نعيم حمدي وفيصل المقداد

ع ع ع

نبيل محمد

تقول وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) في افتتاحية خبر ورد فيها مؤخرًا وتداولته الصحافة الرسمية، إن وزير الخارجية السوري، فيصل المقداد، أكد “ضرورة تعزيز العلاقات الثقافية بين سوريا والدول الأخرى، وأهمية دور الفنان في تحقيق ذلك”. أما الدول الأخرى التي يقصدها الوزير فهي كوريا الديمقراطية الشعبية، وأما الفنان فهو نعيم حمدي.

في هذا الخبر، سوى المضمون الكوميدي الذي لن يُرَى إلا من خلاله أيًا كان الموقف السياسي لقارئه، هناك مضمون آخر، مضمون يطرح تساؤلًا عميقًا، مَن الهامشي والعاجز هنا، الفنان نعيم حمدي الذي رمى به امتناع الشهرة عنه، واستحالة النجومية، والفشل الفني، إلى أن يبحث عن بناء ما لم يستطع تحقيقه طوال عمره، في كوريا الشمالية، أم النظام السوري الذي لم يجد فنانًا يمثّله أو يمثّل الدور الوظيفي للفن في السياسة، وفي تعزيز العلاقات بين الدول إلا بشخص حمدي، وبكوريا الشمالية؟ مَن الرمز الأكثر تمثيلًا للفقر والتصحّر والفراغ والعزلة؟

بدا حمدي في التكريم مسنًا، قاسى الأمرَّين في الإصرار على إثبات الوجود على الساحة الفنية، دون أن يكون له أي ذكر، إلا للتندّر في قصة فنان بحث عن نفسه في كوريا الشمالية. قصة لعلّها صعبة التكوين في مخيلة أكثر كتّاب الدراما الكوميدية إبداعًا. كم سيكون مسلسلًا مسليًا ذلك الذي يتحدث عن مسيرة شهرة فنان عربي في بلادٍ الخارج منها مولود والداخل إليها مفقود.

يأتي في الخبر أن وزير الخارجية أشاد بجهود الفنان في “أنحاء عديدة من العالم وباللغات الحية في عدد كبير من الدول الصديقة لسوريا”، جملة تسعى لأخذ القارئ بـ”العبطة”؟ تفترض أن حمدي غنى بالعديد من اللغات وزار الكثير من البلدان، وهي بحسب ما يطلعنا عليه “جوجل” كوريا الشمالية والهند، وتفترض أيضًا عددًا كبيرًا من الدول الصديقة لسوريا.

“نعيم قويدر” هو اسمه الحقيقي، حيث جاء لقب حمدي من اسم “بليغ حمدي”، إذ منحه الموسيقار إياه يومًا ما حسب قول “نعيم”، الذي رفض الحياة خارج الوطن، وهنا أيضًا يكمن سؤال آخر، لمَ لَمْ ينتقِ الفنان كوريا الشمالية مثلًا للحياة بدلًا من سوريا في ظل الأزمات المتتالية التي تعصف بها؟ وقد وصل بلا شك إلى قناعة بأن الشهرة التي ينشدها لم تتحقق في أيام الاستقرار فكيف بها في الفترة الحالية.

لاقى حمدي استحسانًا من الشعب الكوري ومن زعيمه أيضًا وفق وصف المقداد، ألم يكن حريًّا به وقد نال إعجاب كيم جونغ أون أن يعيش في ظل هذا الإعجاب الذي لم يجده عند قيادته السياسية على الرغم من أدائه مراسم التبجيل سنوات طويلة، دون أن يتاح له الحضور في الشاشة الرسمية إلا لدقائق قليلة تقاسمها مع عصمت رشيد وبسام حسن وغيرهما من رموز الركود الفني والتكرار والتعيّش على أبوب مؤسسات الثقافة وصالات الأفراح.

عدّة أغانٍ وطنيّة قدمها نعيم حمدي لبلاده خلال “أزمتها”، لم تتح لها حتى القنوات الرسمية الانتشار، كانت بينها أغنية باللغة الإنجليزية (واحدة من اللغات التي يحترف حمدي الغناء بها) تبدأ بالقول “لكل إنسان وطنان.. وطنه الأم وسوريا”، بفيديو “كليب” لا يقل بمحتواه الكوميدي غير المقصود عن سيرة الفنان بشكل عام. فنان يتحدّث كل هذه اللغات، كان خيار العمل كمترجم متاحًا له يومًا ما، خاصة بهذا المستوى من التواضع الذي يرفض به أن يطلق عليه لقب “موسيقار” بل هو “ملحّن” مثلما قال محمد عبد الوهاب عن نفسه يومًا ما. لو عمل حمدي مترجمًا علّ واحدة من سفارات بلاده ضمنت له على الأقل إقامة في إحدى الدول الصديقة، دون عناء البحث غير المجدي عن الشهرة.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة