ع ع ع

عنب بلدي | أمل رنتيسي

مجزرة بعد أخرى، تتكشف وقائع وحشية حصلت في سوريا، يُعرف الجناة، يتفاخرون بجرائمهم، أو يبررونها، يضج العالم لأيام، تصدر بيانات تندد بالمجازر وتطالب بالمحاسبة، ثم تهدأ الضجة مقابل أصوات تنادي بالتطبيع مع الجناة.

يغذي الحقد قلوب الناجين وذوي الضحايا، دون الوصول إلى محاسبة الضالعين في هذه الجرائم.

وعلى مدار الأيام الماضية، منذ نشر صحيفة “الجارديان” البريطانية تحقيقًا مفصلًا مرفقًا بتسجيل مصوّر عن مجزرة حي التضامن الدمشقي، التي قُتل فيها 41 شخصًا، أعاد السوريون ما يستذكرونه من مجازر النظام السوري في مرثية استمرت عدّة أيام على الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.

التحقيق المطوّل الذي نشرته مجلة “New Lines” الأمريكية، في 27 من نيسان الماضي، ونقله إلى العربية موقع “الجمهورية“، وثّق مقتل أكثر من 280 مدنيًا في أحياء جنوبي دمشق عام 2013، تم إعدامهم في مقبرة جماعية كانت قد أُعدت مسبقًا من قبل فرع المنطقة التابع لشعبة الاستخبارات العسكرية، والمعروف أيضًا بالفرع “227”.

سُرّبت المقاطع التي كان أقساها ما تم تداوله لمقتل 41 من المدنيين العزّل المعصوبي الأعين، على يد صف الضابط في المخابرات العسكرية حينها أمجد يوسف، وزميله نجيب الحلبي.

ألقي الأشخاص في حفرة تم إعدادها مسبقًا لهذا الهدف في وسط أحد الشوارع غير المأهولة في حي التضامن، وبعد الانتهاء من إطلاق النار على الضحايا واحدًا تلو الآخر، أضرم الجناة النار في جثث ضحاياهم عبر إحراق إطارات سيارات وُضعت مُسبقًا في قعر الحفرة، بحسب ما ذكره التحقيق.

أثار التحقيق الرأي العام المحلي والعالمي، في استذكار مجازر أخرى وتسريبات مشابهة، كان أبرزها تسريب 55 ألف صورة لـ11 ألف معتقل عام 2014، من قبل ضابط سوري منشق أطلق على نفسه اسم “قيصر”، ولاحقًا، بموجب التسريبات، أُقر في عام 2019 قانون “قيصر” للعقوبات على شخصيات ومؤسسات النظام السوري.

عنب بلدي تناقش في هذا الملف مع محامين وحقوقيين إمكانية استخدام التسجيلات المصوّرة التي تحدد هوية الجناة، في سياق محاسبة النظام السوري، إضافة إلى فرص فرض عقوبات إضافية عليه.

“الظلام العميق” للمخابرات السورية

قال مراسل شؤون الشرق الأوسط في صحيفة “الجارديان” مارتن شولوف، خلال تعليقه على تقرير الجريدة المتضمن المجزرة، إن “المقطع أعطانا لمحة عن القسم الخفي مما حصل في سوريا خلال عشر سنوات، شاهدنا العديد من المقاطع لتنظيم (الدولة الإسلامية) وهو يرتكب الفظائع، وبعض الأحيان للفصائل المعارضة، والميليشيات التابعة لنظام الأسد، لكننا لم نشاهد بهذا الوضوح (الظلام العميق) للمخابرات السورية، وهنا يمكننا مشاهدة (دليل لا يمكن دحضه) على العديد من الفظائع والهمجية والقسوة، وما نتمناه من هذا الفيديو والفيديوهات الأخرى التي يمكن أن تظهر، أن تبدأ بإظهار نوع من العدالة لآلاف العائلات التي ما زالت تبحث عن أحبائها”.

رئيس النظام السوري بشار الأسد (تعديل عنب بلدي)

 

تكمن أهمية التحقيق في كشف جرائم النظام السوري عبر أجهزته الأمنية وميليشياته، خصوصًا أنه صادر من خلال تحقيق صحفي لـ”الجارديان”، وموجه إلى الغرب، بحسب ما يراه المحامي والناشط الحقوقي السوري المعتصم كيلاني، في حديث لعنب بلدي.

العالم أصبح الآن يوجه أنظاره إلى ما يحصل من انتهاكات في أوكرانيا من قبل الروس، بدلًا مما كانت عليه خلال الـ11 عامًا في سوريا، قال الكيلاني، معتبرًا أنها فرصة جيدة لإعادة تسليط الضوء على المجرم الموجود في سوريا.

وجرى خلال السنوات التي أعقبت اندلاع المظاهرات ضد النظام السوري عام 2011، التوثيق عبر المقاطع المصوّرة والأدلة والشهادات ما يثبت ضلوع النظام السوري بانتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب، بدءًا من إطلاق النار على المتظاهرين السلميين مطلع الثورة، مرورًا بسلسلة الاعتقالات والقتل تحت التعذيب وأعمال التصفية، والمجازر الجماعية المُرتكبة بالأسلحة الكيماوية، وانتهاء بسياسة الأرض المحروقة التي شهدتها مدن سوريا بمساعدة الطيران الروسي.

ولا يشكّل تحقيق “الجارديان” عنصرًا جديدًا بالنسبة للسوريين، فقد ظهرت العديد من المقاطع التي تدل على ارتكاب الأسد وعناصره جرائم بحق المدنيين، مثل التسجيل المصوّر لموقع “زمان الوصل” الذي نشره عام 2021، ويظهر عناصر مخابرات يحرقون جثث معتقلين بمساعدة عناصر تابعين لقوات النظام السوري.

ووثّق التسجيل، الذي نُشر في 12 من آب 2021، إحراق عناصر من “المخابرات العسكرية” و”الجوية” جثث معتقلين بين عامي 2011 و2013، في إحدى المناطق الصحراوية التابعة لريف درعا.

إضافة إلى نشر صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية تحقيقًا تعاونت فيه مع “رابطة معتقلي ومفقودي صيدنايا”، حول مواقع المقابر الجماعية في سوريا، ودورها بإثبات وتوثيق جرائم الحرب المرتكبة من قبل النظام السوري.

وسبقتها صور “قيصر” المسربة لآلاف الضحايا من المعتقلين الذين قُتلوا تحت التعذيب، وآلاف التسجيلات من أرشيف الثورة التي تُظهر إجرام النظام.

وقال الكيلاني، إن تلك الأدلة جميعها تساعد في إثبات الجرائم الممنهجة التي ترتكب من قبل النظام السوري وأجهزته الأمنية، “لكن في الواقع لا يمكن الاستفادة من الولاية القضائية العالمية في محاكمة النظام بشكل كامل”، إذ إن صلاحيتها القانونية تتيح فقط ملاحقة الأفراد الضالعين في تلك الانتهاكات بشكل مباشر ولهم صلة بها، إن كانوا مُنفّذين أو من أصدروا الأمر أو أسهموا بذلك.

وأكد الكيلاني تعذّر التوجه إلى محكمة الجنايات الدولية، لأن سوريا لم توقع على “نظام روما الأساسي“، ولا يمكن التوجه إلى المدعي العام عبر مجلس الأمن الدولي نتيجة التعنّت الصيني- الروسي عبر “الفيتو” الدائم الذي يعوق تحويل ملف الانتهاكات في سوريا إلى محكمة الجنايات الدولية، “لدينا خيار قد يفتح المجال مستقبلًا أمام العدالة الدولية، من خلال الشكوى التي قدمتها هولندا وكندا إلى محكمة العدل الدولية بسبب عدم التزام الحكومة السورية في تحقيق وضمان التزاماتها الموقعة في اتفاقية مناهضة التعذيب”.

وأشار الكيلاني إلى أن الأدلة التي تُجمع ستفيد في التحقيقات التي تثبت الانتهاكات، وأن تلك الجرائم لا تسقط بالتقادم ولا بتغيّر الأحوال.

حارقو الجثث

استخدمت قوات النظام والميليشيات المحلية والأجنبية التي تقاتل إلى جانبها سياسة حرق البشر وهم أحياء حتى الموت، إضافة إلى حرق جثث الأشخاص بعد إعدامهم، بشكل كبير، منذ بدء الاحتجاجات الشعبية في سوريا عام 2011.

وصعّدت هذه القوات من عمليات الحرق بشكل كبير خلال عام 2012، وتواصلت هذه الأحداث على مدار الأعوام اللاحقة، بحسب تقرير لـ”الشبكة السورية لحقوق الإنسان” صادر في شباط 2015.

وتظهر الإحصائيات، بحسب التقرير، أن استخدام قوات النظام طريقة القتل حرقًا أو حرق الجثث بعد القتل هي سياسة ممنهجة اتبعتها هذه القوات، ترافقت مع الكثير من المجازر.

وقال التقرير، إن قوات النظام قامت بعمليات واسعة جرى فيها إحراق للجثث بعد قتل أو ذبح أصحابها، إما زيادة في التشفي أو الانتقام، وإما لردع وإرهاب المجتمع المحلي، وإما من أجل إخفاء معالم الجثث والضحايا، وبالتالي إخفاء الجريمة.

وجرت حالات حرق لنساء بعد أن مورست بحقهن عمليات اعتداء جنسي.

وأضاف أن عمليات حرق الجثث كانت تتم إما في صورة الحالات الفردية، وإما أنها، كما بدا في العديد من الحالات، كانت تتم بشكل جماعي وعلى خلفيات انتقامية ذات طابع طائفي.

وترافقت الكثير من عمليات حرق الجثث مع المجازر التي تحمل صبغة طائفية، وارتُكبت من قبل ميليشيات محلية وأجنبية بالتنسيق والتعاون مع قوات النظام.

عنصر من مخابرات النظام السوري أمجد يوسف خلال قتله المدنيين في حي “التضامن” الدمشقي عام 2013 (aljumhuriya)

تجربة مشابهة لـ”قيصر”؟

سبق أن عملت المنظمات السورية الأمريكية الداعمة لقانون “قيصر” على إيصاله عام 2019 إلى مجلس الشيوخ، إذ شاركت عدة منظمات في دعم القانون، وكان دور منظمة “أمريكيون لسوريا حرة” يتمثل بـ”جماعات الضغط” (اللوبي) التي تضم ممثلين دائمين في الكونجرس، يسهمون في تقديم القوانين والدفع لتمريرها.

وساعدت منظمات أخرى، مثل “المجلس السوري الأمريكي” و”المنظمة السورية للطوارئ”، على الترويج للقانون وتثقيف أعضاء الكونجرس بأهميته لحثهم على الموافقة عليه.

“قيصر” هو قانون أمريكي دخل حيز التنفيذ في حزيران 2020، ينص على تجميد مساعدات إعادة الإعمار، وفرض عقوبات على النظام السوري وشركات متعاونة معه ما لم يحاكَم مرتكبو الانتهاكات، ويستهدف أيضًا كيانات روسية وإيرانية تدعم أو تتعاون مع النظام السوري.

وتعود تسميته إلى الضابط السوري المنشق عن النظام، والذي سرّب 55 ألف صورة لـ11 ألف معتقل عام 2014، قُتلوا تحت التعذيب، أكد مكتب التحقيق الفيدرالي(FBI)  صحتها وأثارت الرأي العام العالمي حينها وعُرضت في مجلس الشيوخ الأمريكي.

مدير “المركز السوري للعدالة والمساءلة”، محمد العبد الله، لا يعتقد أن التحقيق والتسجيل المصوّر مختلف عن بقية الأدلة، مشبهًا التسجيل بصور “قيصر”.

وقال العبد الله، في حديث إلى عنب بلدي، إن هنالك دليلًا على وحشية بالعنف والجرائم وتصفية المعتقلين، وبعض النقاط المختلفة التي تقدم وضوحًا وسطوعًا أكثر لجريمة القتل بدم بارد، وتصفية أشخاص ليسوا معتقلين رغم ما يروّجه دائمًا النظام السوري بأن من قُتلوا كانوا “مقاتلين” أو “إرهابيين”.

إلا أنه بالتسجيل المصوّر، يتضح أن الأشخاص مدنيون سيقوا من حاجز مباشرة وبملابسهم، ومن الواضح أنهم لم يكونوا قيد الاعتقال بالنظر إلى ملابسهم المدنية، وجرى إعدامهم من دون سبب ومن دون محاكمات وبدم بارد.

فلذلك، وضوح هذه المجزرة، والتسجيل المرافق لها، ربما هو المختلف، إذ يُظهر للعالم تفاصيل المجزرة، لكنه ليس مختلفًا بقيمته القانونية كأدلة عن بقية الأدلة الموجودة من داخل سوريا، وأهمها صور “قيصر” حتى اليوم، وفق العبد الله.

وبحسب حديث سابق لمحمد العبد الله، إلى عنب بلدي، فإن “المركز السوري للعدالة والمساءلة” نجح في جمع مليون ونصف مليون تسجيل مصوّر قبل أن يحذفها “يوتيوب”، بالإضافة إلى جمع وثائق من الأجهزة الأمنية السورية وقعت بأيدي أشخاص انشقوا، أو تُركت في مناطق سيطرت عليها قوات المعارضة، حجم هذه الوثائق هو 500 ألف صفحة ورقية، أخرجها فريق الموثقين في المركز بالتعاون مع منظمات حقوقية شريكة أخرجت وثائق أخرى لدينا صور طبق الأصل لها.

وحول مساهمة الأدلة الجديدة في فرض عقوبات إضافية على النظام السوري، يرى المحامي لدى مجموعة “غيرنكا 37“، ومدير “البرنامج السوري للتطوير القانوني”، إبراهيم العلبي، أنه يمكن أن تؤدي هذه الأدلة إلى فرض عقوبات جديدة، إلا أن العقوبات في الفترة الأخيرة كانت على أفراد في النظام السوري، معتبرًا أن الأفراد الموجودين في التسجيل لن تؤثر عليهم العقوبات الاقتصادية بشيء.

وقال العلبي، لعنب بلدي، إن من الممكن إضافة أفرع أمنية إلى قوائم العقوبات، رغم رمزية هذه الخطوة على حساب فعاليتها، فالأجهزة السياسية والأمنية التابعة للنظام، لا تتأثر بالعقوبات الاقتصادية، كونها ليست أجهزة اقتصادية في المقام الأول، ضاربًا مثالًا على ذلك عندما وُضع سجن “صيدنايا” على قائمة العقوبات الأمريكية ومُنع تعامله مع النظام الاقتصادي العالمي.

فهذه خطوات رمزية من قبل الولايات المتحدة لتصنيف السجون والمعتقلات السورية بأنها “أماكن سيئة”، واعتبر العلبي أن العقوبات خطوة أكبر من تصريح وأقل من تحرك قانوني.

أما عن الآلية التي يمكن أن تتبعها المنظمات الحقوقية أو الأشخاص القائمون على التحقيق، للدفع باتجاه المحاسبة، فأوضح العلبي أن هناك منظمات حقوقية أرسلت القضية للمقرر الخاص المعني بالقتل خارج القانون، فهنالك آليات في الأمم المتحدة معنية بهذا الأمر باسم “المقرّر الخاص المعنيّ بحالات الإعدام خارج القضاء أو بإجراءات موجزة أو تعسفًا“.

وأكد العلبي أن نشر الأمر إعلاميًا يدفع باتجاه المحاسبة التي لا تقتصر فقط على موضوع المحاكمات، ولكن إعادة وضع هذا الملف على الطاولة حقوقيًا كان جيدًا، إذ رأينا تحركات من الخارجيات وضغطًا دوليًا وإعلاميًا وحشدًا للرأي عام، وهذا الأمر مفقود منذ فترة بالقضية السورية.

في الطريق إلى المحاكم الأوروبية

مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، نشر عبر “فيس بوك” نصًا تحدث فيه حول أبرز ما يميز التحقيق، وهو قدرة الباحثين على التوصل إلى هوية المسؤول الأول عن مجزرة التضامن أمجد يوسف.

وأضاف عبد الغني، “كان هناك اجتماع مع المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بتعزيز وحماية حقوق الإنسان في سياق مكافحة الإرهاب‎‎‎‎‎‎، وتحدثت عن التحقيق والتسجيل المصوّر، ضمن سياق ضرورة توصيف الأفعال التي تقوم بها الأنظمة المتوحشة مثل النظام السوري بأنها أفعال إرهابية، إذا لم يكن ما قام به أمجد وعصابته أعمالًا إرهابية برعاية وحصانة تامة من بشار الأسد، فما هو الإرهاب!”.

وتم تقديم التسجيل إلى ثلاثة من المدعين العامين في أوروبا، في كل من ألمانيا وفرنسا وهولندا لبدء الإجراءات القضائية، حسب عبد الغني.

وحول إمكانية استخدام المقطع لرفع دعوى جنائية في المحاكم، قال مدير “المركز السوري للعدالة والمساءلة”، محمد العبد الله، إنه بالتأكيد يمكن رفع الدعاوى، لكنه تساءل بأنه ضد من ستكون هذه الدعوى، نظرًا إلى عدم وجود محكمة دولية خاصة بسوريا حاليًا، كما أنه ليست هناك إمكانية للإحالة إلى محكمة الجنايات الدولية، فالتقاضي محصور أمام الدول الأوروبية التي تسمح قوانينها بمحاكمة جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

عنصر المخابرات الذي ظهر في التسجيل أمجد يوسف ليس على الأراضي الأوروبية، لذلك ليست هناك إمكانية لمحاكمته غيابيًا، إذ لا تسمح التشريعات الوطنية أو القوانين في هذه الدول بالمحاكمات الغيابية، وفق “مبدأ الاختصاص العالمي لحقوق الإنسان“.

وأضاف العبد الله أنه يمكن استخراج مذكرة توقيف دولية شبيهة بمذكرات التوقيف الصادرة بحق اللواء علي مملوك واللواء جميل الحسن، لكن هذا لا يعني تسليم أمجد يوسف وجلبه للعدالة ومحاكمته، ومعرفة تفاصيل هذه المجزرة وهويات الضحايا، والدافع خلفها، والأشخاص الذين أمروا بها، فهذه المعلومات لا يمكن الوصول إليها.

الولاية القضائية العالمية (أو مبدأ الاختصاص العالمي لحقوق الإنسان) هي إحدى الأدوات الأساسية لضمان منع وقوع انتهاكات القانون الدولي الإنساني، والمعاقبة عليها في حال ارتكابها من خلال فرض العقوبات الجنائية.

وتنص اتفاقيات جنيف لعام 1949 على أن الدول الأطراف ملزمة بتعقّب المشتبه بارتكابهم مخالفات جسيمة (جرائم حرب)، بغض النظر عن جنسياتهم ومكان ارتكاب الجريمة المزعومة، وتقديمهم إلى محاكمها أو تسليمهم إلى دولة أخرى طرف في الاتفاقيات لمحاكمتهم.

والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 يوسع نطاق هذا الالتزام، ليشمل المخالفات الجسيمة الوارد تعريفها فيه، وفق موقع “اللجنة الدولية للصليب الأحمر“.

وأبد العبد الله تحفّظه على أسلوب “انتزاع الاعتراف” من أمجد يوسف، وذلك بسبب إمكانية دحض الادعاء من قبل أي محامي دفاع، مثلًا التشكيك بهوية حساب “فيس بوك” المنسوب لأمجد يوسف، وأيضًا التشكيك بمثل هذا الاعتراف بأي محضر قضائي، بحجة أنه لم يكن هو الذي يدير الحساب.

لكنه وفق تحقيق أنصار شحّود وأور أوميت أونغر، اللذين وصلا إلى كمية من المعلومات عبر إنشاء شحّود حساب “فيس بوك” وهمي باسم “آنا”، وهي شخصية وهمية من الطائفة العلوية تجري بحثًا في جامعة أوروبية حول جيش النظام السوري الذي تدعمه وتدعم قائده، وبعد محاولات عدة فشل بعضها بسبب شكوك أمجد، استطاعت “آنا” الحصول على اعترافات من قبله بارتكابه العديد من عمليات القتل، انتقامًا لمقتل أخيه قبل أشهر من حادثة “التضامن”، حسب تحقيق “الجارديان“.

“لقد انتقمت، أنا لا أكذب عليكِ، لقد انتقمت، لقد قتلت. لقد قتلت كثيرًا، قتلت كثيرًا ولا أعرف عدد الأشخاص الذين قتلتهم”

صف الضابط في المخابرات العسكرية أمجد يوسف

هل انتشار التسجيل يضعفه في المحاكم؟

عندما ظهر التسجيل لأول مرة، نُشرت فقط أجزاء منه على “الجارديان”، إلا أن المقطع الكامل بدقة وجودة عالية، انتشر كالنار في الهشيم بين أوساط السوريين، الأمر الذي استدعى توجيه الباحثة شحّود نداء لوقف تداوله احترامًا للضحايا وعائلاتهم، وللمسار القضائي والحقوقي.

عنب بلدي سألت الحقوقي محمد العبد الله، حول انتشار المقاطع على وسائل التواصل الاجتماعي، وأثره في إضعاف دورها كأدلة في المحاكم.

نفى العبد الله أن يشكّل تداول المقطع بتاتًا ضعفًا للأدلة من ناحية قانونية، معتبرًا أنه سلبي من نواحٍ أخرى، مثل مراعاة مشاعر الضحايا الذين سيشاهدون أحباءهم وهم يُقتلون.

فصحيفة “الجارديان” لم تنشر المقطع كاملًا بوضوح، وغطّت وجوه الضحايا، لكن تداول المقطع على وسائل التواصل الاجتماعي السورية بالوسط السوري كان سلبيًا، لأنه لا يراعي حرمة الضحايا ومشاعرهم من ناحية.

أما من ناحية ثانية فيمكن السؤال بشكل أكبر حتى عن كشف هوية الفاعلين أنفسهم وليس فقط الضحايا، فالفاعل لا يزال داخل سوريا، بمثل هذه الحالة ماذا سيحصل لأمجد مثلًا الذي يعلم أنه في حال خرج من سوريا فستتم محاكمته، وعلى الأغلب ستقوم قوات النظام بتصفيته، وفق العبد الله.

وأكد العبد الله أن نشر هوية الفاعلين هو إجراء مناصرة، أكثر من كونه إجراء قضائيًا أو قانونيًا، معللًا ذلك بأنه عندما تخبر شخصًا أنه سيكون مطلوبًا في المحاكم الأوروبية، فلن يكون لديه حافز للمغادرة من سوريا، لكن من الممكن مثلًا بعد سنوات، إن كان أمجد يوسف غادر سوريا إلى أي دولة اوروبية، وتقدم بطلب لجوء، فيفاجأ بوجود أدلة ضده، ويمكن محاكمته عليها.

وأضاف، “لكن نحن لسنا أمام محاكمة، على الأقل في القريب العاجل، لأن أمجد أصبح يعلم أنه قد يكون مطلوبًا في دول أوروبية، وأيضًا أعتقد أن النظام سيعمل على طمس معالم الجريمة وبالتالي تصفية الأشخاص المشاركين والذين تنكشف هوياتهم”.

عنصر من قوات النظام السوري في المقطع المصور لمجزرة التضامن المنشور في تحقيق “الجارديان”

أبرز المحاكمات الأوروبية لمجرمي حرب سوريين

تشهد المحاكم الأوروبية مجموعة محاكمات تتعقب مجرمي الحرب في سوريا، وأبرزها:

علاء موسى.. الطب لأجل القتل

في 19 من حزيران 2020، ألقت السلطات الألمانية القبض على الطبيب موسى، المتهم بتعذيب المعتقلين وحرق أعضائهم التناسلية خلال عمله طبيبًا في سوريا.

وورد في أمر توقيف الطبيب، أنه في نهاية نيسان 2011، بدأت قوات النظام السوري باستخدام “القوة الوحشية” لقمع جميع أشكال الحراك المناهض لسياسة النظام، ولعبت المخابرات السورية حينها دورًا أساسيًا في ذلك، وكان الهدف وقف الحركة الاحتجاجية بمساعدة من المخابرات في أسرع وقت ممكن وتخويف السكان.

ولهذه الغاية، ألقي القبض على شخصيات معارضة، واحتُجزوا وعُذبوا وقُتلوا في جميع أنحاء سوريا، بحسب بيان أمر التوقيف.

وعمل علاء موسى طبيبًا في سجن لـ”المخابرات العسكرية” بمدينة حمص عام 2011، كما عمل طبيبًا وعميلًا في جهاز المخابرات بمستشفى “المزة العسكري” رقم “601” المعروف باسم “المسلخ البشري”، حيث التُقطت صور “قيصر”.

ويعتبر الطبيب موسى ضالعًا في العنف الجنسي، والتعذيب، وقتل مدنيين في المستشفى العسكري وفرع “المخابرات العسكرية” في حمص.

وأقرت المحكمة العليا في فرانكفورت 18 تهمة موجهة لموسى، وبذلك بدأت جلسات المحكمة بـ18 تهمة تعذيب، بعد أن كان مقررًا أن تفتتح جلسات المحاكمة بثماني تهم فقط.

المتهم الطبيب علاء موسى في جلسة محاكمته الأولى داخل المحكمة الإقليمية العليا في فرانكفورت غربي ألمانيا، وبجانبه محاميا الدفاع أسامة العجي وأولريش إندرس- 19 من كانون الثاني 2022 (AFP)

أنور رسلان وإياد الغريب.. أُدينا في ألمانيا

أصدرت المحكمة الإقليمية العليا في بلدة كوبلنز جنوب غربي ألمانيا، في 13 من كانون الثاني الماضي، حكمها الثاني في قضية الضابطَين السوريَّين المتهمَين بالمسؤولية عن “جرائم ضد الإنسانية”، نُفذت في مراكز اعتقال تابعة للنظام السوري بدمشق.

وحكم قاضي المحكمة على الضابط السابق في المخابرات العامة السورية أنور رسلان بالإدانة، والسجن المؤبد غير المشدد، مع تحمل كامل التكاليف للمتضررين.

استمدت المحكمة حكمها من حوالي 100 شهادة، وفقًا لمحامين يمثّلون المدعين، ووقف العديد من الناجين من التعذيب في الفرع “251” وتقابلوا وجهًا لوجه مع رسلان، رئيس قسم التحقيق السابق في الفرع.

وقدموا روايات مفصلة عن الإساءات الجسدية والنفسية، فضلًا عن الزنازين الشديدة الاكتظاظ حيث حُرموا من الطعام والماء والعلاج الطبي.

كما استندت المحكمة إلى صور “قيصر” المسرّبة بشكل أساسي لإثبات حالات التعذيب داخل الفرع “251”.

وفي شباط 2021، حكمت المحكمة على إياد الغريب بالإدانة، والسجن لمدة أربع سنوات ونصف السنة بتهمة “جرائم ضد الإنسانية”.

يعتبر إياد الغريب المسؤول الأدنى رتبة في القضية بعد المتهم أنور رسلان، واُتهم سابقًا بالتحريض على ارتكاب التعذيب بحق المعتقلين، واحتجاز أشخاص عام 2011، وتسليمهم إلى الفرع “251” حيث تعرضوا للتعذيب لاحقًا.

وبالإضافة إلى هاتين المحاكمتين، اللتين أخذتا حيزًا كبيرًا من التفاعل في سوريا، توجد مجموعة من المحاكمات لعناصر وأشخاص متهمين بالضلوع بجرائم حرب من مختلف أطراف النزاع، اعتقلوا بعد وصولهم إلى أوروبا.

السوري إياد الغريب أمام محكمة ألمانية في كوبلنز لاتهامه بارتكاب جريمة ضد الإنسانية حين كان ضابطًا في جهاز أمن الدولة السوري في فرع الخطيب الأمني- 23 من نيسان 2020 (AFP)

مقالات متعلقة