إلغاء زيارة العيد من تركيا يحرم الشمال السوري من موسم اقتصادي

مارة أمام أحد متاجر الألبسة في مدينة إدلب (عنب بلدي/ أنس الخولي)

ع ع ع

عنب بلدي – أمل رنتيسي

“لا تتجاوز يومية العامل هنا 100 ليرة تركية، بالكاد تكفيه معيشته اليومية دون مصاريف العيد الإضافية، فأجور المياومة لا تستطيع خلق حركة بيع وشراء اعتادها الباعة خلال زيارات الإجازات في الأعياد”.

هكذا وصف بائع الخضار شريف الشامي في مدينة الباب بريف حلب الشرقي ما آلت إليه أحوال موسم عيد الفطر بسبب قلة الحركة التجارية التي خلقها غياب السوريين القادمين من تركيا عن أسواق الشمال السوري خلال فترة العيد.

وقال شريف لعنب بلدي، إن العيد الماضي كان “أكثر حركة” من هذا العيد الذي شهد جمودًا قويًّا في الأسواق، مع منع دخول السوريين من تركيا في زيارة العيد، التي كانت تركيا تتيحها سابقًا.

ويقصد السوريون خلال فترة الأعياد الأسواق لشراء الملابس والحلويات ومحال بيع اللحوم والخضار، وسط تضرر قطاع الألبسة في مدينة الباب أكثر من غيرها، إذ يراها البعض كماليات، وفق ما قاله شريف لعنب بلدي.

عدم زيارة السوريين جاء بعد إصدار السلطات التركية قرارًا، في 20 من نيسان الماضي، بمنع إجازات العيد إلى سوريا، بعد وصول ألفين و123 شخصًا خلال أربعة أيام عن طريق معبر “باب السلامة” الحدودي بين سوريا وتركيا، بينما أوقفت بقية المعابر الحدودية استقبال طلبات الزيارة.

السكان “طفرانين” والسوق “داقر”

اعتاد السوريون في أسواق الشمال الغربي أن تشكّل الزيارات نشاطًا في الأسواق، إضافة إلى حركة السير والتنقلات، إذ يحاول الزائرون عادة الاستفادة من العدد المحدود لأيام الإجازة لزيارة الأماكن التي يقصدونها مع أقاربهم في المنطقة.

خلال إجازة عيد الفطر، في 1 من أيار الحالي، التقت عنب بلدي عددًا من الباعة في ريف حلب وإدلب، تحدث معظمهم عن تأثر الحركة التجارية ومحالهم بقلة الطلب.

حمود المحمد، المنحدر من الغوطة الشرقية ويعمل لحامًا في مدينة الباب، قال لعنب بلدي، إنه منذ آخر عشرة أيام في رمضان، بدأت الأسواق تشهد “جمودًا” في الحركة وليس فقط على محال اللحوم، مضيفًا أن الجميع يشتكي من الأوضاع ويصف الأسواق بـ”الداقرة”.

ويرى الباعة أن السكان “طفرانين” بالأصل، وأن الزيارات تسمح لأقاربهم المقتدرين بشراء ما يلزمهم، وفق حديث بائعين في مجال الألبسة لعنب بلدي.

محمد عبيد، وهو تاجر ألبسة وأقمشة في مدينة إدلب، قال إن التجار أصبحوا يعلمون ما تشكّله الأعياد من “موسم” يجب فيه ضخ كميات وافرة من البضاعة لتصريفها.

وأضاف، “أوضاعنا الأعياد الماضية كانت بخير، لكن هذا العيد تفاجأنا وزادت خسارتنا خسارة مع قرار إغلاق المعابر منذ منتصف رمضان تقريبًا، إذ جاء هذا القرار بعد شرائي البضاعة ودفع الجمارك عليها وتجهيزها، إلا أنها تكدست أمامي الآن بعد أن كان الزائر الذي يدخل يشتري لعشرة أشخاص على الأقل، حتى دون المفاصلة (المساومة)”.

وتوجد في مناطق سيطرة المعارضة، إلى جانب الألبسة المستوردة من تركيا والمصنعة محليًا، ألبسة “البالة” الأوروبية، والألبسة الجاهزة المستوردة من الصين، التي تدخل إلى مناطق سيطرة المعارضة عبر الحدود مع تركيا، بعد مرورها “ترانزيت” من الأراضي التركية.

واشتكى محمد من أن المعروض على الواجهة الأمامية لم يُبع، وأن زائري المحل يكتفون بـ”الفرجة” (النظر فقط إلى الملابس)، كما أبدى امتعاضه من قرار الحكومة التركية إلغاء الزيارات قائلًا، “لو كان التجار يعلمون لما اشترينا كل هذه البضائع”.

ووفق محمد، فإنه ما زاد الطين بلّة على التجار هو أصحاب “البسطات” الذين يعرضون بضائعهم بسعر أرخص من المحال لعدم وجود أعباء الإيجارات عليهم.

“نحن نعيش بكابوس الإيجارات في المدينة، فمتجري مثلًا لا تتجاوز مساحته مترين بثلاثة أمتار أجرته 600 دولار”، وفق محمد، الذي تساءل عن كيفية دفع الإيجار شهريًا في ظل توجّه الزبائن إلى الشراء من “البسطات” أو سوق “البالة” لرخص أسعارها.

“نروح مليانين ونجي فاضيين”!

“أبو يحيى”، من سكان مدينة حلب متزوج ولديه ثمانية أطفال يعيش حاليًا في مدينة هاتاي بتركيا، كان يخطط لزيارة أقاربه وأقارب زوجته في مدينة إدلب وريف حلب هذا العيد قُبيل قرار إغلاق المعابر، التقته عنب بلدي للاستفسار عن طبيعة الإنفاق الذي تحتاج إليه عائلته في حال إتمام الزيارة.

كان “أبو يحيى” يحضّر نفسه للزيارة بعد انقطاع سنتين عن أقاربه، لكن خابت آماله وأبدى انزعاجه من إغلاق المعبر قائلًا، “رغم الصعوبات والمشكلات التي كانت تواجهنا عند حجز المواعيد على الروابط التي تطلقها المعابر نتيجة الضغط الكبير، هذا الأمر لم يمنعنا من الزيارة لرؤية أهلنا في الشمال، وكنا نجلب الهدايا والأموال بما لا يقل عن 20 أو 25 ألف ليرة تركية”.

يعمل “أبو يحيى” في هاتاي بتوزيع الخبز السوري على المنازل ضمن “بقالية”، ويرسل بين الحين والآخر مساعدات مالية لأقاربه في ريفي إدلب وحلب.

وقال الرجل الأربعيني، “كنا نروح مليانين ونجي فاضيين”، مشيرًا إلى أن السوريين عادة يعملون ساعات إضافية أو في أشغال أخرى قبيل الزيارات في محاولة لتغطية نفقات الهدايا والمصاريف في الداخل السوري، مقدرًا المصاريف الكلّية لزيارة عائلته المكونة من عشرة أشخاص بما يقارب ثلاثة آلاف دولار بين النفقات اليومية والعزائم والهدايا وإيجارات النقل.

“مصائب قوم عند قوم..”

الزيارات شكل من أشكال التضخم المؤقت

الباحث في الاقتصاد السياسي الدكتور يحيى السيد عمر، يرى في حديث إلى عنب بلدي، أن زيارات السوريين إلى الشمال السوري تسهم في إنعاش الواقع التجاري في الشمال السوري، ولكن بشكل محدود، كون هذه الزيارات مؤقتة، فهي تسبب طلبًا مؤقتًا موسميًا، وعلى اعتبار أنها طلب موسمي قد تسبب بعض الضرر على الشريحة الأشد فقرًا نتيجة ارتفاع الطلب وثبات العرض، وهو ما يسبب شكلًا من أشكال التضخم المؤقت.

وأضاف الباحث أنه فيما يتعلق باعتماد الحركة التجارية في الشمال السوري على الزائرين، فهذا الأمر في حدوده الدنيا، كون الزيارات ليست كثيفة في ظل العقبات على جانبي الحدود، إضافة إلى كون الإنفاق الناتج عن الزيارات خارج أوقات الأعياد متوسطًا ولا يشكّل دعمًا اقتصاديًا ملحوظًا.

وأمام انخفاض قيمة الليرة التركية التي يتعامل بها الشمال السوري لتصل إلى حوالي 14 ليرة للدولار، بعد أن كانت قيمة الدولار عام 2021 حوالي ثماني ليرات، والغلاء المعيشي الذي تشهده الأسواق، يتجه معظم السوريين في دول اللجوء إلى مساعدة أقاربهم ومعارفهم عبر إرسال المساعدات المالية.

وعن أثر هذه المساعدات الخارجية، قال السيد عمر، إن دورها مهم وكبير، منوهًا إلى أنها تتم عبر عدة قنوات، أهمها نظام الحوالات، فالزيارات المباشرة أثرها منخفض مقارنة بالحوالات، لذلك لا يعتد بدرجة كبيرة بدور الزيارات في تحفيز الإنفاق، مع التركيز على الحوالات الخارجية، وفق الباحث.

بدوره، أوضح وزير الاقتصاد في “الحكومة المؤقتة”، عبد الحكيم المصري، لعنب بلدي، أن زيارات السوريين تُحسن بالطبع من الأسواق، لكن ليس بالدرجة الكبيرة كما يتوقع معظم الناس، إذ كان يزور الشمال 40 أو 50 ألف شخص السنة الماضية مثلًا، وبالنسبة لعدد السكان الموجودين أصلًا في هذه المناطق لا يشكّلون سوى 2 إلى 3%.

لكن أصبح من المتعارف عليه أن الزوّار يوفرون بعض الأموال لإنفاقها في الأسواق كالألبسة والأغذية والحلويات، والتي كانت تساعد إلى حد ما أقاربهم أيضًا، مؤكدًا أن الحوالات المالية تبقى مهمة أيضًا في سياق الإنفاق.

ويعاني معظم سكان شمال غربي سوريا من صعوبة في تأمين الاحتياجات الأساسية، إذ تعتمد 85% من العائلات في دخلها المادي على الأجور اليومية، وتعاني 94% من العائلات من عدم القدرة الشرائية على تأمين الاحتياجات الأساسية.

ويحتاج عامل المياومة في إدلب إلى 65 يومًا لكسب التكلفة الشهرية من أجل تأمين الاحتياجات الأساسية، بحسب تقارير مبادرة “REACH” الإنسانية.

ومن إجمالي عدد السكان البالغ عددهم أربعة ملايين نسمة في المدينة، يقدّر أن حوالي 2.7 مليون نازح يعتبرون أشخاصًا بحاجة إلى المساعدة الإنسانية، بحسب تقارير مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة (UNHCR).



English version of the article

الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة