمع التركي، الذي لم يكن مهتمًا بتكوين علاقات مع اللاجئين، إذ اعتبر أن المجتمع المضيف يعرف بوجود لاجئين في بلده، لكن التقسيمات الاجتماعية داخل مجتمع اللاجئين لا تعتبر أمرًا مهمًا بالنسبة له.

ومع تكرار هذه المحاولات التي لم تُثمر، انتقل “حسين” إلى ولاية هاتاي التركية، التي يشكّل العلويون أغلبية سكانها، لربما يكون فيها “عداء اللاجئين أقل وطأة”، بحسب ما قاله، إلا أن التعامل معه من قبل مجتمع المنطقة اقتصر على كونه سوريًا لاجئًا، لا على أساس العلاقة الدينية التي تربطه بأبنائها.

لكن شهادة “حسين” تتناقض مع شهادات أخرى، تفيد بأن المجتمع العلوي لم يتقبل بشكل كبير اللاجئين السوريين، حتى إن بعض الشهادات التي نشرتها صحيفة عربية في استطلاع عام 2018، أظهرت أن السوريين الذين يقطنون الأحياء العلوية لا يشكّلون “سوى 1% من إجمالي عدد السوريين الموجودين في أنطاكية (هاتاي)”.

ولا يميّز الموقف التركي الحكومي بين اللاجئين، على الرغم من وجود أخطار تحدق بفئة الأقليات في حال ترحيلهم على سبيل المثال، قد تصل إلى التصفية والقتل من قبل النظام أو معارضيه، فالمعاملة القانونية لا تختلف حيال الجميع بصرف النظر عن قومياتهم وطوائفهم.

وسبق أن رحّلت تركيا لاجئًا سوريًا من أبناء مدينة سلمية باتجاه الشمال السوري الذي تسيطر عليه فصائل مصنّفة على قوائم إرهاب دولية، على الرغم من وضعه القانوني في البلاد، دون الأخذ بعين الاعتبار أي أخطار أمنية قد تحيط به.

وتداولت شبكات محلية ووسائل إعلام عربية حينها الخبر على أن “هيئة تحرير الشام” (صاحبة النفوذ في المنطقة) ألقت القبض على سومر عبظو الذي يعتبر من “أخطر شبيحة النظام في تركيا”، وذلك بعد قيام السلطات التركية بترحيله إلى الأراضي السورية، نتيجة مخالفته لقوانين اللجوء التركية.

رغم أن سومر دخل تركيا خلال السنوات الأولى لاندلاع الثورة السورية، فإن وجود صور لشقيقه الذي يؤدي الخدمة العسكرية الإلزامية في قوات النظام، جعلت منه “شبيحًا” في نظر سلطات المنطقة.

وبعد مدة قصيرة من اعتقال الشاب سومر عبظو، أُطلق سراحه بعد وساطات عديدة مع “الهيئة”، على غرار غيره، فيما قُتل آخرون لكونهم من أبناء أقليات دينية سورية، مثل محمد فطوم وعلي الجرف وغيرهما.

الهرب من المخيمات “خوفًا من الانتقام”

في تحقيق أعدته وكالة “رويترز” للأنباء عام 2013، عن تجنّب اللاجئين السوريين لمخيمات اللاجئين في تركيا خوفًا من تعرضهم لعمليات انتقامية من المقيمين فيها، قال المسؤول عن نزل “بيرسلطان عبدال”، زينال اوداباس، الذي يؤوي اللاجئين، إن تركيا يجب أن تضع في الاعتبار تنوع السكان في سوريا وتنشئ مخيمات منفصلة للجماعات المختلفة.

من جانبه، قال المتحدث باسم مديرية إدارة الكوارث والطوارئ التركية، مصطفى ايدوجدو، إن تركيا تفعل ما بوسعها في إطار قواعد دولة القانون، مشيرًا إلى أنه يوجد علويون يعيشون في المخيمات، نافيًا وجود تقارير بوجود نزاعات فيها.

ماذا عن السفر إلى خارج تركيا

من أكثر النصائح التي تلقاها أبناء الأقليات الدينية من اللاجئين السوريين في تركيا، هو لماذا لا تراسلون قنصليات أو سفارات أوروبية، قد تمنحكم حق اللجوء على أراضيها، وهو أمر ليس بهذه السهولة في الحقيقة.

ومن السفارات التي واصلت استقبال طلبات لجوء من قبل اللاجئين السوريين بشكل إلكتروني كانت السفارة الفرنسية، إلا أن المعايير التي تُطبقها لا تزال مجهولة بالنسبة للمتقدمين خصوصًا من أبناء هذه الفئة من السوريين.

ويعتبر كثير من السوريين من المقيمين في تركيا، أن الأفراد من أقليات دينية قد يحصلون على تسهيلات أكبر من قبل دولة أوروبية، باعتبارهم مهددين أكثر من غيرهم.

إلا أن من قابلتهم عنب بلدي من هؤلاء اللاجئين قالوا العكس تمامًا، إذ تقدم معظمهم بطلبات للسفارة الفرنسية لأكثر من مرة ولم يحصلوا على أي رد حتى لحظة تحرير هذا التقرير، رغم مرور سنوات على التقديم.

ولا يعتبر تقييم الشهود الذين قابلتهم عنب بلدي حكمًا حاسمًا، فكثير من السوريين من غير أبناء الأقليات رُفضت طلبات لجوئهم إلى فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية، وتبقى هذه المسألة ضمن الحقوق السيادية لتلك الدول واعتباراتها الأمنية أو سياساتها في استقبال اللاجئين وأعدادهم.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة