الجواز السوري يقفل أبواب المعاملات التجارية بوجه حامليه

ع ع ع

عنب بلدي– لجين مراد

ينعكس الأثر السلبي للعقوبات الغربية على النظام السوري ورجال الأعمال المقربين منه، على التجار والمستثمرين السوريين داخل وخارج البلاد، إذ تتحوّل جوازات سفرهم إلى مبرر لإغلاق المعاملات التجارية في وجههم.

وبدأت منصة “Binanc”، عملاق تداول العملات الرقمية، بإغلاق حسابات متداولين سوريين في أواخر نيسان الماضي، ما أثار حالة غضب بين سوريين اعتبروا القرار “مجحفًا” بحقهم.

ورغم غياب الإعلان الرسمي، أغلقت المؤسسة حسابات من استفسر عن القضية كونه سوريًا، وبقيت حسابات من لا تعلم المنصة أن أصله سوري، فمن الحسابات ما هو منشَأ بإقامات غير سورية أو بجوازات السوريين المجنسين في الخارج.

وبحسب ما رصدته عنب بلدي، لا يقتصر التضييق على السوريين بالمعاملات التجارية بما يتعلق بالعملات الرقمية وحسب، إذ يتعرض السوريون لضغوطات بالمعاملات البنكية حتى بما يتعلق بحساباتهم الشخصية في مختلف دول العالم.

عقاب جماعي..

النظام لا يكترث.. “الأبرياء” ضحية

يظهر التضييق المفروض على السوريين اتباع المجتمع الدولي سياسة العقوبة الجماعية للتضييق على النظام السوري عقابًا على جرائم الحرب التي ارتكبها منذ بدء الاحتجاجات عام 2011، في حين يصرّ النظام على إظهار لا مبالاته من خلال إعلانه قدرته على الالتفاف على العقوبات الاقتصادية.

الدكتور السوري في الاقتصاد كرم شعار، قال في حديث إلى عنب بلدي، إن النظام يتحدث بشكل مستمر عن قدرته على الالتفاف على العقوبات، ويعتبر ذلك “أسلوب تأقلم مشروعًا”، بينما لم يسعَ الاتحاد الأوروبي وأمريكا للكشف عن هويات الأشخاص الذين التفوا على العقوبات.

وأوضح شعار، وهو مدير الأبحاث في مركز “السياسات وبحوث العمليات”، أن إدارة بايدن غير مهتمة بالعقوبات المفروضة على النظام السوري، فالعقوبات التي فُرضت منذ وصول بايدن إلى السلطة اقتصرت على بضعة أشخاص فقط، وفي المقابل، فُرضت عقوبات على أشخاص معارضين، كما لم يعمل الاتحاد الأوروبي لتطبيق ضغط أكبر على النظام.

سياسة سهلة التطبيق

وتعتبر الدول الغربية السياسة التي اتبعتها بالتضييق على عمل البنوك والمؤسسات المالية في سوريا بعقوبات شاملة قادرة على زيادة صعوبة التعاملات المالية بالنسبة للجميع بمن فيهم الأبرياء، وفق ما قاله شعار.

منع جميع السوريين من النظام المالي أرخص من التدقيق في المعاملات الفردية، هذا هو المعنى الحقيقي للعقاب الجماعي الأناني.

الدكتور السوري في الاقتصاد كرم شعار

ورغم أن العقوبات تبدو “ظاهريًا” واضحة بما يتعلق بنوع الأشخاص المستهدفين، آثرت العديد من المؤسسات المالية في مختلف البلدان قطع تعاملاتها المالية مع جميع السوريين، والتضييق على الخدمات المقدمة لهم خوفًا من انتهاك العقوبات، بحسب ما قاله الباحث الاقتصادي في مركز “عمران للدراسات الاستراتيجية” محمد العبد الله.

وأشار العبد الله إلى تصاعد حدة مخاوف المؤسسات المالية من زيادة احتمالية تبييض الأموال في بلدان النزاع التي تعتبر سوريا أبرزها.

العقوبات تخطئ الهدف

رغم أن المستهدف الأول من العقوبات كان النظام السوري ورجال الأعمال أو الكيانات المقربة منه، تظهر العديد من المؤشرات أن العقوبات أصابت الهدف الخاطئ، وأسفرت عن أضرار اقتصادية كبيرة بالنسبة للسوريين.

“في وقت يسعى فيه ملايين السوريين داخل وخارج البلاد للصمود بوجه النزاع وآثاره الاقتصادية، تسبب التضييق الذي فرضته العقوبات بالحد من وصول السوريين للاستفادة من الخدمات المالية والمصرفية لتعزيز صمودهم الاقتصادي”، قال الباحث محمد العبد الله.

“طال التقييد المالي على السوريين ما يخص الحوالات المالية الداخلية والخارجية عبر الأقنية المالية الرسمية وغير الرسمية، كمنصة (PayPal)، ما حدّ من قدرة السوريين على إجراء معاملات الحوالات المالية، كما تعرّض السوريون لتضييق ضمن المنصات المالية الدولية، كأسواق الأسهم والسندات ومنصات العملات الرقمية”، أضاف العبد الله.

أحد مستخدمي منصة “Binanc”، أنس العلبي (24 عامًا)، قال لعنب بلدي عبر مكالمة هاتفية، من مكان سكنه في العاصمة النمساوية، إنه كان يبحث عن مصدر داخل آخر لا يستهلك وقته وجهده بشكل دائم، ما دفعه للبدء بتداول العملات الرقمية أو الاستثمار بها مستخدمًا منصة “Binanc”، باعتبارها المنصة الأكثر شهرة وقوة وأمانًا بهذا المجال.

وبعد نحو أسبوع من تواصله مع قسم الدعم في المنصة، فور ورود أنباء عن إغلاق حسابات السوريين، طبّقت المنصة قرارها على حسابه رغم امتلاكه وثيقة سفر نمساوية، اعتبرها قسم الدعم في المنصة غير قادرة على الحد من أثر القوانين “الصارمة” بما يتعلق بحسابات حملة الجنسية السورية، وفق ما قاله الشاب.

واعتبر الشاب قرار المنصة أو أي قرارات مشابهة، بما يتعلق بالسوريين الذين لا تربطهم أي صلة بالنظام، قرارات “مجحفة”، فالنسبة الكبرى من المتضررين هم أشخاص يحاولون بشتى الطرق قطع كل الصلات التي يمكن أن تربطهم بالنظام، بما في ذلك جواز سفرهم الذي حرمهم من العديد من الفرص التي يمكن أن تؤمّن لهم حياة أفضل.

ويعاني السوريون في داخل وخارج البلاد من ضغوطات تجارية واقتصادية كبيرة، وعلى سبيل المثال، الكثير من السوريين المقيمين في ماليزيا خاصة أصحاب المدخرات القليلة تردهم إنذارات بإغلاق حساباتهم البنكية، بحسب ما قاله شعار.

كما يعاني السوريون المقيمون في بعض الدول الأوروبية وتركيا والعديد من الدول العربية من ضغوطات مشابهة حول حساباتهم البنكية.

واعتبر شعار أن “الأشخاص الأكثر سطوة وقربًا من النظام، هم الأقدر على تجاوز العقوبات، بينما العامة هم قليلو الحيلة والمتأثرون بالدرجة الأولى من هذه العقوبات”.

أثّر عجز السوريين في بعض الدول عن الاستفادة من الخدمات المالية الخارجية بشكل واضح على استقرارهم الاقتصادي المرتبط بالقدرة على تفعيل أنشطتهم التجارية والادخارية والاستثمارية داخل سوريا، ما يمكن تفسيره على أنه جزء من خطة تضمن عدم توفير الاستقرار المالي للسوريين في دول اللجوء.

تلك الخطة تحقق رغبة السلطات بإعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم.

الباحث الاقتصادي في مركز “عمران للدراسات” محمد العبد الله

تضييق يطال المنظمات

لم يقتصر أثر العقوبات على السوريين كأفراد، بل امتد ليطال منظمات المجتمع المدني داخل وخارج سوريا.

وظهر أثر العقوبات على المنظمات رغم إعلان وزارة الخزانة الأمريكية، في عام 2021، رفع العقوبات عن المنظمات غير الحكومية في سوريا.

وبحسب ما رصدته عنب بلدي، تلاحق العديد من الدول، أبرزها تركيا ودول الخليج، حسابات المنظمات أو أصحابها، ما يزيد تعقيد المعاملات والحوالات المالية.

كما أن العديد من المؤسسات الخيرية في فرنسا عاجزة عن فتح حسابات بنكية، وفق ما قاله الدكتور كرم شعار، مشيرًا إلى الأثر الاقتصادي الكبير الذي تركه الجواز السوري على حياة حامليه.

جهات متضررة.. غير سورية

توجه العديد من السوريين للاستثمار بمختلف المجالات في مناطق لجوئهم، من بينها الاستثمار بالعملات الرقمية التي رآها البعض فرصة لتأمين حياة أفضل لهم تعوّض خساراتهم خلال النزاع في سوريا، ما دفع بعضهم لاستثمار مبالغ هائلة تعود على البلدان المضيفة والمؤسسات المالية بفوائد كبيرة.

وينجم عن التضييق المفروض على السوريين خسارة كبيرة للجهات التي تضغط عليها وزارة الخزانة الأمريكية لتزيد صرامة تعاملها مع السوريين، بحسب شعار، الذي أشار إلى أن العديد من القطاعات داخل وخارج سوريا تتمنى استمرار تعاملها مع السوريين.

ونظرًا إلى حساسية سمعة القطاع المالي والمصرفي على المستوى الدولي للدولة، والخوف من التصنيف المتدني للشفافية المالية لها، والخوف من الاتهام بدعم وتمويل الإرهاب ودعم الجماعات العسكرية المتطرفة، آثرت العديد من الدول تقييد الحرية المالية للسوريين من المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال والعملاء لدى المصارف والمؤسسات المالية على المكتسبات الاقتصادية التي يمكن أن تحققها الدول أو المؤسسات المالية من هذه الاستثمارات، وفق ما قاله الباحث محمد العبد الله.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة