“يوم النصر” بلا نصر في روسيا.. ما الرسائل التي يحملها؟

فلاديمير كابيتونوفين (98 عامًا) محارب روسي قديم في الحرب العالمية الثانية وطيار عسكري سابق- 1 من أيار 2022 (AP)

ع ع ع

“ليس لديهم ما يحتفلون به، لم ينجحوا في هزيمة الأوكرانيين، لم ينجحوا في تقسيم العالم أو تقسيم (الناتو). نجحوا فقط في عزل أنفسهم دوليًا وأن يصبحوا دولة منبوذة في جميع أنحاء العالم”، هكذا تقول ليندا توماس جرينفيلد، سفيرة أمريكا لدى الأمم المتحدة، بشأن احتفال الروس بـ”عيد النصر”.

تحتفل روسيا اليوم، الاثنين 9 من أيار، بانتصارها على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، ولهذا العام معنى خاص في ظل الحرب الأوكرانية، التي يسميها الكرملين “عملية عسكرية خاصة” تهدف إلى تخليص البلاد من “النازيين الجدد”، حسب وصفه.

لن يكون يوم النصر هذا العام مجرد تكريم للصراع الذي انتهى قبل 77 عامًا، إذ يفكر العديد من الروس في الآلاف من القوات التي تقاتل في أوكرانيا، وقد نمت علامات الدعم للجيش في جميع أنحاء البلاد منذ بدء “الغزو” في 24 من شباط الماضي، مع ظهور الحرف “Z” الذي يرمز إلى النصر على اللوحات الإعلانية واللافتات في الشوارع ومترو الأنفاق وعلى التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي، “لتزويد الناس بفكرة أنهم يقفون مرة أخرى في وجه النازيين”، وفقًا للمؤسسة المشاركة لمجموعة “ريدل روسيا التحليلية”، أولغا إيريسوفا.

قالت إيريسوفا، إن معظم الرسائل حول يوم النصر موجهة إلى الشعب الروسي على أي حال، من خلال تسخير الرواية النازية من الحرب العالمية الثانية، ولدى الكرملين قدرة على إثارة مشاعر قوية لأن معظم الروس لديهم أقارب ماتوا أو كافحوا في الحرب، فما الرسائل التي يحملها:

الحرب والإحياء

يوم النصر الذي تحتفل به روسيا في 9 من أيار من كل عام، هو أهم عطلة في البلاد، تكبّد الاتحاد السوفييتي خسارة 27 مليون شخص في الحرب العالمية الثانية، التي أطلق عليها اسم الحرب الوطنية العظمى، وترك الصراع الذي دمر البلاد وتسبب بمعاناة هائلة ندبًا عميقًا في النفس الوطنية.

يعد هذا اليوم حدثًا نادرًا في تاريخ الأمة الروسية ما بعد الاتحاد السوفييتي، وهو يحظى باحترام جميع الأطياف السياسية، ويستخدم الكرملين هذا اليوم لعرض القوة والمعدات العسكرية، والتأكيد على دور روسيا كقوة عالمية.

سعى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، خلال خطاب ألقاه في عرض عسكري بالميدان الأحمر اليوم، إلى تبرير غزوه من خلال تصوير عمل موسكو العسكري في أوكرانيا على أنه رد قسري على السياسات الغربية وخطوة ضرورية لدرء أي عدوان محتمل.

ورسم بوتين أوجه تشابه بين قتال الجيش الأحمر (السوفييتي) ضد القوات الألمانية النازية وعمل القوات الروسية في أوكرانيا، ووبّخ الغرب مرة أخرى لفشله في الاستجابة للمطالب الروسية بضمانات أمنية والتراجع عن توسع “الناتو”، بحجة أنه لم يترك لموسكو أي خيار آخر سوى شن تحرك في أوكرانيا.

تتميز الاحتفالات السنوية باستعراض عسكري ضخم في الميدان الأحمر، حيث تعرض أحدث الأسلحة من الدبابات إلى الطائرات المقاتلة إلى الصواريخ الباليستية العابرة للقارات ذات الرؤوس النووية، وغالبًا ما يستخدم الزعيم الروسي هذه اللحظة لإرسال رسائل.

لكن هذا العام قُلّصت مجموعة الأسلحة المعروضة بشكل كبير عن عام 2021، في انعكاس واضح للمشاركة العسكرية المكثفة في أوكرانيا.

كان إحياء يوم النصر من حين لآخر في الحقبة السوفييتية، وأعاد الرئيس بوريس يلتسين إحياءه في الذكرى الـ50 عام 1995، لكن فلاديمير بوتين في عام 2008، هو الذي جعله حدثًا سنويًا يضم معدات عسكرية.

بعد أن ضمت روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014، احتفل بوتين بيوم النصر بخطاب في الميدان الأحمر حول هزيمة الفاشية، قبل أن يتوجه إلى ميناء “سيفاستوبول” على البحر الأسود للاحتفال بانتصاره الجديد أمام آلاف المتفرجين.

محاربة “النازيين الجدد”

منذ بدء “الغزو”، أعلن بوتين أنه كان يهدف إلى “نزع السلاح” من أوكرانيا لإزالة التهديد العسكري المتصور لروسيا من قبل “النازيين الجدد”، وهو خطاب أدانته أوكرانيا والغرب كغطاء وهمي لعمل “عدواني فظ”.

استخدم الكرملين الخطاب أيضًا لمحاولة تعزيز الدعم الشعبي للحرب وسط خسائر فادحة في القوات والمعدات، والأضرار الاقتصادية الهائلة من العقوبات الغربية، وفقًا لوكالة الأنباء “أسوشيتد برس“.

وكان الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، وهو يهودي، سخر من ادعاء الكرملين بـ”نزع النازية”، وردّ وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، من خلال إجراء مقارنة بين زيلينسكي وأدولف هتلر، وهو تصريح أثار انتقادات حادة من إسرائيل.

يقول إرنست ويسشكيفيتش، من مركز الحوار والتفاهم البولندي- الروسي، “كان الهدف الأساسي هذا العام، إعلان النصر الذي كان من المفترض أن يحدث في شباط الماضي”، وأضاف، “إنهم يستعدون لحفلة علاقات عامة ليوم الاثنين، من المهم بالنسبة للروس أن يروا أن العملية العسكرية الخاصة التي سمعوا عنها أدت إلى شيء ملموس”.

توقع البعض في أوكرانيا والغرب أن يحاول بوتين السعي لتحقيق مكاسب سريعة قبل عطلة 9 من أيار، في محاولة محتملة لتقديمه على أنه نصر حاسم، واستخدامه كمخرج مما يبدو بشكل متزايد أنه مستنقع كارثي يستنزف موارد روسيا ويهددها.

بعد محاولة فاشلة لاقتحام كييف ومدن كبيرة أخرى في شمال أوكرانيا بالمراحل الأولى من الحرب، حوّل الكرملين تركيزه إلى المنطقة الصناعية الشرقية المعروفة باسم دونباس، حيث يقاتل المتمردون المدعومون من موسكو القوات الحكومية الأوكرانية منذ ذلك الحين.

أعاد الجيش الروسي تسليح وتزويد قواته المنسحبة من كييف ونقلها إلى دونباس في محاولة واضحة لتطويق وتدمير القوات الأوكرانية المتمركزة هناك، لكن الهجوم في الشرق واجه دفاعات أوكرانية قوية، وحقق تقدمًا تدريجيًا فقط، ما بدّد آمال الكرملين في تحقيق نصر سريع.

تصعيد القوة

انتقد بعض المتشددين الروس الكرملين لاستخدامه قوة محدودة فقط، وحثوا على بذل جهود تعبئة على مستوى البلاد، بينما حذر رئيس المخابرات الأوكرانية، كيريلو بودانوف، من مزاعم استعداد روسيا سرًا لحشد واسع النطاق، والإعلان عن تعبئة شاملة للسكان لتعزيز أعداد القوات لشن هجوم.

قال وزير الدفاع البريطاني، بن والاس، لراديو “LBC” الأسبوع الماضي، إن “بوتين يمهد الطريق للقول: انظر، هذه الآن حرب ضد النازيين، وما أحتاج إليه هو المزيد من الناس”، بينما رفض المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، هذه المزاعم ووصفها بأنها “هراء”.

في الأسابيع الأخيرة، ظهرت عشرات الإعلانات على مواقع الوظائف بحثًا عن “متخصصين في أعمال التعبئة”، لكن مثل هذه الخطوة قد تضرب شعبية الرئيس، وقد لا يكون 9 من أيار هو الوقت المناسب للإعلان عنها، بحسب ما ذكرته “BBC“.

أقر الجيش الروسي بفقدان 1351 جنديًا حتى 25 من آذار الماضي (بعد نحو شهر على المعارك)، ولم يقم بتحديث أعداد الضحايا منذ ذلك الحين، بينما أكّد مسؤولون غربيون أن الخسائر الروسية كانت أكبر بكثير، وقدّروا أن ما يصل إلى ربع القوة الهجومية الأولية لموسكو أصبحت غير صالحة للقتال.

إذا استمرت الحرب، فقد تكون أعداد القوات الروسية الحالية في أوكرانيا غير كافية لمواصلة العمليات، ما يجبر الكرملين على الاعتماد على المجندين غير المدربين تدريبًا جيدًا أو استدعاء جنود الاحتياط.

ويواجه الكرملين خيارًا صارخًا بين محاولة كسب الحرب بقوة محدودة أو محاولة تعزيز قواته في أوكرانيا بالمجندين والاحتياطيين، وهي خطوة قد تثير غضبًا شعبيًا وربما تزعزع استقرار الوضع السياسي.

مع دخول الحرب الآن أسبوعها الـ11، كانت المعارك تدور رحاها على جبهات متعددة، وكانت روسيا هي الأقرب إلى النصر في ماريوبول الأوكرانية، حيث يقف المقاتلون الأوكرانيون في مصنع فولاذ مترامي الأطراف في معركة سلّطت الضوء على بعض أسوأ المعاناة في الحرب.

الاستيلاء الكامل على ماريوبول سيحرم أوكرانيا من ميناء حيوي، ويسمح لروسيا باستكمال ممر بري إلى شبه جزيرة القرم، ويحرر القوات للقتال في أماكن أخرى في دونباس، وهو ما أصبح الآن محور تركيز بوتين المعلَن، بعد فشله في الاستيلاء على العاصمة في الأيام الأولى من الصراع، ومن شأن سقوط المدينة أن يوفر لروسيا نصرًا رمزيًا تشتد الحاجة إليه.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة